القصة القصيرة

خيبة إبليس

يبكي بحرقـةٍ و صوتُ صراخه يهزُّ الأرضَ بعد أن لجـأ إلى غابةٍ جبليّـةٍ على أطرافِ القرية يندُبُ حظّه وخيبته و حسرته والصّدمـة التي لحقت به وفاجأتـْه من أهل هذه القبيلة ! ، لم يتوقـّع أحد أنّ إبليـس سيذرفُ الدُّموعَ يومـاً و لم يجرُؤ أحد على الاقتراب منه و سؤاله أو مواساته مراعاة ً لقانون “القبيلة” الذي لا يُبيح التعامل مع إبليس إلا في السرّ ! ، سمِعهُ أحدُ القردة و هو يقول : ” يا حسرتاه عليك يا إبليس .. حسرتاه يا زماني .. يا لغبائي .. اللعنـة عليكم .. اللعنة .. لقد خانوكَ و خنتَ الوعد .. آآهٍ عليك يا إبليس ! ” بصوتٍ مزعجٍ لوّثَ هدوءَ الغابةِ وسُكونهـا ! اقتربَ منه القردُ بدونِ أدنى خوف وسألـهُ : ” هل أنت إبليس !؟ ” أجابَ : ” نعم .. وماذا تريد ومن أنت ؟ ”
– أنا قردٌ و جدِّي كان من البشر الذين مَسَخهُم الله .. عليكََ اللعنة لاحقتَهم حتى تبِعوك و أصبحوا قردة بسببك لولاك لكنتُ الآن من البشر و أعيش بكرامـة !
– اخرس أيّهـا الغبي عن أيّ كرامـة تتحدّث لو تعرف حال البشر اليوم لشكرتَ جدّكَ ليل نهار على اتباعه لي أنت أكثر كرامـة منهم اليوم أيها الغبي !
– لا علينـا عمومـاً أنا أسمعُ عنهم بعض الأخبار وهي لا تسرٌّ لا عدواً ولا حبيب .. المهم ما قصّتك معهم لماذا تلعنهم وتلعن نفسك و أنا أعرف أنك صديق لأكثريتهم وتعيش بينهم بسلامٍ !
– كان ذلك زمان يا قرد الشُؤم لم يبقوا كذلك ،وتنهّد إبليس تنهيدة حسرة طويلة حتى تثاءب القرد من طول الانتظار !
– ماذا حدث لك ؟ هل باعوك ؟ هل خانوك ؟ ألم يعد منهم من يستمع إليك ويعمل بنصائحك ؟ ألم يعد معظمهم حليفاً لك ؟ أأصبحتَ عاطلاً عن العمل ؟ هل تابوا إلى ربِّهم جميعـاً !؟
– أتعرفُ أهل تلك ” القبيلة ” ؟ .. أيام و ليال طويلة وأنـا أعمل معهم يداً بيد كي يبيعوا ضميرهم ويضعوا أيديهم في أيدي أعدائهم لاحتلال مدينتهم ، وافقوا على خطّتي ونفّذوها بإحكام .. باعوا شرفهم و كرامتهم وتجرّدوا من إنسانيتهم ودينهم ، أحرقوا غابات النخيل والحقول وأسقطوا معالم المدينة وفرشوا الأرض وروداً ترحيباً بمن اغتصبوا أرضهم واستنزفوا ثرواتها وعاثوا فساداً بهـا .. قاتلوا واستباحوا دماء بعضهم .. و ..
قاطعه القرد الذي ملّ من سماع كلامه وهو لا يفهم سرّ غضبه وسأله :
– وأنت ماذا يزعجك الآن .. أليس هذا ما تطمح إليه ؟ أليست رغبتك ؟ أليس من المفروض أن تفرح و تحتفل بما حققته !؟
– بعد أن رقصوا على جثث بعضهم وأسقطوا عرش ملكهم ووقفوا على أطلال الخراب والدمار و أنا أتوسّطهم بدون خجلِ ردّدوا الله أكبر وحمدوه على توفيقه ونصره ، وسجدوا له و أنا الذي قمتُ بكلّ شيء لم يحمدوني على شيء !!
بعد أن سمع القردُ قصّة إبليس تعاطف معه انحنى له و قال : حمداً لك يا إبليس لولاك لكنتُ اليوم بشراً ولحقَ بي العارُ !
– الظاهر أنك الوحيد من بقي وفياً لي اليوم أيها القرد !؟
– وماذا تنوي أن تفعل الآن ، هل ستعيد التجربة ؟
– أبداً، لم يعُد لي دور .. لقد تركتُ لهم المهمة و سلّمتُ لهم عرشي سأستقر في هذه الغابة و أحاول أن أنسى !.

السابق
صوت الشلال
التالي
خيالات كاتب مبتديء

اترك تعليقاً