القصة القصيرة جدا

ذوبان

نهد لبكر عن يمينك يصنعه الرمل، وليس ببعيد عنه كثيب آخر لثيب، وستمر مستقيما في الوسط بين المترهلين من صدرها، وكنت استنفدت قبلا عوالمك بعد أن حل الهواء حيز البنزين في سيارتك، فتركتها وما جاوزت بعد الشلال المنحدر على خصر الصخر كخيوط فاتنة تكشف على ردفي راقصة تسكنها لحظة المتعة، ثم الحافلة بالبشر وبآخر محطات توقفها نزلت، والبغل الذي استعرت لبعض رحلتك قد نفق، وهاجرة اليوم تلبسك السمرة التي طالما حسدت عليها من ترى فيهم البأس والبداوة. وأنت الباحث عنك تفغر فمك أمام هذه الأجسام التي تحيط بك الآن دونما سند يرفعها في الهواء. وكلما اقتربت من جسد تسقط عليه ماهيتك وجدت ما ينفرك فيه. هذا فاتن كفاية ليكون أنثويا، فيكون لابسه مخنثا أو مطربا، وذاك مفتولة عضلاته بشكل يجعله يليق برجل عصابات أو حاكم بأمره وربما رياضي في فن الملاكمة أو رمي الجلة، والآخر ضخم الردفين يليق بطباخ أو سياسي فاشل، وحاد وطويل وبدين وكلها لا تليق. تجاوزت لوحة الأجساد بعد لأي وإرهاق، وفي ذروتها الشمس أجبرتك على التعري. خطواتك متثاقلة متباعدة إلى الأمام، وخلفك المشهد وأثوابك يفصل بينها الخطوة والخطوتين وظلك تحت قدميك متعب. اللغات الآن ضجيج صاخب، وبعضها رغم نشازه كإيقاع الرمل وأخرى على البسيط مع ما فيها من هنات، وبعضها لا يستقيم مع أي إيقاع، والتي تريدها تتمايل مع التفعيلات بطراوة عصية على الثني والكسر. تقترب من بحر ألفاظ إحداها وتعيد تشكيلها بإبهاميك في الهواء فتخالها عويلا، تغريك الفاغرة دون أصوات وتلهيك بقدرتها على إعطاء المعنى المجرد، وما جمعت كلك بعد، فتستمر وحبات العرق الآن تفتق الجلد لتخرج متكتلة تبتلع بعضها في أعلى جبينك هلاماً ينزل ثقيلا، فيصرفه عن العينين حاجباك بامتدادهما غير المعهود. تجرجر بعضك متفاديا المصائر، فما عاد يهمنك ما تكونه وقد أرهقك بحثك، وتشيح بوجهك عن الديانات والمذاهب والملل والنحل حنيفا وقد انقشع السراب الذي أمامك عن نواة البشرية، بركة لا تفضح عمقها يتصبب إليها صنوان روافد، أبيض، أصفر، باهت، أسود. ولاستعادة بعضك لاحقا لم يكن عليك أن تنزل كلك. أخذت منك نماذجَ وضعتها جانبا، شعرك، خدك اليسار، يدك اليمين، الساعد، الزند، فخذك اليسار والساق والرجل، وكان عليك أن تنزل عميقا في بركة النطاف لتبحث عن نواتك الأولى، انغمست فيها عن آخرك لتعيد سرّ الحياة الذي يبيحك إعادة التشكل، بيد أنك لم تعد، وكانت بقاياك تذوب تجاه البركة، وتتماهى مع المني سريعا.

السابق
عدالة
التالي
دكتاتور

اترك تعليقاً