القصة القصيرة

رجع الصدى

كان الباب مفتوحًا على مصراعيه .. يدخل منه من يدخل ، و يخرج من يخرج .. إلا امرأة واحدة .. كانت ثابتة فى مكانها .. لا تدخل ولا تخرج …
ثابتة .. كثبات الأهرام فى مكانها من قديم الأزل ..
كان فى جيدها مفتاح كبير ..
المفتاح على هيئة بوق غليظ .. البوق مربوط بخيط طويل يتدلى على ظهرها بالكامل ..
المفتاح يتدلى من جـيدها الضامر ..
بينما كانت عيونها لا تستقر بمكان ثابت ..
التفاتات رأسها تدور لها الجبال الراسيات ، و صدى صوتها المشروخ يلف البوادى .. يهدر حيناً ، و أحيانًا كثيرة يزيد الدنيا عويلاً و طنيناً و ضجيجاً ..
النداء كان واحدًا لا يتغير بتغير فصول السنة ..
النداء حروفه قاطعة ورصينة .
{ يا ناس .. يا هوووه ….. حــد يفتح لىّ الباب .. حد ينفخ فى البوق نفخة واحدةً } .
ــ أبداً ــ
لا مجيب ..
فالمارة كلهم يرمقونها بنظرات دائمًا ما تكون لاذعة ، ولا يتوقف عند قدميها و لا على ظلها أحــد ..
الجميع يرفع الرأس لمستوى هامتها لبضع ثوان ، ثم يمضى ليعود لدوران زمن الخنوع والمسكنة ، ومن بعدها يمصمص الشفاه ، ثم يمضى إلى حال سبيله ….
الداخل يدخل .. والخارج يخرج …
والمرأة فى مكانها لا تكف عن إطلاق النداءات ليل نهار ، والمفتاح مدلى من صدرها وبريقه يتلألأ فى سنا القمر ، و وجوه كل العابرين الداخلين و الخارجين على حد سواء ، و لا مجيب …

***

عندها هدأت حمرة الوجوه وتعامد قــرص الشمس على وجـــه الملك ( الفرعون ) فى ذكرى جلوسه الدائم على كرسى العرش …
حط رحَّال رجلٌ لا هو بالغريب و لا بالقريب ..
الرجل كانت مناكبه عريضة ، و شعر رأسه أسود فاحم بلون بشرته .
هبط وسط الميدان الكبير للعاصمة الأزلية لكل البوادى من حولها .. كان الهبوط بالقرب من مكان المرأة الثابت .. و هى مسترسلة فى نداءها الثابت .. سمع صوت هديلها الزاعق .. لم يَعِ حروف النداء .
المشهد بهر الرجل العائد من بعيد .. هزه من الداخل ، أخذ بلباب عقله السابح فى غموس الأولاد …
الرجل كان لم يمضِ على رحيله سوى دقائق معدودة .. قدرت بمعيار الزمن سنوات لا تذكر من عمر التاريخ ..
مائة وخمسون عامًا .. شىء قليل من عمر البشر …
إنه يذكر ذلك اليوم و هو يحـزم متاعه و كل ما يملك فى (بؤجة) كان قماشها من بقايا خيمة بالية تعرف بـ (الخُرجْ) ، و يمتطى ظهر خف مصنوع من ألياف (قحف) نخلة عاقر بحضن جبل عال باطنه مكشوف على فضاء ملبد بغيم عقيم ، و كأنه بالأمس القريب .
جذع النخلة كان يتمدد برأسه كامتداد ترعة منسية فى نهاية الدلتا القديمة .. أعشاب و طفيليات عشوائية تنتشر على الجانبين تخفى مياهها الآسنة .
فجأة ..
تبسم الرجل لدى تذكره لوقت الرحيل الأول .. ظهر على وجهه (المكرمش) علامات الدهشة والاندهاش فى ومضة واحدة …
إنه يتذكر منظر أصبع قدمه الكبير ، عصيًا أن يثبت فى موضعه بالخف ، و كيف كانت أقدامه تأبى أن تخطو على حبة واحدة من تراب وطنه المغلوب على أمره من وقع الضربات التى انهالت على رأسه من كرابيج السادة المماليك والبشاوات من بعدهم لأنه (كَبش) حفنة من كومة قمح كان عالق بها رائحة عرقه وكده طيلة عمره كله من أرض (الباشا) الذى وصمه بأنه (لص سارق) سطى على (سيده) فى غفلة من الزمن .
عندها لم تُجْد الشكوى و خـــواء بطن و أمعاء أبنائه الخاوية ، و كثرة توسلاته لكل من يدب على قدمين ..
لا سميع .. و لا مجيب …
عنها و قرر الرحيل باحثاَ فى أرض الله عن الرزق المشبع بعروق الكرامة وعزة النفس ..
فى حينها كانت المرأة فى مكانها ثابتة لا تتحرك ، و تطلق نفس النداء المتهدج …
و كل المارة الداخلين و الخارجين من الباب لا يسمعون صوتها المبحوح ، و لاينظرون لموضع المفتاح المدلى من جيدها و هو يبرق فوق صدرها العارى ..
غير أنهم كانوا يقذفون فى حجرها من وقت لآخر بالقليل من بقايا فتاتهم رغم احتياجهم الشديد إليه ، والنذر اليسير من الدعاء بانصلاح ظهرها المحدب ، و استقامة خصرها المعوج ، و الكثير من الدموع المنسكبة بكل الشوارع و الحوارى و الدروب بحسن النهايات ..
و هم يتساءلون :
إلى متى يدوم الحال ؟؟!
يسمعون رجع الصدى يدوى :
دوام الحال من المحال .

***

مع اقتراب نهاية فصل الشتاء على رُبَى بلادى .. وقت تعامد قرص الشمس على وجه الملك (الفرعون) فى التعامد الثانى و ذكرى الميلاد وبدء دخول موسم الحصاد .. دنا الرجل عريض المنكبين من محل المرأة الثابتة فى مكانها على مر السنين ..
مد يده من غلالتها المشدودة إلى عنقها لدهور بعيدة .. محاولا مسح دمعة تحجرت فى مقلتيها .
هيهات .. هيهات ..
لا تجدى معه كل الحـيّــل …
عاود المحاولة تكرارًا ..
فى كل مرة يحس أنه يعيد الوليد لرحم أمه بعد آلام المخاض …
بينما نداءات المرأة تلهب رأسه .. تحيله من رجل عريض المنكبين إلى فسيلة فى مهب الرياح .
تتحول نداءات المرأة إلى حــد الصراخ المهين لرجولته .

نظر الرجل نظرة فى كل وجوه المارة الداخلين و الخارجين حول المرأة الثاوية فى مكانها ، و إلى نظراتهم المستكينة المستهجنة للأمر بأكمله ، كما لو كان تحت جلودهم السميكة يجرى دم بارد , و توردهم بطونهم الخاوية مورد داء الأنا .
ضرب الرجل كفًّا بكف ، لم يلتفت إليه أحـــد ، عض على أنامله المتقيحة حتى نزفت عروقه لآخر قطرة دماء عنده.. الدماء سالت على الأرض .. امتزجت بالدموع الحارة المسفوحة من كل الأعين الشاخصة منذ القدم .. لطخت الجدران الشاهقة الارتفاع ببقع صماء .. غطت كل الأرصفة والطرقات المكتظة بشاغليها ، حتى بدأ النواح المرير الصادر من داخله يعتلى أعمدة الشوارع و يعكسه على وجوه المارة الداخلين و الخارجين ، و الهاجعين تحت الظل الباهت .. يرجهم رجًّا .
ــ انتبه له البعض ــ
تسلم الرجل عريض المنكبين (المرتحل العائد) برفق البوق من جِيدِ المرأةِ القابعة فى مكانها منذ سنين .
نفخ فيه نفخة واحدة .. ارتجت الجبال الراسخة فى أماكنها ــ تزلزلت ــ و تراءت مواقع النجوم فى أفلاكها الدوارة لكل العامة ، و خشعت الأضواء الاصطناعية أمامهم ، و بزغت أمام أبصارهم طلة من آشعة الشمس الغائمة خلف السحب الكثيفة الملبدة بالخديعة والغرور وصوت الأنا .
دارت العقول الجامدة فى أماكنها ، و تساءلت بصوت مسموع …
ما السبيل ؟
مــد الرجل العريض المنكبين طول ذراعيه .. احتضن بينهما قبس من شعاع شمس الحقيقة المارقة بين السحاب المحمل بالزيف و الويل و الثبور .
ألقى به فى حجر المرأة التى لم تكف يوماً عن النداء .

فتحت المرأة حجرها للبراح من حولها .. تلقت كل موجة من رجع الصدى الزاعق من حناجر المعذبين فى الأرض و أعادت تكبيرها مئات المرات ، ثم سقته قطرة من ملح دموع عينيها المتحجرة ، ومزقات من حليب صدرها الساخن منذ زمن الندهة الأولى ..
توحــد الجمع فى صعيد واحد .. صفقوا كثيرًا و هتفوا :
نحن لها .. نحن لها …
كان الباب مفتوحًا يستقبل الداخلين والخارجين بغير استئذان .
و وميض المفتاح يضوى تحت سنا القمر بومضات متعاقبة .. عكسته عزيمة الشباب بكل الميادين الفسيحة بربى بلادى والبلاد المجاورة …
رمقه كل من كان فى جوفه بقعة من ضوء .. تنهدت المرأة تنهيدة زلزلت الأراضين و ما وراء الحجب والسماوات السبع .. تصاعد من صدرها دخان أسود كثيف .. لم يدم هذا الدخان طويلا .. تحول إلى جبال من الثلج والبرّد …تساقط على الضياع و كل التلال قطرات من عسل شاهق البياض ..
ملأ الأجران القاحلة والأرض البور بالدهن وأغصان الزيتون .. من خلف الغمام المنقشع سمعت المرأة الثاوية فى مكانها طائرًا يحلق فوق رأسها بجناحين طويلين يطاولان عنان السماء يردد بصوت رخيم بعض الآيات القرآنية .. سعدت الأفراخ فى أعشاشها الجديدة ، وزقزقت العصافير مع شباب الثورة و كل القوى من الأغلبية الصامتة لدهور طويلة .. رجع الصدى هذا ؟ كان لنداء انطلق من فم أمى ذات يوم الكل يعلم تاريخه.

السابق
عذاب
التالي
تســـــوق

اترك تعليقاً