قصة الطفل

رسالة صَيّاد

تركت الشمس آخر قُبْلاتَها عند المغيب على أمواجِ البحر الهائج كُل ذلك بَعَث في نفس زياد حالة حزن شديد إنتهى النهار دون أي أخبار عن المَركب المفقود, أمتد بَصَرهُ بعيداً, مياه البحر لاحدود لها وكأنها سماءٌ ثانية, تلك الصخرة الملساء التي يجلس عليها كُل يوم إغتَسَلت بدموعه, عاد أدراجه الى بيته العتيق فوجد أمه تنتظره بقلقٍ وخوف احتَضنته عندما اقترب منها …
آه… ياولدي ثمانية سنوات وأنت على هذه الحالة بعد إختفاء والدك في البحر العميق.
تَذكر تلك الأيام الذي يذهب فيها مع والده الى البحر ويرجعان بسلالِ السمك الكثيره والبيع في السوق, كان كل ليلة يذهب والده الى دور الفقراء من الايتام والمساكين ويعطيهم بعض النقود, وقد أتفق معه مجموعة من الصيّادين على بناء مَركب كبير للذهاب الى مناطق عميقة في البحر لصيد أكثر كمية من السمكِ, في صباحٍ مشمس أخبر أبو زياد أهله بأنه سوف يغيب عنهم بعض الايام للصيد في المناطق البعيد من البحرِ, رُفع الشراع وانطلق المَركب بسرعة جنونية مخلفاً ورائه أمواج متلاطمه, لَوّح زياد لأبيه بيده حتى أختفى, فرت دمعة ساخنة على خدِه, جلس على الرمال هو الابن الوحيد الذي لم يفارقه طيلة أيام حياته, تحولت الرياح القوية الى شمالية مصطحبة معها زخات مطر غزيرة حتى صارت المياه أعلى المركب, بعد أيام كان زياد كعادته ينتظر والده بفارغ الصبر شاهد زوارق صغيره تقترب من الشاطىء وعندما وصلوا كانوا الصيّادين الذين ذهبوا مع والده في المركب الكبير…
– يابني غمرتنا المياه وفرَّ كل منا بزورقٍ صغير وكان والدك يمسك بدفة القياده ولانعرف عنه أي شيء ربما آوى الى أحد الجزر ان شاء الله يعود, بكى زياد وركض الى بيته لاخبار والدته بالموضوع التي وقعت على الارض عند سماع الخبر وذهبت تُعاتب الصيّادين لأنهم تركوه, مضت السنين وزياد وأمه ينتظران رجوعه وقد أصابهم الجوع والفقر مما اضطر زياد للذهاب للصيد في المناطق القريبة من الشاطىء لَعَله يسد رمق أمه ويبتاع بعض السمك وعندما كان ينظر الى أمواج البحر جاء مركب صغير متوجهها الى شاطىء البحر كان أحد صيّادي المناطق القريبة وقد سأله زياد هل شاهد مركب كبير؟
فأخبره بأنه شاهد في جزيرة بعيده مركب كبير وبالقرب منه رجل يوقد النار, فرح زياد للخبر وقال: هذا والدي نعم هو. وذهب مسرعاً يخبرها بالموضوع وتجدد الأمل عندهما, استمر زياد بالذهاب للصيد وانتظاراً لعودة والده لكن في ذلك اليوم البارد عندما سحب زياد شباكه كانت ثقيلة جداً فرح لأنه ظفر بصيد وفير ولكن كانت العالقة سلحفاة كبيرة مُعمرة حاول فَك الشِباك عنها كانت حزينة جداً …
– لاتحزني ياسلحفاة سوف أطلق سراحك…!
– أني تركت الدنيا وأنتظر الموت في كل لحظة لأني وحيدة طيلة تلك السنين. – لماذا ياسلحفاة ؟
-ذات يوم قبل ثمانية سنوات تقريباً كنت مع زوجي نمرح في أعماق البحر وفجأةً سقط مركب كبير على زوجي وبقي عالقاً تحت المركب وأنا أبكي جواره ولم أتزوج طيلة تلك الفترة .
-مَركب كبير وهل شاهدتي من كان فيه لم أبحث لكنه لازال في مكانه عالقاً .
أعطت السلحفاة مواصفات المركب فتيقن زياد انه يعود لوالده ولكن ياترى هل تركه والده وذهب بزورق صغير الى أحد الجزر؟, وهل هي نفس المركب أم مركب أخرى؟.
طلبت السلحفاة من زياد الذهاب الى أعماق البحر حتى ترجع له بخبر يقين عن والده وبالفعل أنطلقت السلحفاة حتى غابت عن أنظاره, مضت الأيام والشهور ولم ترجع السلحفاة حتى فقد الأمل فيها وبقى على خبر أحد الصيّادين له بأنه شاهد رجل مع مركب في أحد الجزر وظن بأن السلحفاة كانت تكذب للهرب منه, أقتربت السلحفاة من المركب وبدأت تفتش فيه بكل دقة ومعها الكثير من أصدقائها والاسماك الكبيرة حتى عثرت على صيّاد عالق على مقود المركب حاولت سحبه الى ورقة أخرجتها وفتحت الورقة كانت رسالة اجتمع حولها كل الاصدقاء وبدأت بقرأتها …
– ياولدي أني أحبك كثيراً لاتحزن إن أصابني مكروه, كل يوم عندما أخرج للصيد أعرف أن الله هو الرازق والحافظ لكم من بعدي …ياولدي زياد أفضل الاعمال هي الصدقة ومساعدة الفقراء …أما المال الذي جمعته فهو تحت الصخره في حديقة البيت أرفعها سوف تجد كل ماتحتاجه لكن أحرص على سيرة والدك ولاتترك الفقراء والصدقة فأن هذه الأعمال هي رصيدك في الآخرة …أما أدوات الصيد فلاتبيعها أو تستبدلها فهي أرث أجدادك …أمك لاتحزنها أبداً لأنها ملاذك من النار …كن للناس عونا ولاتترك أرضك وعَمْرها بما تستطيع …أذكر الله كثيرا لان سكان البحر يسبحون لله وأني أسمع دعائهم.
تقيّأ البحر كل ما في داخله تلك الأمواج العاتية قد دفعت بالمركب الى سطح البحر حتى وصل الى احد الجزر تأسفت السلحفاة لكنها ظفرت برسالة الصيّاد التي تعتبرها دليل صدق حديثها لزياد. لكنها ترددت في الذهاب خوف على مشاعره وبقى الحال عدة شهور والسلحفاة تفكر بطريق إيصال الرسالة, بكت السلحفاة وأصدقائها وحمدوا الله كثيراً, أنطلقت السلحفاة تحمل معها الرسالة لتخبر زياد, عندما وصلت ضفة البحر شاهدت تجمع من الناس فرحين بوصول المركب الذي اختفى منذ ثمانية سنوات حسب أخبار أحد الصيّادين, خافت الأقترب من زياد الذي سوف يكذب الخبر ولاسيما أنها أختفت عدة شهود دون أن تعود له بأي خبر, بقيت تنتظر ماذا يجري وهل المركب يحمل معه جثت أبو زياد أم ماذا؟
كانت المركب التي وصلت هي نفسها التي أختفت فقد عرفها الصيّادين لكن الذي يقودها رجلُ غريب ليس من أهالي المنطقة, ركض زياد يبحث عن والده الإ إن الرجل أخبره بأنه وجد المركب في أحد الجزر دون أي شخص وقد عرف أهل المركب من الكتابة التي عليها, بكى زياد بحرقة بعد أن ضمته أمه الى صدرها…كيف أستطيع أن أكلم والدي ياأمي؟
– يابني نحن لانفهم لغة الموتى هوعالم خاص بهم, في تلك الأثناء شاهد زياد السلحفاة ونظر اليها نظرت عتاب…
– قالت هذه رسالة أبيك حفظها سكان البحر وسوف تكون لك خير عون في الدنيا أحرص عليها, أخذ زياد الرسالة بعد أن شكر السلحفاة وتوجه الى داره مع أمه, فتح الرسالة وقرأها لأمه بكيا كثيراً الإ انها كانت فضل من الله في تعويضهم سنين الفقر بعد إن رفع الحجر وأخرج النقود, عمل زياد بوصية والده, الإ أنه حَزم أن يكمل عمل والده في الصيد, ذهب مع الصيّادين في مركب والده الذي تم أصلاحه الى المناطق البحر العميقة وهو يفكر كيف له أن يخاطب والده ويسأله عن مصيره في تلك الأثناء لاحت له صورة والده في مياه البحر وهويبتسم له ويريد أن يضمه إليه, فتح ذراعيه, قفز زياد له, تعانقا بقوة ولكن ليس في مياه البحر ولكن في عالم الأموات, رسالة زياد هذه المرة لم تكن للأحياء وإنما للأموات قرأها أهل البحر…ها أنا أترك أمي وكل عزيز ومالي وكل أعمالي ولم ينفعي سوى أنسانيتي وعملي الصالح… ناديت على أمي فلم تستطيع أنقاذي وتمسكت بأذيال ثوب أبي لكن لم يتحرك ساكناً الإ رجلا بالباس أبيض وقف بجانبي وهو يبتسم قال: لاتخف أنا عملك الصالح.

السابق
صبر جمالْ
التالي
كيف تكتب رواية جيدة

اترك تعليقاً