القصة القصيرة جدا

رائحة البخور

تحملني رائحة البخور إلي أماكن في الذاكرة. تفتح أبوابها على مصراعيها ليدخل إليها الضوء فيصبح دليلي إليها. أتذكر أمي في صباحات الجمعة، تحمل مبخرتها وتطوف كالحجيج بجوانب البيت. تتلو تعاويذها وأياتها القرأنية الحافظة. طالبة من الله أن أن يمنع عني شرور العالم والناس، مستعيذة من الوسواس أن يسكن جنبات البيت.
تقف على باب حجرتي مترددة، نائمة أنا في فراشي ، تخشي الدخول مخافة أن توقظني رائحة البخور التي كانت قد أيقظتني بالفعل.
التفت إليها وأبتسم، أداعبها بجملتي المعتادة ” صباح العفاريت ” تنهرني بمحبة وتطلب مني أن أعتدل جالسة في الفراش حتي تتمكن من رقيتي.
تضع المبخرة جانباً وتمسك بيدها ورقة بيضاء تشكلها على هيئة إنسان. تأخذ إبرة المخيط وتبدأ في تخريم الورقة مرددة كلماتها “من عين أم إبراهيم، من عين أم حمدي، من عين أبوك و من عين أمك… ألاحقها في الكلام قبل أن تختم بجملتها الشهيرة ” ومن عين إللي شافك ولا صلاش ع النبي” مذكرة إياها بعين أم سهير، تلك المرأة التي كلما رمقتني في الطريق أتعثر في سيري!
تنتهي أمي من “فقع” عيون الحاسدين في الورقة وتدنيها من نار المبخرة التي تمررها في شكل دوائر فوق راسي . تشتعل الورقة وتحدث صوت طقطقة عاليه. تظهر لهفتها عليّ قائلة ” يا عيني يا ضنايا ده انتي كنتي محسودة جامد” !!

أبتسم لأمي مداعبة قائلة” يعني هايحسدوني على أيه” تنظر لي بعتب رقيق قائلة بفخر” وماتتحسديش ليه يعني هو في حد زيك في المنطقة، دول مستتكترينك عليا يا بنتي!”
أربت على يديها وأحتضنها، أمنحها ضحكة مجلجلة قائلة ” يا حاجة القرد في عين أمه غزال ”
تتصنع الغضب مني وتنهرني مره أخرى قائلة ” قرد؟! طب بصي لنفسك في المرايه”!
أضحك مرة أخرى وأنا أزيل غطاء الفراش إستعداداً للنزول منه قائلة لها ” ساعتها هاتعملي عروسة وتخرمي عنيا أنا كمان!
تنظر لي بتعجيب متسائلة ماذا عنيت، اقبلها واتركها لتستوعب جملتي الأخيرة .
مازالت رائحة البخور تنطلق في بيت ذاكرتي، و مازالت أمي تحمل مبخرتها وتطوف بعقلي !، الموتي يبعثون في الذاكرة!.

السابق
اخر كلماته – حكايات من الغربة (6)
التالي
ليس كالعادة

اترك تعليقاً