القصة القصيرة

ذكرى .. عابرة

ـ السادسة و النصف صباح كل يوم ..
تفتح شيش شباك حجرتها المطل على الشارع الذى يفصل بين بيت أبى المتواضع و عمارة أبيها الشاهقة على الضلفتين ، ثم تنادى كما تصدح العصافير المغردة للشمس المقبلة على الانطلاق من خدرها الفواح كعادتها الدائمة مستبشرة باليوم الجديد .. على أخيها الأصغر بصوت رخيم كله أنوثة و هى لم تزل فى طور الشباب ..
“يا عادل .. لا تَنْسَ قلمك الرصاص” .
تشرئب الشمس بداخلى من خلف السحاب المعلق بين السماء و الأرض أمام شرفتى الضيقة ، و يزداد خفقان قلبى و تسبقنى قدمىَّ صوب الشرفة كى أستنشق عبير صوتها البكر كبكور الإصباح المنتشى الجديد .
تلقانى هالات الضوء البكر ..
تلفنى بشىء من العزة و الحفاوة ..
تضمنى إلى صدرها الحنون ، ثم تسرى بكل خلجات نفسى ترطبها بشىء من الأمان ، و سرعان ما تنتقل هذه الهالات إلى لواحظها الفاتنة عند أول طلة منها ..
ما إن ترى شذى الجوى يطل من محاجر عينىّ الملتاعة ، توارب شيش شباكها على استحياء منى ، و تتوارى خلف الشيش لتكمل نظرتها الحانية ..
أتضور شوقًا .. لقِصَر مدة الطلة ..
أبدأ يومى بكل همة و انشراح عازمًا أن أحادثها اليوم مهما كانت العقبات .
ـ السابعة صباحًا من نفس اليوم ، و كل يوم ..
تتعالى رناتها فى (راديو) الجيران .
عندها تخرج من مدخل عمارة أبيها ، و تقف أمام شباك حجرتها الموصود قائلة : ــ
(ماما .. شيلى البيجامة بتاعتى من فوق السرير) .
فى لمح من البصر أهبط درجات السلم الست عشرة لبيتنا المقابل لعمارة أبيها الشاهقة .
فى أقل من نصف دقيقة تكون خطواتى المتعجلة بدأت طريقها بالمسير في الشارع الموصل مباشرة إلى محطة السكة الحديد لمدينتنا القريبة من العاصمة ، و ما هى إلا بضع خطوات و نتجاور فى سيرنا المتباطئ في اتجاهها .
لم ينطق كلانا ببنت شفة .
بينما أنفاسنا الحارة تكاد تتداخل بعضها فى بعض مـن كثرة تقاربنا و اختلاط أقدامنا فى المسير ، و تلهب مُحَيَّانَا خجلًا .
بريق جميل يلفنى يغلفه رعدة تسرى في بدنى لتَجَاوُرِنا الزائدِ عن الحد مثل الأحباب .
بينما نظراتى المتقطعة و نظراتها الخائفة لا تستقيم فى موضع واحد .
كل منا يختلس ما يريده من الآخرعن طيب خاطر .

ـ فى السابعة و الربع تقريبًا يصل قطار الذهاب .. حيث كل منا يذهب ليبدأ مشوار يومه المعتاد …
ما إن يقف القطار و يثبت على الرصيف يتدافع الركاب داخله بعنف زائد .
عندها أفرد ذراعيَّ و أطوقها و ألفها بحنايا مهجتى حتى لا يلمسها أحد من البشر المتدافع .
تبتسم هى ، و تكشف عن صَفَّي اللؤلؤ فى ثنايا ثغرها السليمانى الرقراق ، ثم تعود لتمنحنى نظرة حانية ثالثة .
أغيب بعدها و أهيم فى ملكوت لا شطوط له و لا حنايا تفصلنى عن جنان الرحمن .
أسند متنى إلى المقعد الملاصق لجلستها و تكثر أحلامى و آمالى بغير حدود .
الثامنة صباحًا تقريبًا ..
نهبط سويًّا فى محطة الوصول .
نسير بعض الخطوات متجاورين إلى حد الالتصاق ، ثم نقف على ناصية شارع (شبرا) بمنطقة جزيرة بدران متجاورين أيضًا ، و على رصيف واحد أيضًا .. للحد الذى يظن فيه كل من يرانا على هذه الشاكلة أننا شىء من اثنين ..
إما نكون أخوين ..
أو زوجين انتهى شهر العسل بينهما …
فلغة الحوار بيننا معطلة كالعادة ، فى حين أن الصمت عندى لم ينقطع له وتين للحظة .
بعد لحظات من وقفتنا يستقل كل منا أتوبيسًا خاصًّا ينقله إلى وجهته المعلومة الثابتة كل يوم .

ـ الثانية و النصف مساء لذات اليوم و كل يوم .
تتسارع خطواتى إلى الرصيف المحدد لقطار رحلة الإياب .
تقودنى خطواتى الوجلة دون إرادة منى كى أصل
إلى العربة الثالثة خلف (جرار) القطار ، و بالتحديد الباب الأوسط لهذه العربة ، و بالأخص الكرسى الثاني بالجهة اليمنى ..
حيث مقرها الثابت الذي اعتادت الجلوس فيه منذ ما يقرب من ثلاث سنوات مضت ، و منذ استلامها للعمل بشركة النيل للأدوية ، و وصلت إلى القطار قبل منى بوقت كاف .
ترفع شنطة يدها لأجلس أمامها ، و نبدأ حوار الصمت الذى ابتدعناه لغة متصلة بيننا ..
لا تعنينا الحوارت الدائرة من حولنا و إن كانت تدور بشأن يخصنا ..
يستطيع كل منا أن يتغلغل فى الآخر بغير موانع و لا سدود .. يطول الحديث بيننا ..
حديث بلا انقطاع فى كل ما يعن لنا ..
ثلاث سنوات لا تعلو فيها نبرة حوار أحدنا على الآخر ، و لا نعرف الحروف الجامدة ، و لا نتوقف عند نقاط بعينها .
ثلاث سنوات و الحياة بين يديّ أحياها كما أريد ، و أظنها كانت هى كذلك ..
حياة قطوفها دانية لكلينا كما نود من غير ضجيج و لا حروف و لا أرقام مادية ..

ـ فى اليوم الذى سمع كل منا فيه صوت الآخـر ، و انبهر بحلاوة حروف اسمه على شفاه الآخر ، كنت قد امتلكت الإمكانيات الكاملة لزيارتهم فى عمارة أبيها الشاهقة .
رفض طلبى للفرق الكبير بين تاريخ العائلتين ..
ساعتها فقط علمنا أن الكلمات و الحروف و الأرقام لها معان أخرى عند الآباء و الأجداد ، و أن لغة الأحباب موقوفة على الحروف غير المنقوطة .
ذهب كل منا فى طريقه يبحث عن الكلمات المنقوطة التى تناسبه .
***

السابق
عمر
التالي
عــيٌّ

اترك تعليقاً