القصة القصيرة

رائحة الطين

كالعادة ، لم أدخلْ ذلك الحي ، إلا وبللَ قدميَ جريانُ الماءِ المتدفقِ من بابِ أحدِ المنازل ، ثم تظهرُ هي ذاتُها ، ممسكةً بخرطومِ ماءٍ بيد و بمقشةٍ باليد ألأخرى ، تتحكمُ في سيرِ الماء كما لو كانت تقودُ مركبةً بمهارةٍ فائقة ، فهي وظيفةٌ التصقتْ بها منذ الصغر ، بل و ربما تكون قد خلقت من أجلها . كنت أراقبها و أنا مقبلةٌ وأحاول أن أميزَ من يبدأ أولا ، جريانُ الماء المتدفق كما لو كان من أناملها أم حركةُ المقشة ؟! أم أنهما يبدآن معا ؟! لكن سرعتَها الفائقةِ حالت دون اقتناصي لتلك اللحظة .
لم تلحظ ْدنوي منها فلقد كانت عيناها تحملقان في الأسفلت كما لو كانت تبحث عن شيء ثمين فقدته ، وأكادُ أقسمُ أنها أصبحت تميزُ نتوءات ذلك الشارع كافة ، بل وتربطُها بها علاقةٌ حميمةٌ منذ زمن .
لم أشأ المرورَ من جانبها دون أن أسمعَ صوتَها ، ألقيت عليها السلام لكنها لم تجب، كانت جميع حواسِها منصبةً على تلك النتوءات كما لو كانت تحاورُها ، مما جعلني أطبطب على كتفها وألقي عليها السلامَ مرة أخرى . رفعت بصرَها فبدت عيناها متعبتان ، و حين ميزتني انتصبت احتراما ، فبدا جسدُها مقوسا ، و ارتسمت ابتسامة ٌعريضة شققت شفتيها الجافتين و ردت علي التحية .
سألتها:
– ألم تملي هذه العادة ؟!
أجابتني :
– كما قلت إنها عادة ، و العادة من الصعب الإقلاع عنها .
قلت لها:
– لكنها شاقة!
أجابتني :
– وما أحب فيها هو هذا الشقاء . تفضلي .
شعرت أنها أرادت أن تنهي الحديث معي ، فخجلت من نفسي ، شكرتها ثم سرت ربما عشرةَ خطى ، و دخلت المنزل الذي أقصده ، وأنا في حيْرة من أمري ، هل أدخلُ كأحد أفراد ذلك المنزل المقربين لي جدا و آخذ العزاء كواحدة منهم ؟! أم أعزي عليهم كغريبة لانقطاعي إلا في المناسبات الحزينة جدا ؟!

قبل أن أصعدَ سلمَ المنزل لأجلسَ على أحد أطقم الكنب الفاخرة ، قادتني قدمايَ إلى ذلك الدهليز ، الذي يفضي إلى باحة ، يضرب فيها أساسُ منزل حديث على جذور منزل قديم ، لم يبق منه إلا غرفةً من الحجارة كانت الأكبر ، يشد من تماسِكها طينٌ مجبولٌ بالقش، تفوح منه رائحةُ الذكريات . لم يتغير شيء على الغرفة ، جدرانُها متماسكة كطاعنة في السن لم يزدها كبرُها إلا تشبثا بالحياة ، وهذا هو بابها ذاته لكنه مقْفَل بعدما كان مشْرعا للجميع.

شجرة التفاح الكبيرة ، كانت هنا يوما ، شامخةً ، تلامس فروعُها أسقفَ الغرف ، تنشر ظلالَها على الباحة ، أين اختفت ؟! حاولت تذكرَ مضرب ساقها ، فلم أُفلح . لقد نجحوا في بتره ، لكن هيهات لهم أن يستأصلوا َ الضاربةِ في أرضِ الحي بأكمله . إنها تحت أقدامِهم تشهدُ على خُطواتهم ، تفتخر ببعضهم ، و تشفق على بعضهم حينا ، و تهزأ من بعضهم حينا آخر.

أسلمتُ نفسي لرائحة الطين ، و هيئت لها أن تنفُذ َإلى داخل مسامات ذاكرتي ، فتقذفني طفلةً كان لي فيها أنفاسٌ ، ولأناملي بصماتٌ على جدرانها و لأقدامي آثارُ وقع على أرضها ، و ها أنا أكاد أشتم رائحة َزيت الزيتون المسكوب في طبق ألألمنيوم الصغير ، نعكر صفاءَه بغمس كسر خبز “الطابون ” فيه ، هنا كان للنجوم تلألؤُ آخر ، كان بإمكاني أن أستلقي ليلا أناجيها ، أحدثها عن أحلامي ، هي خير شاهد على نجاحي أو إخفاقي ، لطول بقائها ولسرعة زوالي . هي كانت قبلي وستظل بعدي و ستحكي للناس حكايتي كما روت لي ِحكاياتِ أجدادي .
لملمت شريط َذكرياتي ، وهدأت من روع جموح خيالي و استدرتُ و مضيتُ بجسدي المثقل بالحسرات ، تاركةً روحي تسبح في فضاء الباحة .
صعدت السلمَ ودخلت البيتَ الذي أقصده ، فبدا غريباً لا يمت لتلك الباحة بصلة ، كما لو أنه يبعد عنها أميالا . عزيت و أخذت العزاء في آن واحد ، وما كدت أجلس على أحد المقاعد بجانب إحدى قريباتي حتى التقت عيناي بعينيها المنهكتين . أ جنية تمتثل أمامي الساعة ؟! كيف انتهت من عملها وسبقتني كالريح؟! كيف اخترقت حدود الزمان والمكان ؟! و لكي أتأكدَ أكثر نظرت في ساعتي فتبين لي أني تأخرت كثيرا في الباحة ، فهدأت شواردي .
رمقتها بنظرة ثم أشحت بوجهي عنها ، والتفت إلى قريبتي وسكبت في أذنها سيلا من الأسئلة :
– أتذكرين قدمَ والدِها الاصطناعية ِالملقاةِ في تلك البئر بجانب المقبرة ؟!
أجابتني :
– أذكرها ؟ لكن لا وجود لها ولا للبئر بأكملها الآن .
قلت لها : كانوا يقولون أن والدها قد أصيب في الحرب ، فبترت ساقَه إثر
“غرغرين” ألمت بها ، ثم توفي على أثَرها و ألقوا بقدمه البلاستيكية في البئر .
أجابتني: كم أنت قوية الذاكرة ! و كم كنت أكثر جرأة منا !
قلت لها : نعم كنت كذلك ، كنت ألقي برأسي داخل فوهةِ البئر . و أراقب اهتزازها وهي تطفو على الماء بينما كانت تراودني مئات الأفكار و تختلجني مختلفُ الأحاسيس والمشاعر . مسكينةٌ! أورثها والدُها شقاءَه ، مات و ما تزال جنينا .

وما كدنا أن ننهي حديثنا حتى صوبت سهام أسئلتها الحادة نحونا:
– هيا أخبراني ما الذي تتحدثان فيه ؟! ماذا تقولان عني وعن أبي ؟ لا تخفيا شيئا !
شعرت بالحرج الشديد ، و للمرة الثانية أخجل من نفسي . سرعان ما أنقذتني قريبتي من هذا المأزق حين أجابتها :
– بصراحة نحن نتحدث عن ساق والدك الاصطناعية التي ابتدأ بها شقاؤُك .
لكن سرعان ما صدرت عنها قهقهةٌ نزعت صمتَ و وقارَ المكان ،
وتوجهت أنظارُ الجميع نحوَها ، وقالت :
– إن ما حدث لوالدي هو عزائي الوحيد فلقد أورثني ببتر ساقه وسام شرف وعزة أتباهى به على الجميع .
وها أنا ذا أخجل من نفسي للمرة الثالثة ، و حتى لا أتورط في مواقف اقتحام أخرى لها ، انصرفت من بيت العزاء، وتبعتني روحي وقد نقاها هواءُ الباحة ، خرجت من الشارع بأكمله لأجد نفسي وسط َالزحام ، إشاراتٌ ضوئية ، أصوات ضجيج وعجيج ، ونسوة رأيتهن توا في بيت العزاء تناثرن عند الباعة ، قضيت حوائجي أنا

الأخرى من السوق و عدت في اليوم التالي ، و أنا في طريقي رأيتها تمارسُ عادتَها المعهودة ، مررت من جانبها دون أن ألقي السلام ، فلم تلحظني ، دخلت الباب ، أشحت بوجهي عن الدهليز حتى لا يغريني بدخول الباحة ، دخلت منزل العزاء أمضيت وقتا ليس بطويل ، خرجت من المنزل وأنا سعيدة أني لم أرها ، حتى لا أتورط في مواقف أخرى أكثر معها . و أنا في غمرة فرحي ارتطمت دون أن أدري بشخص كان يدخل من الباب ، رفعت بصري فإذا بها هي أمامي ، صمتنا برهة ، ثم ملأنا المكان ضحكاً .

السابق
القَضِيَّة
التالي
السياق اللغوي وأثره في ترجمة العنوان

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. قصة ممتعة فعلا جعلتني أسقط شخصياتها على من أعرف، أستحضرت معها بعض الذكريات وبعض المعالم التي تفوح منها رائحة الطين، السرد كان ممتعا وجميلا ومفعما بالذوق، واكاد اجزم أن كل من يقرأ النص بروية سيضحك معكما عند مدخل الباب.

اترك تعليقاً