القصة القصيرة جدا

ربع دينار

( ر )

اسمي (ربعُ دينارٍ). حللتُ جيبَ هذا الموظف منذ أسبوعٍ تقريبًا مع بعض الأصدقاء. أما الآن ومنذ أربعةِ أيامٍ فأنا وحيدٌ بعدما أنفقَ صاحبي آخِرَ أصدقـائي.
لا أخفيكم سِرًّا إن أقل إنني مرتاحٌ في سكني الجديدِ فلأولِ مرةٍ أشعر بالاستقرار في جيبٍ واحدٍ. لقد بدأتُ أحبُ صاحبَه. إنه يحترمني كثيرًا. يُقبِّلُني كلَّ ليلةٍ ويلامسني جبهتَهُ ويتأكدُ من وجودي في الجيب دائمًا.
كم يُشعرني بقيمتي.

( ب )

لا أذكرُ الكثيرَ عن بدايتي. ما ثـبَتَ في ذهني هو أنني سكنتُ مَـحْفَظةً جِلديةً مكتظةً، شعرتُ فيها بالاختناق لأنني لا أحب الزِّحامَ والضوضاءَ.
كم شعرتُ بالإهانة يوم وهبني صاحبُ المحفظةِ (بقشيشًا) إلى عامل محطة الوقود بعد أن صرَّح بأن وجود (الأرباع) يُرْبِكُهُ. كأنني – أنا – من أَثْقَلَ جيبه المنتفخ!
فتح العامل طَيَّاتِي وفَرَكَنِي بأصابعه. ثم جعلني مع زمرةٍ من الرفاق جُلُّهُم من الكادحين فهذا نصفُ دينارٍ ممزقٌ وذاك دينارٌ معتوهٌ كُتِبَ عليه بخطٍّ رديءٍ:
(كلوبة.. ملك الصوني!)
لا أعرف معنى هذه العبارة! ولحسن حظي لم أمكثْ كثيرًا معهم فقد أعطـاني العـاملُ (فكةً) لأحـد الزبـائن مـع أني (بقشيشٌ!).
على أية حالٍ، لم أمكث كثيرًا في سكني الجديد أيضًا فمالكي الكريم تصدَّقَ بي على شحاذةٍ تقف عند إشارةِ المرورِ. كم أساءت تلكَ الخَرِفَةُ معاملتي! عجَّنتني حتى انقطعت أنفاسي ووضعتني في جيبها الفائحِ برائحةِ البَخورِ وزيوتِ العجائز. سترَ اللهُ بأن وَجَدْتُ ثَقْبًا فيه. أغراني خيطُ الضوءِ المتسرب. لم أتمالك نفسي فقفزتُ من الجيب واقعًا على الأرضِ. كم كانت فرحتي عظيمةً وأنا أتنفَّسُ هواءً نقيًّا.

( ع )

لكنني سَرْعان ما شعرتُ بالخوفِ لـمَّا انتشلني هذا الموظف. تضايقت كثيرًا حين داس عليَّ متظاهرًا بربطِ خيطِ حذائهِ ثم التقطني بعد أن تأكَّد ألا أحد يُراقبه. استهجنتُ نذالةَ تصرفِهِ. لكنَّني سَرْعان ما غيَّرت نظرتي إليه بعد أن اتضحَ لي أنَّه صاحبُ عشرةٍ أحسنَ رفقتي فالذي لا يعرفُك يجهلُك.
توقَّفَتِ الحافلةُ التي نركبُها. اسمحوا ليَ الآنَ فصاحبي يتأهبُ للنـزولِ. وبما أن السائقَ لا يُوصِلُ الركابَ لمجردِ (رحمةِ الوالدين) وبما أنني وحيدٌ في الجيبِ فأستودعكم الله لأنني سأنتقلُ إلى سكنٍ جديدٍ على ما يبدو…

……………………..
بنغازي. ليبيا.. 2010

السابق
نعناع!
التالي
تحليق

اترك تعليقاً