القصة القصيرة جدا

رحيل

يتوسط دائرة الضوء, يتبعها, غير أن الظلام يقترب أكثر تتشــكل كتل ظلامية تتجزأ تأخذ شكل كريات ثم تعود للاتحاد تتبعه بدورها حيثـــــما سار , دائرة الضوء تعود لتأخذ تشكيلات أدمية ’ تتحول الى يد تقترب منه يحســــــها تجذبه الى ناحيتها يصيح:
– تعالوا , انهضوا ’ انهضوا
صدى صوته يملأ القاعة يرتد الصوت:
ضوا, انهضوا
تفتح أبواب الحجرات الواحد تلو الاخر ’ يلتم الجمع ’ يجلس الشــــــيخ على اريكته التي يغطــيها سـجاد يحمل صور الحرمين , يوميء لهم بالجـلوس يبعد ابهامه مـن على شفتيه:
– الذي حدث اليوم يجعلني أفكر في الرحيل , ان الامـر لن يتوقف عنـــــــــد سرقة عنقود العنب, حقـا ترك أحمرتنا تعود محملة بالعنب من البســــــتان باتجاه الديار يغــري أيا كان , و لكننا نعيش بالمنطقة منذ عقــد مـــــــــــن الزمــن و لم يحدث الذي حدث اليوم.
الابن الاكبر:لقد تتبعت و تفرست أثار الاقدام بالحقول فمـا عثـرت الا علــــــى أثار الناقـة كما وصفت لك لقد قلقت بعض الشيء لتأخر عودة الحمـــــار , ثم قلت في نفسي لعل النسوة استبقينـه بالبستان , و لما رحت باتجاه البســـــــــتان وجدت الحمار فـي منتصف الطريق , و كان الحمل مائلا , لعلـه أحـــــــــــس بمـيــــلان الثقل فوقف مكانـه و كأنما خشي سقوط حمولته.
الابن الاصغر: ما أخال الذي فعل فعلته هاته الا أحد اثنيين اما جائعا طريدا أو غريبا شريدا , ما عهدنا هذه الفعلة من قبل .
الشيخ: -لقد تفرست بدوري أثار الغريب لقد كان يركب جملا غرا فأثار السـير تدل على الزهو و السرعة ,
لقـد هوى على جنبه الايسر و أخذ عنقود العنـب من حمولة حمارنا , سأبيـــع كل ممتلكاتنا و نغادر البلدة , يجب أن لا يعرف أيا كان وجهتنا الجديدة.
الابن الاوسط:و لكن سيكــــون الثمن بخسا ان علم أهل البلدة أننا نبيع ممتلكاتنا بغية الرحيل.
الشيخ:دع الامر لي,لن تخرجوا غدا الى العمل , يجب أن تبقوا بالبيت,اذهــبوا الان لتناموا و ان غدا لناظره قريب.
أطفأ الشيخ المصباح , راح يحدق في زوايا الغرفة, كأنها تهوي شـيئا فشيئا, اتجه صوب القبلة جلس على ركبتيه , فتح عنان ذكرياته , راحـــــــت تتتابع سراعا , مضت ساعات تلو أخرى , ضوء خفيف يتحدى الظلام يلج من شقـوق الباب كأنه سيوف فضية.
يداه لاتزالان تسويان شاشه و هو يتوجه نحو ركن المسجد, أهـــــــل البلدة يفضلونه مكانا لتعاطي أطراف الحديث.
-لم نر أحدا من أبنائك هذا الصباح
قالها أحد الحضور, رد الشيخ:لا يزالون نياما الى هذه الساعة , أقسم أنــنـــي سأتركهم دون حقل و دون ديار, سأبيع جمــيع ممتلكاتي ما دامت ضائعـــة لا محالة.
– أنا سأشتري منك الحقل
أخر:و أنا سأشتري منك المنزل
ثالث:و أنا سأشتري البقرات و الاغنام.

كان الشيخ يتحسس جيبه عائدا الى البيت , الوقت عشاء , الكل أوى الى بيته.
في الغد فضول أهل القرية دفعهم الى الاقتـراب أكثر من منـــــــــــزل الشـيخ, نادوا عليه لا أحد يجيب فتحوا الباب لا أثر لاهل البيت الحـجـــــــرات خاوية من أثاثها و على أريكة الشيخ ورقة و قد وضع فوقها الحجر الذي كــان يستعمله للتيمم, رفع أحدهم الورقة تمعن فيها ثم سلمها لغيره ممن يحــــــــــسن القراءة:
-انظر
تمعن فيها بدوره :
– انها مكتوبة باللهجة انه يقول لبلاد دخلها المهري.
صفق الجمهور لهذا المشهد استمر التصفيـــــق و الستار يسدل خــرج الممثــــلون الواحد تلو الاخر سـاد القاعة هدوء تام غير أن دائرة الضوء بقيـت تطارد الظلام.

السابق
مناضل
التالي
نوابغ

اترك تعليقاً