القصة القصيرة

خناقة بلدي

في ليلة خريفية جميلة تخللها بعض رطوبة .. ورائحة قش الأرز المحروق وغبار دراوة المحصول .. إستغرقتني القراءة حتى آذان الفجر .. و يحلو السهر دائما إذا كان الغد إجازة ..
خرجت للبلكون متشهيا بعض نسمات طرية .. جلست أرتشف كوبا من الشاى مستمتعا بالهدوء الرائع في الشارع ..
وكما يحدث دائما فجأة إرتفعت الأصوات .. وبدأت الحركة بالشارع والحياة تدب في البشرية .. وكان ماكان …
– حا يا بتاع الكلب .. هم يا بن الحمار .. عايزين نلحق المجمع قبل الزحمة ..
كان عمارالدهشان يسرع الخطى .. ويحفز الحمار الذى يحمل جوال أرز كبير .. يجري ويلهث هوو حماره معا ..
بصوت جهوري أطلق حوارا شدني لمتابعته :
– إوعى ضهرك .. وسع سكه للحمار .. أنت يا جدع سير على جنب .. عايز الحق الوقت بدري .. إنت يا نايم ..
كان عبده عبد العظيم يسير بمنتصف الشارع .. متثاقل الخطوات كأنه لم يفق من نومه بعد ..
نظر له بتعجب وببعض السخرية وكرر كلامه ضاغطا على لدغته بالراء وبطريقة مهينة .. واخذ يتعوج ويتثنى ويتقطم وكرر الكلمات .. ضهرك .. الحمار .. بدرى .. السير .. ركز على حرف الراء مستهزئا ..
إغتاظ الدهشان وقال له غاضبا :
– بتتريق على خلقة ربنا يا مغفل أنت .. طيب أنا لساني بس اللي معووج .. لكن أنت كلك معووج وعايز تتظبط ..
انشغلوا بالخناق ووقع جوال الأرز من فوق الحمار .. خف الحمل فوق الحمار فبدأ يجرى .. لحقه الدهشان وجذبه بقوة .. لم يحاول عبده عبد العظيم أن يساعده فيما هوفيه .. ورد عليه بطريقة أكثر استفزاز وقال :
– أنت تظبطني أنا .. يا فلاح يا جلف .. يا .. يا .. وإنهال عليه سبابا ولعنات دونما توقف .
رد الدهشان مغتاظا من لهجته وطريقته في الحديث :
– أيوه أنا أعدلك وأكسر عضمك كمان ..
كلمة من هنا وشتيمة من هناك .. تشابكا بالأيدي وإنهال عمارعليه ضربا .. وهو عاجز عن تفادي اللكمات وضربات القدم والرأس .. وأخذ يصرخ كطفل محاط بعصابة أشرار .. لم أصادف رجلا يصرخ هكذا من قبل ..
تجمع الخلق على صوته .. ناس من كل الأعماروالأشكال .. من كل شوارع وحواري البلد .. خناقة حقيقية بسبب تافه جدا .. سباب وضرب بين رجلين ناضجين .. تخطوا الثلاثين وأقارب وأنسباء بل ويلعبوا كرة القدم سويا ..
عمارفلاح لم ينل من التعليم حظا ولو أدناه .. دماغه ناشفة حديد وتفكيره ضيق .. قلبه أبيض ولسانه طويل أعوج به لثغة في حرف الراء .. أبيض اللون مع مسحة سمار صنعته شمس الغيط .. عيناه زرقاوان وطبعه حامي .. أي هزار يعتبره خدش لكرامته و جريمة تستحق الخناق .
عبده عبد العظيم نحيف أشبه بالبوص أو القلم الرصاص .. يتمتع ببعض الوسامة وبعض الأرض وبعض التعليم وبعض طول اللسان .. ويعمل موظفا بالمجلس المحلي ..
الخناقة في البلد لها معاني و تقاليد شبه ثابتة .. تبدأ أحيانا بشخصين فقط .. تنتهي بأن تشارك فيها البلد كلها .. تصبح ساحة الخناقة تعج بالآدميين .. لحم فوق بعضه برغم تعارض مصالح المشاركين كلهم ..
في بلدنا ميزتين وهم عيبين في الوقت ذاته .. القرب الشديد بين الناس يفقدنا الخصوصية .. وتلبية النداء السريع يجعل بيتك مكشوف باستمرار .. مما يجعل أناس تتدخل جاهلين ما حدث .. ولديهم أحكام جاهزة ما أنزل الله بها من سلطان :
– عمارالدهشان له ألف حق في كل ما فعل .. يستحق أن يضربه أكثر من ذلك .
– وهل عبده أخطأ بالبخاري ؟.. دائما ما نمزح مع بعضنا دون حساسية ..
– ولماذا يسخر منه هكذا ؟ عمار رجل جاد جدا .. لايحب أن يعتدى عليه أحد ..
وأصوات تتداخل باستمرار وصياح عال : الحمار يجري منه إلحقه به يا ولد .. جوال الأرز أصبح تحت أقدام الناس .. إرفع قدمك عن الجوال يا حمار .. الأرز سيتبعثر يا أخي حرام عليكم .. ليس مهما الأرز بالمرة .. لابد نلقنه درسا لاينساه أبدا ..
وبشرية إجتمعت بالصباح الباكر .. تعاني كل علامات النوم .. ملابس غريبة .. شعر مازال منكوشا .. أصوات متحشرجة .. وجوه لم تغتسل .. بدون أقنعة مواجهة الحياة .. نساء تفتح الشبابيك بثياب كيفما أتفق .. الشبابيك التي تستقبل الشمس والحياة .. تستقبل بدلا منها ضجيج وصخب وتطاحن وتشاحن .. لوحة قبيحة لسوق شعبي ..
شاب ينظر لفتاه بالشباك معاتبا .. تأخذ منه جانبا .. يرمي نحوها بعض العتب فتتلاشاه .. ليس هذا وقت العتاب ..
وحوار عبثي آخر يدور بين آخرين :
– وماذا فعل عمار؟ أليس له الحق في أن يفسح الآخر الطريق له ؟
– انه ليس مخطئ .. المخطئ هو المسطول الذي يسير في الشارع كأنه ملكه .
سيارة تخترق الجمع بسرعة .. الناس مستاءة جدا منه .. وتسمع حوارا غريبا
– وراه مواعيد عمل يريد اللحاق بها ..
– وهل لكي يلحق بمواعيده يدوس من يقابله في طريقه ..
– معذور لأن الناس قفلوا الشارع وسدوا الطريق .
وأصوات أخرى مطالبة بالذهاب للمركز ..
– لا لن نذهب ..
– المركز سيعرفون من المخطئ ومن صاحب الحق ..
– لالن نذهب .. هناك ستدفع غرامة ويدخل الإثنان للحجز .. لن نعرف من الظالم ومن المظلوم ..
– لننهي الموضوع وديا .. قالها الشخ الطيب بهدوء ..
– لاليس هناك شئ ودى ..
– إهدئ يا أخي .. إحنا كلنا أهل وأقارب .. الناس كلها لاتريد الذهاب للمركز .. لن نذهب للنقطة .
رد الشيخ الطيب بصوت حاسم .. ثم أردف قائلا :
– نجلس ونتصافي .. تعالوا عندي في البيت ونقولها كلمة ترضي الناس كلها .. لنفض الجمع واللمة .
– مفيش تصالح معه أهانك ومهياش أول مرة .. ده بيتعمدها معاك مترضاش بالإهانة .. واحدة بواحدة والبادي أظلم .. لابد تهينه وتمسخره كمان زي ماهانك ..
كان الصوت العالي لزوجة عمارالدهشان .. أتت مسرعة حاسرة رأسها وشعرها مشعث .. ملابسها رثة برائحة دخان مليئة بآثار الدقيق والعجين .. تحمل رضيعها على كتفها .. وتجر أحد أبنائها لم يفتح عينيه بعد .. لم يغسلهما مما علق بهما من آثار النوم وتراب اللعب في الشارع بالأمس .. تمشي متثاقلة الحركة .. تجر قدميها ولحمها جرا .. منفعلة جدا ولاخلفية لديها عما حدث .. وتصرخ ويعلو صوتها .. ليغطي على كلام زوجها ومعارضة قبوله التصالح ..
– محدش يقدر يهين جوزي ؟ متخلقش لسه .. اللي يحاول يمس شعره من راسه أقتله .
قالتها زوجة عبده عبد العظيم صارخة بإنفعال أكثر من زوجة عمار .. وواصلن مباراة السباب والحركات البذيئة ..
وهي امرأة سمينة قصيرة بأرداف كبيرة مخيفة .. أقدام صغيرة وسيقان قصيرة .. وجه قاسي يتماشى وضخامة جسدها .. ومع ذلك لاتعدم بعض جمال في صوتها .. ولست أدرى أين هذا الصوت الناعم من الجسم المهول ..
تدافع عن زوجها لتحافظ على كرامته .. بل تحرضه وتحاول قتل من يهينه .. وأية كرامة هذه التي يهين بها رجل غريمة لمجرد نقص واضح او لدغة في الراء .. أليس لكل منا نقائصه .. أفكار انتبتني وأنا اسمع حوار الحريم هذا ..
فضلت الفرجة من بعيد .. فلاأحب الدخول فيما لايعنيني .. ولكن الحقيقة أن ماحدث يعنيني .. بدايةأنا شاهد عيان عليه .. أيضا هي فرصة لمعرفة نهاية الحكاية .. والثالث لأنها أفزعتني وضيعت الهدوء بالشارع ..
بدا الشارع وليس به شبر واحد خإلي من قدم .. الإشتباك بين النساء على قدم وساق .. وحينما هدأن جاء من يشعلها .. شقيق عبده عبد العظيم .. من بعيد يجري ويسأل ماذا حدث ؟ ومن المخطئ ؟ أسئلة كثيرة لم أستوعبها .. أصوات النساء غالبة تحاول الرد .. صوت الشيخ الطيب عالي يسكت النساء .. يأمرهن بالعودة للمنازل .. يرد عليه لاشئ هناك بالمرة .. مجرد سوء تفاهم بسيط ..
شبابيك تفتح ودائرة يزداد إتساعها .. وزحمة كمولد السيد .. أناس تصحو من النوم مفزوعة .. أحاديث جانبية للبعض بشئونهم الخاصة .. وكثيرون نسيوا الخناقة .. وآخرون لايعرفون عنها شئ .. كلام كلام ..
دائرة تنفض إلى لاشئ .. وكلام وحديث لاقيمة له .. بالون طائر فأفرغت هواءه شوكة صغيرة .. صبية يضربوا بعضهم ويشدوا شعور بعضهم .. أو يلعبوا بالتراب والطين .. وخناقات صغيرة وبكاء سريع بينهم .. فض مشاجراتهم الصغيرة أصبح أهم من المشاجرة الكبيرة ..
أمرمن الشيخ الطيب لامجال للأطفال ولابد يرجعوا بيوتهم .. يجرون وراء بعضهم البعض .. تلهث الامهات ورائهم .. ينجحن أخيرا في إمساكهم .. غادرت النساء يجررن الأطفال .. أخيرا هدأ المكان .
لم يبق إلا هذا الرجل الذي جاء متأخرا .. يريد معرفة كل شئ .. ولايرد عليه أحد ولايشعر به أحد ..
– تعالوا جوه نشرب الشاى ونتكلم مع بعض بهدوء .. دعوة من الشيخ الطيب ..
إمتلأ المنزل بالكثيرين .. سواء من كان معني الأمر أو فقط يتفرج .. أحس البعض بالخجل من وجوده وزحمة المكان .. بادروا بالإنصراف تاركين أصحاب الشأن مع الشيخ الطيب .. وأنا معهم كشاهد على الخناقة ..
يبدأوا بتصفية النفوس .. صلي على النبي .. إفتتح الشيخ الطيب الحديث قائلا :
– أولا نقرأ الفاتحة للنبي إن النفوس تهدى .. وبعدين نسمع من كل واحد على حده ..
ردد الحضور أمرك يا عم الشيخ .. وحينما هم كذلك سمعوا أصواتا عالية بالخارج تستغيث ..
حريقة .. حريقة .. إلحقونا ياهوه .. صفارة الإنذار بفم الغفير .. نادى ميكروفون المسجد .. يا أهالي البلد حريقة في بيت عمارالدهشان .. وتجمع كل أهل البلد وإستمر النداء بالميكرفون .. والناس تجري بالشوارع ..
لم يصدق كل من في بيت الشيخ الطيب ما سمعوا .. قفز عمارمسرعا و جرينا كلنا على الشارع .. حتى الشيخ الطيب كان قد سبقنا بدون حذاء في قدمه .
نجري كلنا في إتجاه الحريق .. رجال وحريم .. شباب وأطفال .. كل يحمل صفائح وأواني فارغة ليملئها بالماء للإطفاء .. البعض يحمل مياه فعلا .. الغفير يطلب المطافي بالمركز .. وبعضهم يلهث وهو يجري ويتساءل ما سبب الحريق ؟..
– البت رضا مرات عمارالدهشان نسيت الفرن والع و مليان حطب .. والنار مسكت في سقف أوضة الخبيز .. الخوف إنها تأكل سقف البيت كله وتدمر باقى البيت .. الخوف كمان على بهايمه تحرقها النار ..
الجميع منتبه فقط على مكان الحريق .. كلنا مشدودين لمحاصرة الحريق .. شباب يحضر سلالم خارجية للقفز على ظهر البيت المحروق .. آخرون يحاصرون النيران .. وتسمع نداءات من الكل على الكل .. الكل يحذر وينبه ..
– طلعوا البهايم من الزريبة و طلعوا الفرش بره .. إبعد التليفزيون لحسن يفرقع .. إوعى الثلاجة وحافظ عليها يا وله ..
– طفي يا راجل بدال ما أنت واقف زي قلتك كده .. إبعد ياإبني عن سلوك الكهربا وإنت بتطفي ..
– هات التسجيل اللي هناك ده .. روح دور موتور الجامع التاني يا إسماعيل ..
– روحي يا مره إنتي وهي هاتوا ميه من الجامع التاني ..
– تعإلى يا وله خد ميه من طرمبتنا أنا دورت الموتور كمان بسرعة يا أخي خلي عندك همه إمال ..
ولولت زوجة عمار .. إلحقوا العيال الصغيرة في الأوضة جوه .. خايفة يتخنقوا من الدخانه ..
عمار يقف مكتوف الأيدي .. تعب من حمل المياة وتطفية الحريق .. إختنق لبعض الوقت وأخذ يسعل .. قال في توسل :
– حد ينط على الأوضه اللي في الشمال لاجل يحاصر النار دي .. لابد نجيب العيال قبل النار ما تدخل عليهم ..
– اسرع يا اخي أنت وهو .. ناولني جردل ميه ..
– أنا داخل اجيبهم .. حد بس يرمي ميه قدامي وأنا رايح بسرعة ..
ودخل الرجل بسرعة وإنتشل الأطفال .. وهم ما بين عطس وسعال وبكاء من الخوف والدخان ..
لم يكن هذا المغامر سوى .. عبده عبد العظيم .. الذي هو قليل النخوة .. وإنبرى الجميع في الثناء عليه :
– النار نستهم حتى نفسهم يابا الحاج .. لو شفته وهو بينط – حتة دين نطه ..
أخيرا تحاصرت النار .. وبدأ الدخان يتلاشى .. ولكن رائحته مازالت تعبأ المكان .. وجلسنا يسعل ويعطس ..
قال أحدهم بصوت عال :
– الحمد لله .. الحمد لله إطفت خلاص .. ألف حمد وشكر ليك يا رب .. خلاص يا ولاد كفايه ميه .. بس الخساير طالما بعيد عن الأرواح تهون .. يهمس أحدهم تقريبا فرشة باظ .. كمان الدار بقت مغببه وعايزالها فرشة جير على الأقل .. فدى الولاد يا صاحبي .. وإعتبروه درس النار خطره قوى ..
وجاءت المطافي بعدما إنفضت اللمة .. وهم دائما لا يحضروا في الوقت المضبوط .. وبستر الله علينا أطفأناها بدونهم .. كالعادة لم يستغربوا فهذا دأب قريتنا .. المهم أن يكتبوا المحضر .. ويأخدوا مصاريف الإنتقال والدخان أيضا ..
هدأ المكان وإنفضت لمة البشر إلا من بعض أقاربه يتحدثون إليه .. وجلست زوجته وأولاده صامتين .. فيما جلس عمار بجوارهم مسندا ظهره لحائط غرفة الخبيز .. عاقدا ذراعاه ورأسه على ركبتيه .. يهز رأسه غير مستوعب لما حدث .. ناظرا بين الفينة والأخرى فيما خلفته النار .. متناسيا أمر الخناقة يفكر مليا في إصلاح ما أفسده الحريق ..

السابق
الضغط
التالي
محاكمة داخل الانا

اترك تعليقاً