القصة القصيرة

رجل دولة

رجل الدولة لا يستقيل بل تسند له مهام أخرى ، و لكن لحد الساعة أصحاب القرار لم يتذكروه ، إنهم مشغولون بما يجري في العالم الخارجي ، لقد تناسوا إطار سامي مميز مثله ، إرتشف ما تبقى من فنجان القهوة ، و تأمل عناوين الصحف ، لا حديث عن أي تعديل حكومي مرتقب ، حتى الجرائد المفرنسة لم تذكر أي خبر مهم ، و هي التي أعتبرت دوما قريبة جدا من أصحاب الحل و الربط يتذكر أول عهده بالمناصب حين كان يقرأ الشروق و الخبر ، و زاره رجل دولة محنك .
– لا تقرأ الجرائد المعربة ، لا فائدة ترجى منها ..
فأجاب بكل إستغراب :
– أراها جرائد محترفة و تنقل أخبار مهمة عن المدن الداخلية و ما يقع فيها و
تحكي عن حال البلاد و العباد ..
ضحك الرجل كثيرا :
– لا ألومك ما زلت حديث العهد في نادي الكبار ، الجرائد المفرنسة هي المصدر الحقيقي لكل الأخبار ، دعك من أخبار المواطنين و شكاويهم التي لا تنتهي
ما ينفعك فعلا هي أخبار صالونات السياسة و ما يفكر فيه أصحاب القرار ، و هذه المعلومات لا تجدها سوى في جرائد هم ، الأنباء المثيرة يتم تسريبها الى بيادقهم الصحفية المفرنسة ، الجرائد المعربة منشغلة فقط بالتباكي على واقع المواطن .
كان دائما يتصرف كرجل دولة ، حتى التصريحات التي كان يدلي بها للصحافة في مجملها جوفاء لا تحمل أي دلالة ، و دائما يساير متطلبات المرحلة و يحرص على ذكر الرئيس في أي تدخل ، و كيف لا و هو ولي نعمته و سبب بلوغه أرقى المناصب ، الرعاية السامية لفخامته ترعاه أينما حل ، يتذكر بحنين جارف تلك السنوات الجميلة ، يحاول دائما إقحام الرئيس في أي مبادرة حتى و إن كانت بسيطة ، كانت روح فخامته حاضرة في كل جولاته عبر مدن البلاد ، حتى المواطنين الذين يهرعون لإستقباله مسحورون بكل ما يتعلق بالرئيس ، فحين يحرجه مواطن صعلوك في تجمع شعبي ، بدون تردد يقحم الرئيس بأي طريقة حتى يطأطأ الرجل رأسه ، و من يجرؤ على تحدي صاحب الفخامة في حضور الأعيان و رجال الأمن .
كل ما يتمناه أن يكون إسمه وارد في التعديل الحكومي المنتظر ، أي وزارة سيقبلها حتما ، المهم أن يعود بريق نجمه من الجديد ، إنه يشتاق الى تلك الأيام التي كانت صوره تملأ الجرائد و أحاديثه و حواراته في الإذاعات و الفضائيات ، فجأة إختفى من المشهد السياسي ، و لم يعد يذكر سوى كوزير سابق ، المؤسف أنه لم يعمر في أي وزارة و بالتالي لم يترك أي أثر ، عدا بعض التغييرات الشكلية التي يقوم بها ، مثل تأثيث مقر الوزارة أو تحويل المدراء من مكان لآخر ، هذه المرة حتى لو يسند له منصب وزير بدون حقيبة سيكون سعيد به ، التواجد في الطاقم الحكومي أمنيته التي لن يتخلى عنها في خريف العمر ، و إن كان تجاوز العقد السابع ، عادي جدا فأغلب رجالات الدولة مكانهم الطبيعي دار العجزة و لكن الإرادة السياسية قد تصنع المعجزات .
في اليوم الموالي و فيما كان مشغول بهواجسه السياسية ، دخل عليه إبنه و هو قابع في مكتبه يقرأ مذكرات رجل مهم.
– شخص موفد من الرئاسة يطلب مقابلتك ..
نهض بسرعة و كأنه عاد الى ريعان الشباب ، و أخيرا تذكره فخامته كان واثقا بأنه رقم مهم في معادلة التسيير بالبلاد ، المهم أن يبرهن لكل الوزراء أنه رجل دولة بأتم معنى الكلمة ، مهما إبتعد فإنه يعود دوما بنفس العزيمة ، يعتبر نفسه جندي في خدمة الوطن المفدى .
و سرعان ما إستدرك الأمر …
– موفد من عند الرئيس و تأتي عندي لتستأذن مني ، غريب أمرك ، دعه يدخل بسرعة و لا تنس فنجان قهوة لمستشار فخامته .
خرج الإبن بخطوات مرتبكة و كله إستغراب من الحيوية الكبيرة التي طرأت على والده .
ما إن دخل ناقل الأخبار السعيدة حتى هرع إليه رجل الدولة السابق مرحبا و معبرا عن سعادته بهذه الزيارة التي طال إنتظارها .
جلس مبعوث فخامته أمام المكتب بكل ثقة و بنظرات ثاقبة إستطاع أن يقوم بمسح شامل للغرفة ، أدرك من خلال الصور و الشهادات و الكتب المتناثرة أن رجل الدولة المتقاعد يعيش خريف عمره …
– تعرف سيدي هناك غليان سياسي و إجتماعي و نحن في إجتماعات مارطونية لإعلان تشكيلة حكومية جديدة.
– طبعا أعرف و أنا أتابع كل الإرهاصات في الجرائد الصادرة باللغة الفرنسية و لحد الساعة الأمور لم تستقر بعد …..
– سيتم تعيينك رئيسا للحكومة الجديدة …
لم يصدق الرجل الخبر و كاد يسقط أرضا
– أنا رهن إشارة فخامته و خدمة الوطن واجب مقدس…
-تأمل المبعوث ملامح رئيس الحكومة المحتمل ثم أضاف :
– لكن الخطة تقتضي أنه سيتم إقالتك من الحكومة بعد أسبوع من إعلانها ، إنها خطة تكتيكية لإمتصاص غضب الشارع و التخطيط لحكومة بديلة.
– لكن الشيء الذي أعرفه أن رجل الدولة لا يستقيل و لا يقال بل يستدعى الى مهام أخرى .
– الوضع لا يسمح بتطبيق أبجديات السياسة ، الظرف الراهن خطير ، سيادتك شخصية وطنية معروفة و مقنعة و تنحيتك بعد أسبوع ستشغل الرأي العام الوطني و الدولي و سيعود إسمك من جديد للتداول عبر وكالات الأنباء الوطنية و الدولية ، يعني نحن نقوم بإعادة تلميعك بطريقة ذكية .
– على كل إذا كان في الأمر فائدة للوطن و لمتطلبات المرحلة فلا مانع لدي و لكن هل هناك ضمانات لما بعد تنحيتي ؟
– فخامته يخبرك بأنه سيتم تعيينك كسفير لبلادنا بجمهورية الدومينكان .
– و أين تقع الدومنيكان ؟
– وزارة الخارجية سوف تخبرك بكل تفاصيلها ، إنها بلد لا توجد فيه جالية لنا و لكننا نسعى الى توطيد العلاقات الدبلوماسية معها .
– إذن بلغ تحياتي الى فخامة الرئيس و إخبره أنني موافق على خطة الطريق الرائعة التي شرفني بها .
– الخبر يجب أن يبقى سرا الى غاية إختيار الطاقم الحكومي بأكمله .
– إطمئن أنت مع رجل دولة عزيزي .
رافق المبعوث الرئاسي الى غاية مدخل قصره و عاد الى مكتبه مسرعا لكي يستعرض مع نفسه الوضع الجديد ، رئيس حكومة لمدة أسبوع ثم سفير في بلد نسي إسمه في ثواني .
و أخيرا إبتسمت له الأقدار ، سيشغل الرأي العام لمدة أسبوعا كاملا ، و أكيد أن سيرته المهنية سوف تنشر في كل الجرائد و المجلات ، و ستنظم لقاءات و حوارات عبر الأقمار الصناعية لمعرفة الوجه الجديد القادم الى مبنى رئاسة الحكومة.
رئاسة الحكومة ستسمح له مؤقتا بالإنتقام سياسيا من بعض الوزراء و الإطارات السامية الذين نسوه منذ خروجه من الوزارة في السنوات السابقة ، إنها فرصة تاريخية للعودة الى أحب مبنى حكومي الى قلبه ، رئاسة الحكومة حيث يقرر مصير البلاد و العباد ، مع قناعته أن أسبوع لن يسمح له بإتخاذ أي قرار .
فجأة جاءته فكرة جهنمية ، فتح جهاز الكمبيوتر و فتح صفحة الأنترنت على موقع زعيم البحث جوجل ، بالكاد تذكر البلد الغريب كتب أحرفه بكل دقة و إحترافية
الدومينكان.
و ظهر على الشاشة موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة……
الدومنيكان هي دولة في جزيرة هيسبانيولا وجزء من أرخبيل جزر الأنتيل الكبرى في منطقة البحر الكاريبي. يقع في الثلث الغربي من الجزيرة دولة هايتي، مما يجعل من هيسبانيولا إحدى جزيرتين في الكاريبي يتقاسمها دولتان. سواء من حيث المساحة أو تعداد السكان تعد جمهورية الدومنيكان ثاني أكبر دولة في منطقة الكاريبي بعد كوبا . .

السابق
تمرد
التالي
بنت الحلال

اترك تعليقاً