القصة القصيرة

ديمقراطية

في احد ايام الربيع، صباح جميل يملؤه الدفئ، وخطوات صغيرة، مع طموح جامح، تأخذني إلى منبع ارتشاف العلم والمعرفة، المكان الذي اعشقه، أنه مطعمي الفخم الذي اتناول فيه اشهى وجبات الغذاء الروحي والعقلي واهضمها جيدنا واحفظها في صندوقي الأسود الذي يعتلي جسدي النحيل، دخلت المدرسة في الثواني الأخيرة قبل أن يقرع الجرس كعادتي يومياً، يبدأ الاصطفاف كل في مكانه المعتاد، بدأ المدير بكلمته الصباحية التي تحث على حب شيء غريب الكل يتغنى به لم اعرفه مسبقا سوى علم ونشيد، ثم انبرى طالب بقصيدة تصدح بحب القائد، الذي يلبس ملابس الحرب حتى في غرفة نومه، هواياته القتل والصيد بشتى الوسائل، يتشدق بكلامٍ اكبر من أفعاله وحجمه.
تلتها ممارسة رفعة العلم، الفقرة الوحيدة التي أحبها، تحسسك بشيء اسمه الوطنية، النشيد الوطني يرسم على الأجواء ألوان من السعادة والفرح لايمكن تفسيرها بابلغ الكلمات، إلى أن يقطع هذه اللحظات صوت اطلاقة نارية، تذكرني بأننا داخل دولة تعشق الحرب، وتطرب على صوت آلات الموت التي تفخر بها.
تفرق الجميع بعد أن أبلغنا المدير أن هنالك مسيرة احتفالية بمناسبة يوم المحافظة وعيد ميلاد الرئيس، لم يعجبني أن نحتفل أو نخرج بمظاهرة مؤيدة انا وبعض الأصدقاء كنا ثلاثة اتفقنا على الهرب، تسورنا حائط المدرسة بعيداً عن أنظار المدير واعوانه، وركضنا بعيداً إلى الشارع العام، نشوة الانتصار لم تستمر كثيراً، عندما لحقت بنا عجلة (لاندكروزر)، توقفت فجأة، نزل ازلام النظام، اقتادونا مع اسلحتنا الفكرية من الكتب والدفاتر، الى مقر الحزب الحاكم في الحي، انزلونا بالقوة ، جاء كبيرهم الذي علمهم الظلم ليحقق معنا، لم نكن نعرف ما هي الجريمة التي اقترفناها، لم نتجاوز الستة عشر ربيعاً بعد، توجه الينا غاضباً، يتطاير شرار الحقد من عينيه :
– لماذا تركتم الاحتفال بعيد القائد.
اردت الإجابة عن سؤاله، بفم يابس، وأسنان تصطك من الخوف.
بادر صديقي الأنيق الذي لازال يحتفظ برباطة جأشه ويلبس نظارته الشمسية، ويكف قميصه الذي هو نصف كُم اساساً- هذه الأشياء يعتبرهاً الازلام عدم احترام- قبل أن يفتح فمه، جائته صفعة قوية أسقطت نظارته، ورسمت كف حمراء على خده الأيمن، مع إهانة بصوت عالٍ:
-انجب ادب سز، اخذوهم للحجز يالا، كلاب.
بعد هذا الفاصل من الإهانة والرعب، اقتادونا إلى الحجز كل واحد في حمام قياسه متر في متر مربع ، بعد ساعتان من الوقوف في الحمام والروائح النتنة، والتعذيب النفسي والجسدي، فجأة وبدون مقدمات فتح باب الحجز، تم سحبي ومن معي بقوة إلى سيارة (اللاندكروزر) مرة اخرى، قال لنا أحد ازلام الحزب الحاكم، الذي غير أسلوبه ولونه ووجه العفن:
– سنذهب إلى المظاهرات معاً.
التفت أحدنا إلى الاخر بدون اي كلام اوتعبير بالرفض أو القبول فقد كنا مرغمين شئنا أم ابينا، اقحمونا عنوة إلى المسيرة، قبل وصولنا المنصة، اجبرنا على التصفيق والهتاف، بروح القائد الهمام، وحكومته العادلة.
بعد الظهر شاهدت نفسي واصدقائي على التلفاز، ونحن نحتفل بعيد ميلاد الرئيس فرحين ونصفق وقلت متعجباً:
– هكذا تسوق الديمقراطية للعالم!!!

السابق
ماء الحب
التالي
دفء

اترك تعليقاً