القصة القصيرة

ذَلِكَ الْمُدِيرُ

يَهزُّ الْمُفَتِشُ رَأسَهُ مُتألِّمًا وهُو يَقُول:مَاكَانَ لَكَ أَنْ تُفَكِّر بِسَذَاجَةٍ في أمْرٍ مَحْسُومٍ،إلاحَالَةُ عَلَى التَقَاعُدِ لَيْسَتْ نِهَايَةُ الْحَيَاة، بَلْ هِيَّ مَرْحَلَةٌ مِن مَرَاحِلِ العُمْرِ لَيْسَ إلاَّ، مَرْحَلَةٌ فِيهَا قُلُوبُنا وَأرْوَاحُنَا تفْتحُ نَوَافِذَهَا وَأبْوَابَهَا مِنْ جَدِيدٍ مُشرَّعَّةً عَلَى الْحَيَاة؛ وإنْ شِئْتَ تَحْلُمْ فَاحْلُم
1-هَلْ الإحَالَةُ عَلَى التَقَاعِدِ ظُلْمٌ؟ أَم ْهُوَ انْتِقَاصٌ مِنْ شَخْصِيَّةِ الْمُوَظَّفِ؟ سُؤَالاَنِ مُحَيِّرَانِ، وَالْجَوَابُ: هَلْ نَحْنُ مُخَيَّرُونَ فِي الْبَقَاءِ الأَبَدِي فِي الْوَظِيفَة؟ يَقِفُ مَشْدُوهًا شَارِدَ الذِهْن مُشَتَتُ الأَفْكَارِ؛ يَقْدَحُ مِنْ عَيْنَيْهِ الْمُتْعَبَتَيْنِ مَا يُشْبِهُ الشَّرَرَ، يُمْعِنُ النَّظرَ فِي فَرَاغِ الْمَكَانِ، يَلتَفتُ يَمِينًا وَيَسَارًا؛ يَنْظرُمِنْ حَوْلِهِ بحُزْنٍ وَشَفَقَةٍ إِلَى الْمُعَلمِينَ وَالأَطْفَال، وَكَأنَّهُ يَسْتَعْطِفُهُمْ، يُدْرِكُ أنَّهُ فِي خَرِيفِ العُمْر، وَأنَّ جَمِيعً رِفَاقِهِ بَارحُوا مِهْنة المَتَاعِبِ، لَكِنَّه يُصِرُّ عَلَى بَعْثِ شُعَاعِ الأمَلِ فِي نَفْسِهِ، فَيَرْفُضُ انْطِفَاءَ عُمْرِ الْوَظِيفَة، ؤتَثورُ ثاَئِرَتهُ، لِمَاذَا يَمُوتُ قاعِدًا؟ يَهْذِي فِي صَمْتٍ ويَتوَدَّدُ؛ يَطلُبُ تَمْديدًا فِي العُمرِ الْمِهَنِي! كَلِمَاتٍ تَتَطَايَرُ مِنْ جَوَانِحِهَا رَائِحَة الْمَاضِي{وَهَلْ الظل يُخَاطِبُ صَاحِبَهُ}عَلاَ صيَّاحُه بِالوَعِيدِ وَالنَّكيرِ، وَاجْتاحَتهُ رَجْفَة بيْنَ وَخْزَةٍ خَفيَّةٍ مِنْ ضَمِيرٍ؛ وَهَزَّةٌ قَويَّةٌ مِنْ عَاطفةٍ وَانفِعَالٍ، وانْخَرَطَ الرِّفَاقُ مِنْ حَوْلِهِ فِي مَشْهَدٍ هَذيَانِ يَلُومُونَهُ، الَكلِمَاتُ قَاحِلَةُ تَسْقطُ عَلَى رَأْسِه؛ فيَصْرُخُ :إنَّه لا يَذكُرُ صَدِيقًا تَضَامَنَ مَعَهُ، يعْرِفُ أنَّ الشيْخُوخَة أدْرَكَتْهُم مُبَكِّرًا، وأنَّهُمْ غَيرُ قَادِرينَ عَلَى التَوَاصُل مَعَ الْحَيَاةِ الْمِهَنِيَّة، لَقَدْ مَاتُوا مِهنيًا مُذْ أمَدٍ، أجَل..مَاتُوا.. وَهُو يَرْفُضُ الانْهِزَامَ، يَصِفُ أصْدِقَاءَهُ بِأنَّهُمْ مُجَرَّدَ أشْبَاحٍ مِن عَالم الأمْوَاتِ، اسْتَغْنَي عَنْهُم الْعيَّال، يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمُفتِشِ فيَسْألُه مُتعَجِّبا:ألا يَجِبُ أن نُنْصِتَ لِرَغَبَاتِنَا؟! ألاَ نُفَكِّر كَيْفَ يَقرَأُ النَّهَارُ أنْفَاسَناَ؟! بِإمْكَن المُوظفِ أنْ يَحْلم بَدَلاً مِنَ أنْ يَنْتَحِرَ؟ أنَا لَسْتُ عَاجِزًا ولا أشْعُرُ بالضَّعْفِ حَتَّى أحِيلَ عَلَى التَقَاعُدِ؟ لَمْ اطلبْ هَذَا، وَلَمْ أفَكِّر فِي ذَلِكَ، لِمَاذَا لَا يُحْتَرَمُ رَأيُ المُوَظَّفِ؟ لِمَاذَا يُرْمَى بِرِجَالِ التَرْبيَّة هَكَذَا سَبَهْلَلَ فِي مَتَاهَاتِ الْفَرَاقِ؟ يَهزُّ الْمُفَتِشُ رَأسَهُ مُتألِّمًا وهُو يَقُول:مَاكَانَ لَكَ أَنْ تُفَكِّر بِسَذَاجَةٍ في أمْرٍ مَحْسُومٍ،إلاحَالَةُ عَلَى التَقَاعُدِ لَيْسَتْ نِهَايَةُ الْحَيَاة، بَلْ هِيَّ مَرْحَلَةٌ مِن مَرَاحِلِ العُمْرِ لَيْسَ إلاَّ، مَرْحَلَةٌ فِيهَا قُلُوبُنا وَأرْوَاحُنَا تفْتحُ نَوَافِذَهَا وَأبْوَابَهَا مِنْ جَدِيدٍ مُشرَّعَّةً عَلَى الْحَيَاة؛ وإنْ شِئْتَ تَحْلُمْ فَاحْلُم، هِيَّ استراحَة مُحُارِبٌ، مَاذَا تَقُولُ؟ أنْتَ إذَنْ طَرَفٌ فِي الْمُؤَامَرَةِ..! لَمْ وَلَنْ أبَارِحَ إدَارَةَ الْمَدْرَسَةِ..! أشَاحَ الْمُفتِشُ بِوجْهِهِ مُسْتنْكِفَا وَهُوَ يَقُولُ: أنتَ تَرْفُضُ الامْتثَال لِقَرَارِ التَقَاعُدِ وتُصِرُّ عَلى البَقَاءَ في إدَارَة المَدْرَسَةِ.. أمْرُكَ عَجِيبٌ! والأعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ والأَغْرَبُ أنَّكَ ترْكُضُ وَرَاءَ سَرَابٍ بِقِيعَةٍ تحْسَبُه حَقٌ وَهُوَ بَاطِلٌ، يَا سَيِّدِي الطَّمَعُ طَاعُونٌ كَمَا يَقُولُ الْمَثل..” ومَنْ أطَاعَ طَمَعَهُ بَاعَ ذِمَّتَه وَأهدَرَ مَاءَ وَجْهِهِ..” مَهْلاً ..لا يُمْكِنُنَا إيقَافَ عَجَلَة الزَّمَن لإرْضَاءِ زَيدٍ أَوْ عَمْرٍ، لَابدَّ مِنْ إتَاحَة الفُرَصِ لغَيْرِنَا ليَكُونَ لَهُمْ نَصِيبٌ وصَوْتٌ وَحُضُورٌ.
2- يَفْزَعُ غَاضبًا مذْعُورًا، ويَرْفعُ صَوْتَهُ بِاللَّوْم والتَقرِيع، كَلماتٌ سَهْمية حَادة يُطلقهَا، يَجْمع أكوَامًا مِن المِلفَّات يُرَتبُها، يُمْسك بِحزْمَة من الأوْرَاقِ يُقلبُها؛ يُعِيد تصنِيفَها بِعَشْوَائِيَّةٍ دُون أنْ يتَحَدَّث، يُحَرِّك يدَهُ بِقَرَفٍ؛ تَنزَلق الأوْرَاق من بَين يَدِه وتتبَعْثرُ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَكبَحَ شعُورَه بالغِيرَة التِي تَجْتاحُه؛ فيَسْحَبُ الكُرسِيَّ فِي اللَّحْظَة التِي يَتَهَيَأُ فِيهَا الْمُديرُ الْجَدِيدُ لِلجُلُوسِ، الْعُيُونُ مُصَوَّبةً نَحْوَهُ، يَنْتَفِضُ وَاقِفًا، يَهُم بِقَلقِ بَاب الإدَارَة، يُحَاولُ المُفتش كَسْبَ ودِّهِ مَا اسْتطَاعَ، يَفْزَعُ وَهُوَ يَرَى الْمُدِيرالجَدِيدَ يَنتظرُ في بهْو الإدَارَة لاسْتلاَم مَهَامِه، الأمرُ مُثير للدَّهْشَة والاسْتِغْرَابِ، وَالمَوْقِفُ بَاتَ{أَعْقَدُ مِنْ ذَنْبِ ضَبٍّ} يَشْعُر المُفَتِشَ بجَفَافِ حَلقِه، فهُو لا يَمْلك القُدرَة على مُوَاجَهة كُلِّ هَذا الغَضب، ينْكَمِشُ أكثرَ، يُحَاوِلُ الانْسِحَاب، يَلتحِقُ به ..يَعْترِضُ سَبيلهُ وشَهَوْة الانتِقَام تتَحَكَّم فيهِ، يظهَر لمَعَان عَلى عَيْنيْه واحْمِرَارٌ..كأنَّهُ خَنجَر مُهَيأ للطعْن، يُربِّت المُفتش عَلى كَتفيْه، يُحَاوِل تَهْدِئتَه واسْتدْراجَه، يعْمَل على إطفاءِ لهِيبَ غَضَبهِ، يقُول: أنْتَ رَفيقَ درْبٍ..أليَس كذَلك؟ لا يُمْكِنُ أن نَسْتغْني عَنك؟ يرْتجِفُ..يُتمْتم فِي يَأسٍ.. يَهْمسُ مُتلطفًا: سيَّادَة المُفتِش امْنَحْنِي فُرْصَة..رَجَاءً.. لعَلنِي أجدُ مَن يُعيدُ لِي الاعْتبَار، أنَا عَلَى اتصَال بِالوزَارَة لتَخْفِيضِ السِنِّ، أنَا…ويُجْهِشُ بالبُكَاءِ.يَقفُ المُدير الجَديد فَارِدًا يَدَيْه كَأنَّه مَصْلوبٌ، قَدْ أصَابه الوُجُوم وشيْءٌ مِن الاحْتقَان، أحسَّ بالرُّعْب والخَوف، أخَذ يُتمْتم وهُو يَرْمُقه ولا يُفصِح، والهَلع يَكبرُ تحْتَ أعْطافه، يَتنهَّد وهُو يَقُول: هَذَا سَطوٌ عَابِثٌ عَلى الأحْلاَم، هذَا تصَرُّف ٌغيْر مَعْقول؛ ويَسْتَلمُ مَهَامَه فِي أَجْوَاءٍ مَشْحُونَةٍ؛ يَبْقي المُدِير المُتقاعِد إلى جَانبِه لا يُبَارحُ المَدْرسة، ثلاَثَ سَنَوَات كَامِلة، بِرُوحٍ تُلامِسُ العُشْبَ، ويَا ليْتَ الشَّبَاب يَعُودُ يَوْمًا، صَوَلاَتٌ وَجَوَلاَتٌ بَيْنَ المَطعَم وإدَارَة المَدْرسَةِ. وَترْحَلُ الأيَّامُ الْحَالِمَة وَرَغْبَتُه أنْ يَبْقَى مُديرًا، وَيَشْعُر بالغُرْبَةِ والإعْيَاء وَاكْرَاهَاتِ الزَّمَن، مَطَارِق تَنْهَلُ عَليْه فيَلينُ..ويَبْقى مُحْتفِظًا بِالذِكْرَيَات وَمِيضًا يتردَّدُ، وقَلبُه مُعَلقٌ بالمَدْرَسَة كَمَا يَتعَلقُ الطفلُ الرَّضِيعُ بِأمِّهِ، وَيتدارك الأمْرَ في ذِهنه، هُو يُدرِكُ أنَّهَا لو دَامَتْ لغَيْرِه لمَّا وَصَلَتْ إلَيْهِ.!

السابق
لقاء لم يكتمل
التالي
نكش السطور و العود و الحمار

اترك تعليقاً