القصة القصيرة

ذَاتَ سَفَرٍ تَوَسَّدَ رَغْوْةَ حُلمِهِ

أتبعني ففي الرحلة ترافقك بعض انتصاراتك وكثيرًا من الهزائم، تُنجب أفراحًا بحجْم أحلامك وتكسب أصدقاء، الرِّحلة تمنحك ابتسامة مشرقة حتى وان كنت تائهًا في صحراء الأحزان، قلت: إن تبعتك أخشى من قلبي أن يرتطمَ بشغاف قلبك ونعيشُ إخفاقات الحُب، فنأكل من أوراق الشجرة الملعونة
1- وأنا مُسافر جلست بجانبي امرأة رعْبُوب أنفاسها تتلاحق، كأنها قادمة من كوكب المريخ، فتاة مليحة العينين، عذبة الصوت، تسألني في همس: إلى أين أنت ذاهب؟ أجبتها بامتعاض: إلى حيث أتنفس الهواء، تنتفض أهدابُها وعيناها تشعَّان بهجة، ثم تنظرُ إليَّ باستغراب، قلت: وأنتِ أيتها الجميلة إلى أين؟ احمرَّ وجهُها خجلا وقالت: هيَّ ذاهبة إلى إسعاد من ضاقت بهِم السُبل..ما اسمك ؟ قلتُ المسعود؛ وما اسمك أنتِ ؟ قالت : السعديَّة. سكتت بُرهة لتستأنف حدِيثها؛ بعد أن رشقتني بشيْءٍ من عطرها الحالم وقالت: يبدو أنك إنسانٌ غامض! قلت:ليس لدي ماأخفيه، قالت:هل ذقت طعم السعادة؟ رفعت صوتي مقهقها: أبدًا..عُشت مشردًا مُهاجرًا أبحثُ عن رغيف خبز ولم أفكر إلا في ذلك، أنا مُجرَّد رقم مجهول،لا أملك سوى بطاقة تعريف يمكن استغلالها كشاهد بأني من أبناء الوطن، أرجوك سيِّدي أن تغيّر طبْعك وعُنوانك، وسأرسم لك خريطة طريق بدون تضاريس؛ ضحكت..وقلت:تشابهت علينا الخرائط، انزلقت منها ابتسامة ساخرة و قالت:شوَّهت صورة الحياة بتشاؤمك، أنت توحِي لنفسك بكل ماهو سلبي، مشيْتَ في الظلام مُتشائمًا، كان دليك أعمي؛ أنت لم تجرب طريق السَّعادة، قلت: وهل للسَّعادة طريقٌ؟ قالت: للسَّعادة طرقٌ ومنافذ قلت: سأنتظر في المحطة حتى يعود لي الأمل قالت:وأحيانًا الانتظار منبوذ، ألا تعلم بأنَّ في محطة الانتظار يضِيعُ الحلم الجميل؟ قلت: هوِّني عليك سنسترجعه.قالت: وهل ألموتي يعودون؟ مافات مات. قلت:نحن كتلا من الحنين إلى الماضي، يُؤلمنا الحاضر ونخافُ من المستقبل أليس كذلك؟ لماذا الخوف من المستقبل يارجل؟ دعك من هذا التشاؤم وأخلع أثوابَ أحزانِك بلطف، قلت: خلعتها بل تخليت عنها ومشيت عاريًا فقالوا عنِّي بأني مجنون؛ مسَّني الضر..قالت لاعليك.

2- أتبعني ففي الرحلة ترافقك بعض انتصاراتك وكثيرًا من الهزائم، تُنجب أفراحًا بحجْم أحلامك وتكسب أصدقاء، الرِّحلة تمنحك ابتسامة مشرقة حتى وان كنت تائهًا في صحراء الأحزان، قلت: إن تبعتك أخشى من قلبي أن يرتطمَ بشغاف قلبك ونعيشُ إخفاقات الحُب، فنأكل من أوراق الشجرة الملعونة قالت: سأرسم لك طريق السعادة بألوان قزحيَّة، وستكون مضاءة الدُّروب، مفروشة بخمائل العشب الأخضر.وأشبعك حتى لاتجوع ولا تعرى، انصاع جسده المتهالك لقرارها، وصار صوته صرخة في الذكريات، استسلم جالسًا على كرسيِّ خشبيِّ مُتآكل، وعلامات الاستفهام تحُومُ حوله، وهو في حالة انبهار وخوف، وعلى وجهه مسحة من الألم؛ أخذته إلى زقاق ضيِّق يعُجُّ بالفقراء، ورمت في جوف ذهنه وابلا من الأسئلة المحيِّرة والمطالب، أظهرت له تبرمًا وضيقا، لغطا وهمهمات ثم انسحبت ولم يعلم وجهتها، فغاص في دخانها مُغمض العينين وبكى لاختفَائِها الْفُؤاد.

3- فجأة أخذ مصباحه وراح يجُوب الطرقات بحثا عن السعادة بين هذه الكائنات البشريَّة المسحوقة التي تشبه البراءة، مشى مُتأنيًا كأنه فيلسوف يُوناني قادم من أدْغال التاريخ { ديوجينز} فاجتمع حوله نفرٌ من الفقراء يسألونه وبخفة روحه وبراعة بداهته استطاع أن يستدرجهم ويقنعهم، بأنه جاء من أجلهم ليحقِّق لهم حُلم السَّعادة، ويُنقذهم من جحيم الفقر، إنه حكيم هذا الزمان. أقاموا له عُمرانًا خارجَ أسوار المدينة، قبَّة خضراء ومسجدًا وضريحًا يتمسحون بحِيطانه ويلتمسون فيه البركات حلولا لمعضلات الحياة، ليُخرجهم من البُؤس ويشفِيهم من الأمراض والأسقام، شيخ زاوية له بيتٌ فسيحٌ وقاعات استقبال وخدم وزوجات، حُلم كبير تحقَّق في ظرف وجيز، أخفى سعادته، وجيَّش العواطف وترسَانة من البدع والشعوذة والجهل المقبور، اتضح أمرُه وبدا كصخر تعرَّض لعوامل تعريَّة، يذبح الفضيلة بدم بارد ويضعُها تحْت أقدامه، ذات ضحى خَبِرت سعادته فوقفت تراقبه من طرف خفيِّ، وفِي رغوَة الحُلم ينتفض مُنتشيًّا، تنفلت من بصره التفاتة، فيراها على تلك الصورة من الهيبة والوقار، خجلت من أفعاله..ارتبكت..اندهشت.. فاستنفر كل طاقته حتى لايتركها تنفلت من قبضته، ظنا منه أنها تفسد عنه حلمه، يجهر بالقول لاشيء يفسد عليه سعادته وهذا التتويج، تقترب منه أكثر، تخفي أنفاسها ولسانها يتدلى، يُحاول أن يسحبها من ذاكرته، ولم يلبث أن انقضَّ عليها كالوحش وربطها إلى شجرة لتبقى بعيدة، لكن عواصف رعديَّة قاصفة هبت على المكان، فتصاعد دُخان أسودٌ أخذ يعلوا ويُعاكس غيومًا عابرة، السيول جرفت الشيخ بعيدًا وكشف الإعصار عورته، وفضح خبثه.

4- هِيَّ ذي الأصواتُ تلاحقه..تلعنه.. فيتحجَّر دماغه، يفترش لَحْدَ غروره وما ارتكب من حماقات، لم يعد يستوعب مايحدث، ينفلت منه المكان، يختفى الدَّرب المعشوشب المضاء، ينقطع دونه الطريق، ياللهول.. إنه يدُور حول نفسه مرارًا ولا يهتدي، كان عليه أن يعترف، يتذكر أنه تركها مربوطة إلى جذع شجرة لتموت، أذنب في حقها وتنكر، كان رد الجميل سخيفًا مُتوحشًا، تسمع صوتا رخوًا نديًّا يُهفهفُ سمعها يسألها:من سيفك قيدك يا امرأة؟ تجيبه :لبيك ..أقبل ياهذا..وتصرخ:أين الرجال؟ تتواصل نداءات الاستغاثة والترقب..وإذا بفتى صنوان لها، تستوقفه كالنخلة السامقة، يقترب منها مُبتسما، يحتضن الشوق إليها كالشهقة، أختاه.. أنت مازلت تسألين عن الرجال!؟ مات الرجال منذ زمان، قالت متأسفة: أشفق على الرجال الذين تاهت بهم الأمواج..فك قيدها ومضى معها تُخالطهما بشاشة القلوب.. أثناء السير رأت الرجل مَنبوذًا بأطراف الطريق، يرتشفُ أطلال الوحدة الخانقة، يبكي في صمتٍ، ينشدُ تلك الروح الراغمة، ينظر إلى ثغرها البشوش مُتوددًا، تنزلقُ مِنها ابتسامَة ساخرة، يهتز لها جسدها المعربد، يخجل..ينكمش.. يُحدِّق فيها مُتلهفًا ويتلطف،آه.. طوتْه صفحة الزّمن في لمح من البصر ولم تعد تلتفت إليه، في ملامحها سُؤال يتدلى، هل الْمَرْء جُزء من عقله؟أم أنَّ سطوة المال تُهلك.. أجل..الرجال معادن.. على فوهات بركان القصور خِيَّمُ تتهاوى، وتصْمدُ القلوب الطيبة أمام طوفان الحُزن، هيَّ المواسم يُصيبها القحط و القرف والمجد يضيع، ويبقى كصخر على قارعة الطريق يعلوه رمادٌ كالغضب، يتململ الرَّجلُ في جهله يُغطي وجهه، ويعتبر ماحدث له حُلم توسَّدَ رغوته ..ذات سفر، فاندرس الرسم وضاع الحُلم الجميل أدراجه في الفراغ الأسود.. والصخر ينعاه.

السابق
هديّتان
التالي
صه إنهم يغنون

اترك تعليقاً