القصة القصيرة

راح في الغمام

خلافًا للحاصل في الروايات العربية و المسلسلات التركية و المكسيكية الطويلة تتسم الحياة على سرعتها في المُجمل بالبطء الشديد في الحدث ذاته، فالإنسان في حياته لا يحيا إلّا في فترة السماح المعروفة بالزمن الآني؛ شيوعًا للعامة الحاضر. الماضي لا يمكن استرجاعه مهما كان مؤلمًا أو مفرحًا، المستقبل مخفي؛ فلا يُمكن العيش فيه؛ إلَّا بإذن الرحمن.
لحَتَّى أن الإنسان… أيّ إنسان، كلما دعته الحالة ليقف ليتذكر أيامه الفائتة، فلا يكاد يعي شيئًا منها إلَّا القدر اليسير، ما تسمح له به الذاكرة والوهم وترَّهات آخيلته، فيما يرغب عقله في تذكره فقط، بعد ما يضع البقية مما ليس من المرغوبات في درج الذاكرة المختوم بالشمع، المُغلق على كُلِّ ما لا يريد تذكره، حَتَّى ما يرغب فيه، فإنه يراه مُشوشًا. كَأنَّما ليس هو من كان في ذلك الحدث، إنما هي غشاواتُ آخيلة وتوهمات؛ كالحلم الباهت في ليلة ظُلمة.
لحَتَّى أن المرّء في كُلِّ مرّة ينظر فيها لوجهه في المرأة فإنه يرى شخصًا يكاد يعرفه، إنما لا يُمكنه حَتَّى بِمشاهدة الصور التي كان التقطها أن يسترجع شكله في الماضي القريب. أقصد التفاصيل، إنما في العموم فليس ثمة ما يجعل الإنسان يتعرف على نفسه أو على المحيطين به أو حَتَّى تعرفهم هم عليه، عدا ما يمس الداخل في النفس من مخارج العيون التي لا تكذب، أقصد لعلها الروح.
ففي كثيرٍ من الأحيان، بل في كُلِّ الأحوال، دون أدنى مبالغة، حينما ترى شخصًا- وإن كان قريبًا منك جدًا- بعدت فترة غيابه عنك، فعند الالتقاء، ترى ويرى هو سمات وتفاصيل غيرَّ التي عهدته وعهدها ليبان عليك وعليه الزمن؛ أنت وهو. للوهلة الأولى لا تعرفان بعضكما عدا ما تهبه الروح فقط من بعض المعرفة، إنما بعد فترة عودة الحديث، حينما تبدأ صدمة لحظة اللقاء الأولى في الزوال، فكأنما هو يراك لأول مرّة، لكأنك أنت أيضًا تراه لأول مرّة. ففي غفلة- لا يُمكن تذكر مداها أبدًا- يتبدل الحال، فالكل لا يتذكر بأيِّ حالٍ السمات التي كانت لحظة الفراق، بل كم دام الفراق، فلا يتذكر أحد في أيٍ شكلٍ، أو على أيِّ حالٍ ترك الحبيب الحبيبة، لحَتَّى الأهل والخلان، لا تعرف كيف كانوا؛ وما هي درجة التغيير.
فمن المُحال استرجاع أيَّ لحظاتٍ إنسانيةٍ بمثلِ ما استشرفتها وقت وقوعها الفعلي، إلّا فكنت اكتفيت وغيرَك بتلك اللحظات الفريدة في الذاكرة، دونما الحاحة لفعلها ثانية في الواقع الفعلي، اكتفاءً باستدعاءها وقت الحاجة دون الرغبة الملحة في المرور في تجربتها مرّة ومرّات؛ منها لحظات تناول الطعام والأكل والنوم واللهو لحَتَّى آخر لحظات الحميمية مع من تحب وصولاً لذروة الانتشاء. فالكُلّ يعلم إنه لا يمكن بأيِّ حالٍ وصف حالة النشوة تلك بمثل ما حصلت في الواقع الفعلي، إذ فبلحظة انتهاء الجماع وصولًا للذروة، تنتهي بالكلية تلك اللحظات، لتُصبح أنت في انتظارِ لحظاتٍ أخرى. مثلها مثل الاكتفاء بتناول قطعة من الشيكولاته حالًا، فبمرور وقت ذوبانها في الفم تمامًا لِتتحول لتجربة ليس كمثلها تجربة إنما تنتهي اللذة فور تناول كوب من الماء بعدها، لتجلس بمفردك في محاولة لتذكر حالة اللذة فلا يُمكنك استحضارها؛ .. جرب.
فذلك هو الحال عند فقدان حبيب: أب، أم، ابنة، ابن، رفيقة عمر، عشت معهم حياتك كلها متلاصقين، متجاورين، متماسين، كنتما أحيانًا تقتربان لحد غياب النفس وتلاقي الأرواح، إنما تأتي لحظة الفراق لتبني سدًا عاليًا شفافًا غيرّ مرئيًا، جدارُ سجنٍ لا يُمكن أبدًا تعديه، فلا أنت قادر على الرؤية ولا حَتَّى التذكر.
مُخادعٌ أنت، وأنا، بل وكُلَّ من يدعي- أن أحدًا قال يومًا أن المغادر رغم مغادرته لنا شعرنا يومًا أنه لم يغادر، ندعي بأننا لم نشعر بلحظة حنين إليه، بحجة أنه يعيش معنا، لم يغب عنا، يجري في ذاتنا مجرى الدم، روحه ترفرف من حولنا، بل أنه هو ذاته في داخل الروح؛ فذلك كُلّه هُراء. مُدعي من ادعى أنه يستطيع حالًا أن يحكي لك عن لحظة واحدة مرّت بحياته أكانت حلوة أم نكدة مما كانت من لحظات مارّة به مع أيٍّ من هؤلاء الغائبين عنه ليستشعرها واقعًا حاضرًا كما عاشها يوم حصولها. إنما الحق أقول: الإنسان ابن اللحظة، عايش في الغيبوبة، كذبته الكبرى ادعاؤه بامتلاكه لذكرياته أنه ملك حياته؛ ..الكذاب.


ما زال يقرأ فيما دونه جدّه في مخطوطه عن أن تلك الحالات المرضية انتقلت من البرامج الحوارية والعروض الكلامية في القنوات الفضائية لِتعُّم مُنتديات شبكة المعلوماتية العنكبوتية لتسود الحياة المجتمعية فملئت الطرقات وساحات الأسواق لتستقر في المساكن بين الأهل والأزواج والأبناء والأخوة والأخوات، لتنتقل للمعارف والأصدقاء والزملاء، لتحل كارثة حقيقية في أمكنة العمل ليتبين الرؤساء والقادة وزعماء الدول وكأنهم امتلكوا ناصية الكلام، فلا فيكي يا بلد أحد بيفهم غيرَّهم، جهل وخيبة أمل. ليصل الفجور ببعض الناس في تصورهم لذواتهم أنهم يستطيعون امتلاك ناصية الحياة والموت، لحد تغيير الأرزاق وحرمان الناس من الحقوق والقوت الضروري، فيظلم القلب ليقول قائل منهم بغفلة: “أنا أعطي ذاك وأنا أحرم تلك”، أنساهم غرورهم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فكلهم، كلنا، إلى زوالٍ. فما بالهم فعلوا فعلتهم، قتلة البشر، أيستحق مقعد السلطة والجاه قتل الأبرياء؟ قتل أنفس بريئة؟


يتمايل جده مع ما جال في ذاكرته عما دونه من قبل جالسًا في سرادق العزاء بعد مضي ليلة ثالثة على وقوع حادثة القتل المروعة التي راحت فيها الحبيبة مايا الساكت زوجته وآريج الابنة البريئة آخر العنقود، حبة العنب القرمزية، كانتا روحه وعقله ونور عينيه. جالسًا مرتديًا لنظارة سوداء مُخفيًا بها لعينيه، يتلفت حوله فيرى رواد سُرادق العزاء كأنهم المتحولون جراء الوباء الفتاك، طالما سمع عنهم في وسائل الإعلام المرئي والمسموع.
يبدون أمامه رجالٌ أقزام، كبار الرأس، جاحظي العينين، متهدلي الألسن، يحملون بين آيديهم مكبراتٍ للصوت تأهبًا لانطلاقهم في حديث طويل غيرّ مُفيد بالمرّة كما يفعلون كُل يوم وليلة. لا يعرف أهم يبتسمون أم في حالة من الغفلة والبلادة والإعياء والبلاهة!؟ .. يخلع نظارته ليتأكد مما يراه، فلا يتبدل المشهد، يعرف يقينًا أنه لا يرى إلَّا الحقيقة، تحول بالفعل بعض المُتشدقين في بلادنا ليتلبسون هيئة الخيلية كما في حلقته النبوءة تنبأ فيها بعض العارفون بالتحول.
يزداد تمايله مع ترانيم تلاوة الشيخ، حَتَّى أن من كانوا من حوله من القادمين لتقديم واجب العزاء ينظرون إليه متمايلًا صامتًا فيخشون أن يكون قد مسه آذىً من هول صدمته، فهدت كيانه. اقترب منه صديقه الحميم داوود السليماني رابط الجآش كعادته مُعزيًا له في وفاة زوجته وابنته ابنة السابعة عشر، فلم يرد، يُناديه ثانية:
– آدم… ؟
فلا يلتفت؛ … فكان في عالمٍ آخر… مع نداءٍ آخر.


حالة حزن دفين، البنات يأخذون عزاء الأم والأخت، واقفات في صدر بهو مسكن الفيلا طالما جمعهما بالأحباب عمرًا محاولات تذكر ما كان، أختهم الصغرى ملئت البيت صخب ولهوًا، غناءً وطعامة، شقاوةً ودلع، رقة الأم ووداعتها طالما نقلت البسمة والمحبة، اختلطت الذكريات فازداد الآسى. لم يعد يتبق غيرَّ لحظاتِ سواد مع بعض سيدات يبدو لهن أنهن أيضًا من المتحولات، فلا يزلن ينظرن بتعقل، محاولات استعادة ما جاء في اجتماعاتهن الأخيرة بأمهن، يوم قولتها لهن:
– المتحولون قادمون يا بنات.
فلا تتذكرن الصبايا إلّا ضباب؛ .. مُجرد آخيلة وطيف أحبة.


يقترب آمان ابن آدم من صديق أبيه داوود يصحبه معه ناحية الجالس حزينًا، ليعودا مُكررين معًا النداء:
– بابا مالك؟ .. آدم مالك؟
لم يرد إلّا برفعةِ رأسٍ تعقُبها نظرةُ عينٍ مكسورة، ملئها الحزن الدفين، لم يشهد آمان مثلها في عين والده من قبل قط، في أحلك المواقف لم يشهد أحد آدم الرجل القوي على هذه الشاكلة، مكسورًا بحقٍّ، فيعيد:
– بابا انت كويس؟
لم يرد آدم، .. ينظر آمان ثانية لداوود، يسأله:
– .. أُحضر الطبيب؟ .. أستاذ داوود بابا باين عليه تعبان أوي!
ينظر آدم إليهما بعيونٍ شاحبة، ليس فيهما آيّ نوعٍ من حياة، نظرة تحمل ألف معنى، يتحامل بعدها واقفًا، آخذا ذراع ابنه آمان متكًا له وسندًا، تلك اللحظة اقترب منهما فارس الأخ التؤام لآمان، أكبر منه بدقائق، جاء بعده بدقائق، ليُسند أباه من الناحية الأخرى، مُغادرين لسُرادق العزاء أمام ذهول الحاضرين، في روحانية عالية تلف آيات الذكر الحكيم المكان بهالة نور وصدى قرآني بليغ آثر:
– “يا أيها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.”
– صدق الله العظيم، .. كُلَّ نفس ذائقة الموت.
قالها نوفل الفقري سائقهم الخاص، لا يُعقبون على ماقال، مُنتظرهم مُرتديًا لثيابٍ رسمية غامقة بشرائط ستان، يبدو البكاء قد هده هو الآخر، فلعله تذكر اللليلة ليلة وفاة ابنه أوباما نوفل منذ ما يزيد عن السنة على أيدي مافيا صناع الواقع الافتراضي، لحقته زوجته فرحانة ندمان أبو العيال، أمه، حزنًا على وفاة ابنها.
كَأنَّ الصمتَ عَم الدُنيا وما فيها تلك الليلة، ففي حركتهم المتآسية تراهم فتظنّهم أطيافُ أشباح متحركة، يدلفون في حفيفٍ نحو سيارة فان سوداء فارهة في الانتظار. حركة رياح ليالي الخريف وهفيفُ شجرٍ وآريجُ نسماتٍ توقفت حزنًا على أبٍ مكلومٍ في زوجته وابنته. مرّت لحظات بدت ساعات، ارتقوا معًا السيارة الفارهة، فلا تسمع غيرّ صريرُ أبوابٍ تُفتح لتُغلق في استحياء، لتنطلق بهم من دون صخبٍ، مُتجهة بهم إلى اللامكان فالسائق نوفل الفقري لا يعرف وجهتهم، لم يتفوه منهم أحد إلى أين المصير؛ إلى أين المآل، يسأل نوفل فلا يرد أحد.
يجلس فارس في الأمام، أكثرهم بكاء ونحيبًا على أختهِ وأمه، تظن قلبه يكاد ينفطر من شدة الحزن. سادت فترة سكون، بتنهداتٍ مكسورة شديدة. فتشجع نوفل، ليتحدث إليهم بصوتِ تملؤه الحسرة على ما راح:
– شد حيلك يا سيد فارس، .. استغفر الله، .. الموت أمرّ الله.
حينما ساد الصمت ثانية، لم يرد عليه أحد منهم قط، أدار جهاز استماع السيارة قناة القرآن الكريم، فاستمع له الجميع بإنصاتٍ مُغلفًا ببعض آناتٍ بين الكلمات. بعد طول صبر وبضع لفتات ناحية اليمين واليسار لم يصادف نفل فيها ولو لمرّة وحيدة عيون أحد تخبره ماذا يفعل، اتجه كما يبدو عارفًا بمزاج الأسرة ناحية الشاطيء مُقتربًا من جبل المدينة الشامخ. التف لفتين واقفًا بالقرب من تلاقي الجبل والبحر، في البقعة التي كان آدم مُعتادًا اصطحاب أسرته إليها في كُلِّ مناسبة، لعلها نقطة التقاء آدم ومايا وتعارفهما قبل الزواج. حاول آمان الاقتراب من أبيه يساعده في النزول من السيارة، يسحب يده من يد آمان بقوة، يسير بمفرده، متمهلًا، تكاد قدميه لا تحملانه، بكاءه الصامت هدّه، هدّ من كانوا حوله، مشيرًا إليهم بكلتا يديه:
– انتظروا، دعوني بمفردي.
يعرفونه، فيتركونه، له مع البحر والجبل ذكريات. وقف التؤام في القريب في حالة حزن عمّا راح، قلقهم بالغ على الأب لمعرفتهم بمقدار حبه لكُلّ واحد فيهم، إلّا أنهما يعلمان بعشقه الجارف لصغيرته آريج، آخر العنقود المدللة من كُلِّ الأسرة، فلعله أنطفأ بموتها سراجًا منيرًا، في العيون والقلوب، فلم يعد يومًا للحصاد يجيء، ولا ظلٌ أبدًا يبان.
ظل آديم واقفًا كالطود أمام البحر الغميق، تتهادى موجات الخريف دون صخبٍ على شاطئ البحر، تبدو أصواتها وكَأنَّها تعزيةٌ للمكلوم، تبدو خجلة مما حدث، انجّرَّ الرجل في صرخة، لعلها جابت المدينة لتروح لترج آذان القتلة الغافلين، كانوا ليس سببًا في ما كان المكتوب، إنما عجلوا به، فحرموه من أعز الناس.
يركع على الأرض بعدها مُستغفرًا ربه، ألقى وجه بين كفيه، في اللحظة التي كان بجواره التؤام وصديقه المقرب داوود السليماني ظهرت نائلة الناسك تلميذته تنظر من بعيد مُنتحبة معها نوفل راكعًا. شاخصًا آدم ببصره في ظلامِ ليلٍ حالك، ظلمته اليوم زائدة، لا ينيرها إلّا بقعة ضوء، آتية من البعيد، تبدو سفينة تشق عُباب الماء لا تدري عن المكلومين شيئًا، تشجعت فاقترب نائلة منه، تعرف مدى تقديره له، عيناه قالت ذلك، دنت أكثر، لمست بأصابعها كتفه، فتكلم معها لأول مرّة بعد المصيبة:
– ليس لدي القدرة على تذكرهما، أرواحهما تحوم حولي، تكادا تتماسان مع كُلّ ذرة في كياني، تلوح آخيلة آريج ومايا تبدوان تمدان أيديهن لتتلمساني، لا أستطع أن احتوي لحظة واحدة في ذاكرتي مما كانتا فيها معي لبضع ثواني..غابتا عني وأنا غبت عنهن كثيرًا، إلّا ذلك الغياب فله طعمٌ آخر.
يبكي بحرقة حارة فينتحب الواقفون معه نائلة وداوود وآمان ونوفل، إلّا فارس فبكاؤه حارًا موجعًا، يتعالى لينتفض، كأنه يريد أن يشُق الجبل من هول الحزن على فقد الأحبة، متوعدًا: ليقسم بعزة جلال الله، إنه لن يطيب له عيش إلّا بالانتقام ممن آذوهم، فيؤمن آمان على كلامه:
– ليكن الثآر يا أبي.
لترى الكل في نفس اللحظة داوود ونائلة ونوفل في حالة بكاء داخلي حار، مرددين معًا في صوت واحد:
– ليكن الانتقام إذن.
– بماذا يفيد الانتقام؟ .. لن يفيد.
مُغمغمًا آدم ثانية:
– راحا فلن يعودا.
راحا في الغمام، فلا أحد يعلم، أهناك من لقاءٍ جديد أم أنها آخر لحظات الفراق؟ فكان ذلك آخر ما دونه آدم في مخطوط الأول قبل أن يختفي في التيه، فلم يعرف عنه أحد من بعد شيئًا.

السابق
رأيت فيما يرى النائم
التالي
إنتحاري في الطريق

اترك تعليقاً