القصة القصيرة

ذاكرة الصمت

الحلم يولد .. و الرغبة تزهر .. و الطموح يتعاظم .. و يبقى الإنسان ملغما بين الانتظار و الاحتضار .. و في غمرة الحصار يولد الطاعون ليجدد الدمار ، وتعود الأرض كما كانت ، محاصرة بالجفاف و الانتحار …

الزمن الأول:
الحلم يولد .. و الرغبة تزهر .. و الطموح يتعاظم .. و يبقى الإنسان ملغما بين الانتظار و الاحتضار .. و في غمرة الحصار يولد الطاعون ليجدد الدمار ، و تعود الأرض كما كانت ، محاصرة بالجفاف و الانتحار ، على أعتاب الصحاري ،و يجدد الموت ثوبه ليمارس حرفته بشبق ، على امتداد الأزمنة و كل تعاقب يولد الرغبة فيه ، بأن يكون سيدا في الإنسان ..
وتبقى ملغما ، كمن سبقوك إلى الحياة ، و إلى الموت ملغما بالأمل و محاصرا بالموت.

الزمن الثاني:
طرقات عنيفة تخض الباب ، في هزيع الليل الأخير ، تقتلعني من فراشي ، و تقودني بخطوات مستعجلة نحوها ، و دون أدنى توجس امتدت يدي ، و أدارت المفتاح ، و ما كاد الباب يفغر فاه حتى دفعته بشدة ، و لولا الجدار ، لهويت إلى الأرض ، ثم انطلقت كالمخبولة ، تبعثر نظراتها الفزعة في كل مكان ، تتبعها خطواتها المضطربة .. تسمرت في مكاني بعد أن ألجمني الذهول و كبلتني المفاجأة ، و أنا أنقل نظراتي البلهاء ، في هذه الفتاة ذات العينين الغائرتين و الوجه الشاحب بعضلاته المتقلصة و شعرها المترامي في غير نظام .. لم تكن ترتدي سوى قميص النوم الراقص على نغمة الرجفة السارية في أوصالها و حذاء جلدي تحمله في إحدى يديها .. و فجأة توقفت عن الحركة و التفتت نحوي و راحت تحملق في بعينين شاردتين ثم ندت عنها همهمة ما لبثت الدموع أن سحبت أنفاسها فارتمت علي مجهشة بالبكاء و من خلال دموعها سمعت صوتا واهنا :
ــ أنقذني .. إنه يطاردني .. أرجوك
و في اللحظة ذاتها اقتحم الغرفة رجل مديد القامة ذو وجه عريض داكن و عينين رماديتين تومضان متوعدتين كان يرتدي معطفا و قبعة من الفرو ..
امتدت يده الغليظة المشعرة لتسحبها من بين يدي بقوة .. كانت ترتجف فرقا و تحرك رأسها رافضة الاستسلام لذلك الوحش الهائج .. و فجأة استدارت نحوي و امتدت يداها المرتجفتان لتتشبث بقميصي و تناسلت الألوان في وجهها .. ثم راحت تهوي إلى الأرض ببطء و هي تفرغ نظراتها في وجهي .. ثم تمددت على الأرض مضرجة بالدماء بينما انطلقت قهقهاته ساخرة من الصمت المطبق و هو ينظر إلى الخنجر الثابت في يده .. و ما لبثت نظراته أن وثبت إلى سحنتي الممتقعة و رفع الخنجر المتقاطر دما باتجاه حنجرتي متوعدا .. و بعد أن بصق على ا لجثة انصرف بخطى مستعجلة.

الزمن الأول:
اسمي الحقيقي ) عيسى بن حميدة ( بوجهي الكالح و عيني الزائغتين في وجهي العظم و شفتي المتهدلتين و شعري الأشعث و عباءتي المتسخة و المثقوبة في غير جانب ..
و لما بدأت أكبر عرفت أن أبي قد توفي بعد ولادتي بشهور قليلة ، و أن أخي الأكبر هاجر مند سنوات و لم يرجع ، و وجدت نفسي مسؤولا عن أربع بنات و أم خالط الشيب شعرها و عششت التجاعيد في وجهها و أحنى الزمن ظهرها وفي أصيل ذات يوم اجتمع شيوخ القرية و قرروا أن يسلموني قطعانهم لأرعاها فتقدمت منهم أمي بخطوات مرتعشة و قبلت رؤوسهم و دعت لهم بالخير و البركة و مند ذلك الحين أصبحوا يطلقون علي ) عيسى الراعي ( .
و عقب نهاية كل شهر كنت أطرق الأبواب و أعود في المساء لأرمي الكيس جانبا و أنزوي في ركن من الكوخ استمع لصوت أمي المرتعش و هي تفض محتويات الكيس :
ــ هذا زيت .. و هذا قمح .. و هذا ..
و أخواتي يحطن بها يرمقن بنظرات متعطشة يد أمي و هي تمتد إلى الكيس و أحيانا تمزق إحداهن
الصمت- بصوت النشوة :
ــ هذا فستان !
و يقضين بقية الليل يتداولن عليه ، تتبادله أيديهن و تتقمصه أجسادهن و كل واحدة منهن تبدي رغبتها في ارتدائه و لا ينتهي النزاع إلا حين تبدي أمي رأيها :
ــ ما رأيكن لو ترتدينه بالتناوب ؟
الكل كان يكبر ياعيسى و وحدك تتضاءل في تضخم العالم و تتيه في اتساعه و لذلك قررت الرحيل .
الزمن الثاني :
استلقى مفتش الشرطة على مقعده خلف المكتب ، و اتكأ بمرفقيه على الطاولة بينما تشابكت أصابعه التي استلقت عليها شفتاه الغليظتان و ثبت نظره في وجهي و بعد برهة صمت امتدت يده إلى المصباح الكهربائي المثبت على الطاولة و أحاله باتجاهي فاندفعت حزمة الضوء .. رفعت يدي إلى وجهي لأخفي عنه وخزات الضوء المندلق عليه بينما التقطت أذناي هذا السؤال :
ــ ما اسمك ؟
ــ عيسى الراعي .. كلا عيسى بن حميدة
ــ هل تعرف الضحية ؟
ترددت قليلا ثم أجبت ضاغطا على الكلمات :
ــ كلا .. لم أرها في حياتي .
ــ كيف تفسر إذن وجودها بمنزلك في تلك الساعة المتأخرة من الليل ؟
ــ لقد أخبرتك يا سيدي بكل شيء.
ــ نعم ، إلا الحقيقة فإنك لا تزال تطويها في قرارة نفسك .
ذلك الوحش الهائج هو الذي أخبرهم ما كدت أستفيق من ذهولي حتى وجدت منزلي يغص بالشرطة .. تقدم مني أحدهم و وضع القيد الحديدي في يدي و سحبني بعنف إلى الخارج من حينها و أنا المجرم الحقيقي و كلما أردت أن أبرئ نفسي وجدت الأسئلة تحاصرني تضيق على الخناق ..
قال لي المفتش :
ــ لننس الضحية .. و أنها كانت ترتدي قميص النوم و أنها كانت حافية القدمين و أعود إلى قصتك فعندما دخلت إلى منزلك في حالتها تلك هل أغلقت الباب وراءها ؟
ــ نعم سيدي .
ــ إذن كيف عرف المجرم مكانها و قد لحق بها بعد فترة ؟!
فلم أجد غير تأتأة خرساء تجيب عن الإبهام الذي انغرس في ذاكرتي
الزمن الأول :
لماذا قررت الرحيل ياعيسى ؟ كنت تظن أنك بقيت وحدك كما أنت لأن القطار لم يمر أمام كوخك الحقير و وحدك بقيت ترعى القطعان بعد أن مزق الرعاة عباءاتهم و سرحوا شعورهم و باعوا الناي لسوق البحر و ارتدوا أسمال المدينة و شربوا من قيحها و تدثروا بسمائها و توسدوا أرضها المهووسة و ضحـكوا إلى حــــد النخـــاع .. ظننت أنك بقيت وحدك تعزف للقطعــان ألحــانا تهيم في سمــــــاء بلا أفق و بقيت تــحــلم بحبـــها السرمدي .. و حين علمت بزواجها اكتلت اليقين لتمزق الظن، فسقت القطيع إلى الهاوية، و عزفت له لحنا جنائزيا و هو يهوي في القرار السحيق، ثم لملمت حوائجك و رحلت عبر الفيافي تصيخ السمع لزفرات القطار.

الزمن الثاني:
كدت ابصق بالحقيقة في وجه الشرطي عند التحقيق الأخير .. تكتلت العبارات على لساني و كادت تنزلق منه .. كدت أقول له بأنني أعرفها .. نعم هي بعينها .. حين رأيتها وقفت مشدوها و لم أدر
أهي حقيقة !؟ أم خيال !؟ و أخيرا أقنعت نفسي بأنها ليست هي إذ كيف يمكنها أن تكون مع الشيخ البشير في القرية و معي هنا في المدينة في آن واحد .. ثم هاتين العينين الغائرتين و الوجه الطويل .. و لم أعرفها إلا حين حدقت فيّ و دفنت رأسها بصدري و علا نشيجها حينها عرفت بأنها هي .. هي بذاتها نفس اللقطة حدثت يوم نقلت إلي خبر زواجها .. هذا النشيج المختنق أعرفه .. إنها هي .. لكن ما الذي أتى بها إلى المدينة !؟ و كيف عرفت منزلي !؟ كيف !؟ لماذا !؟ الأسئلة تحاصرني تضيق عليّ الخناق .. و حين اقتحم قاتلها الباب فهمت كل شيء .. هي كذلك رأت بأن العالم يتضخم و يتسع و تتضاءل و تتيه” حلمنا لا يتحقق إلا في مدينة كبيرة ” .
و فتحت ذراعي على اتساعهما – هكذا قلت لها ذات مرة ..
صورتها ترتسم في مخيلتي و هي تنسحب من بيت زوجها خاوية الوفاض و تمضي عبر الفيافي و القفار تسأل عن زفير القطار دون وجهته .. و تاهت خطاها في الشوارع اللامتناهية و في الطرقات المشبعة بروح الخيبة المريرة .. و مضت كالمجنونة تسأل :
ــ هل تعرفون عيسى الراعي ؟
تلتهمها النظرات .. يتوسدها الخيال .. الجميع يضحك بقدر الرغبة المتكتلة في النفوس .. و سقط الظلام.. كلا .. كلا لن أقول له شيئا سأعترف بأنني أنا الذي قتلتها .. كان بإمكاني أن أرتمي على الوحش و أخلصها من براثنه و لكنني هتفت في قرارة نفسي ) دع القذارة الكبيرة تتخلص من هذه الجرثومة الدائبة على سطح النفايات (
التقاء الزمنيين :
سقط القناع يا عيسى و أدركت الحقيقة و أنك لا تستطيع أن تعيش بوجهين مختلفين .. سقط القناع و اعترفت بالحقيقة يوم أحببتها كجزء من الطبيعة و تركتها تموت حين أصبحت جزءا من دخان الاختناق لأنها ضاعت قبل أن تصل إليك و حين وصلت عرفت أنها ارتدت أسمال المدينة و توسدت أرضها المهووسة و شربت من قيحها و أنها فقدت شفتيها من الضحك .
لقد كفرت عن ذنوبك يا عيسى بلحظة استسلام .
عندما اقتحم السجان في هذا الصباح زنزانتي وجدني أجلس القرفصاء على الأرض أعزف على الناي الذي لم يفارقني لحنا جنائزيا و أتخيل القطيع و هو يهوي في القرار السحيق .

السابق
الزهرة البيضاء
التالي
الرّكضو-لوجيا يا “ابن خالتي”

اترك تعليقاً