القصة القصيرة

رسالة من امرأة بائسة

(1)
عندما أتحدث عن البؤس ربما يكون فى هذا شىء من المبالغة.
ربما أنى أجعل من توافه الأمور عظامها ؛ لأنى لا أعلم بؤسا حقيقيا فى حياة المرء إلا سخطه على نفسه ، و ملازمته قول يا ليتنى.
فى هذه اللحظة التى أسرد فيها أزمتى الروحية أتذكر تلك الأوقات العصيبة التى مرت بحياتى و جعلت منى امرأة ضائعة ، ضائعة عن ذاتها ، تحطمت فيها معانيها الحالمة.
إنى ألقى باللوم على قدرى الذى رسم لى خطواتى ، و ما فكرت لحظة أن دعائى له أن يغير من هذا القدر ، و معه قد تتغير ملامح طريقى ، أو أنى أستطيع بشىء من الإيمان أن أتكيف مع نوائبى و أطوعها لنجاتى من كل ضيق. فذاتى هى مسكنى ، هى المكان الذى أنتمى إليه و لا يليق بى أن أتجرد عنه ، أو أكون غير شبيهة به. إنى حين أفكر فى أمرى أستغرب كثيرا هذه المسحة من الكآبة التى صاحبتنى فترة من الزمن. إنى أرحل الآن فى ذكرياتى لأتوقف قليلا مع تلك اللحظات التى بدأت فيها يدى تخط على ورق أبيض أشياء أردتها لنفسى قبل أن أخرج إلى الحياة و أتعامل معها ، و لكنى نسيت ضمن الأشياء المكتوبة أن تحتوى على كلمة (صراع) ، ما أدركت وقتها أن الحياة مليئة بأنواع الصراع التى تحتاج إلى مواجهة حكيمة حتى لا أتحول معها إلى منافسة فى حلبة السباق. نسيت أن أكتب ضمن أهدافى أنى مهما لاقيت من الآخرين لابد و أن أجد نقطة ما تجمعنا لنتعايش سويا ؛ فكان أول صدام لى عندما وجدت الآخرين يختلفون عنى و لا يقبلوننى رغم أنى قدمت لهم المعروف بكل أشكاله ؛ فكان هذا المعروف هو الحاجز الذى باعد بيننا ، ما ظننت أن معروفى سيقابل بالإعراض.
خدعتنى تلك الابتسامة الزائفة التى ظننت معها أنى وجدت صديقة عمرى ، عندما التقيت بـ(أمل) تلك الشخصية التى تجذبك من أول طلة لها عليك عندما ترى فيها شيئا مميزا غاب عنك ، و لكنك احتضنت فقيدك عندما لاحت لك هذه الشخصية عن قرب ، و تجلت لك فيها نقائصك. أسعدنى كثيرا أنى وجدت رفيقتى التى تشبهنى أو تكملنى ، و لكن هل من الممكن أن يختبئ المرء خلف ابتسامة و كلمة ليدارى حقيقته؟!
عندما اقتربت منها و ظننت أننا أصبحنا عقلا واحدا و فكرة تنطق بها قلوبنا ، كلما حكيت لها عن خواطرى و ما أحمله من معان أريد أن نتقاسمها سويا ؛ كنت أرى فى عينيها نظرة غريبة متكلفة لم أكن أفهمها ، و لكنى كنت أشك فى نفسى و أقول هذا من سوء ظنك و احتياجك لمزيد من الثقة فى نفسك ، و مع مرور الأيام و فى كل حديث كان يجمعنا و كان من البديهى أن يقرب بيننا كنت أشعر بجفاء منها لا أجد له معنى ؛ إلى أن انتهى بنا الحال و أصبحنا غرباء ، و كأن فى حديثى الذى سردته لها شيئا ما أبعدها عنى مازلت لا أعلم ما هو.
و لكن هل من الطبيعى أن يتخلى عنك إنسان دون أن يفصح عن السبب ؟!
مجرد أن تلقاه يبتسم فى وجهك مسرعا بالانصراف حتى لا يكتمل اللقاء ، حتى لا يتيح لك فرصة عتابه ، و كأنه يشعر بلومك له و لكنه لا يجد ما يقدمه ؛ فيؤثر ألا يواجه أو ربما لا يرغب فى المواجهة.
هكذا اعتقدت عندما التقيت بـ(أمل) بعد فترة غياب لا أعرف لها سببا ، كل ما أعرفه أنها ابتعدت بعد أن اعتدت لقاءها فى وقت ما ، أصبحت فى ذلك الوقت عندما أجلس و أنتظر لا تأتى فأصاب بخيبة أمل و إحساس بالضيق ، فأكثر ما أكرهه فى حياتى هو التجاهل ، تجاهل يشعرك بأنك لا شىء و أنت الذى أعطيت كل شىء.
كانت تسير بجانب (وداد) تلك الشخصية الجامدة و كأنها عروس خشبية محلاة بزينة جاهدت نفسها فى إنتقائها حتى بدت فيها المبالغة إلى حد يجعلك كلما نظرت إليها تشعر بالتوتر النفسى ، و لا أعرف كيف يليق اسم (وداد) بهذه الشخصية المتكلفة فى كل ما تقدمه لغيرها حتى الابتسامة لها حساب و مقاييس ، و لكنى لا أستغربه من إنسانة تحاول أن تكسب نفسها هالة من الزهو تدارى خلفه عجزها عن احتواء الآخرين.
كنت واقفة عندما رأيتهما قادمتين و بمجرد أن رأيت (أمل) زال كل ضيق سبق لى أن شعرت به ، غلبت على فرحتى برؤيتها و حنينى إليها ، و فى غمضة عين نسيت و أحببت هذا النسيان ؛ لأننى معه سأبدأ عهدا جديدا مع (أمل) ، سأنسى أى تجاهل ، لن ألوم أو أعاتب ، يكفينى أنى رأيتها و من المؤكد أنها تشعر بذلك أيضا و لا داعى مطلقا لكلمات لن تزيدنا إلا ابتعادا و غروبا.
كل هذا دار بخاطرى فى لحظات ، و كلما اقتربت زاد هذا الشعور بداخلى إلى أن مرت بجوارى بخفة النسمة فى فصل الصيف تكاد تشعر بها ، ابتسمت و ألقت التحية و هى تنظر بطرف عينها و سرعان ما أحالت وجهها عنى و انزوت معها كل أفكارى ، أطرقت رأسى أفكر : ما الذى دهاها ؟! ما الذى دهانى ، لم أشعر بدوار؟!
و ضعت يدى على أعينى أحاول أن أهدأ و أستعيد توازنى ، و بعدها مضيت فى صمت لم أر أحدا ممن حولى ، أنظر و لكنى لا أرى.
مازال ذلك المشهد هو الذى يسيطر على ما عاد يعنينى أمرها سأدعها ترحل إن كانت تريد ذلك فأنا لا أملك من أمرى شيئا غير أنى أستجيب لرغبتها.
و هل يعقل أن أرجوها أو أستعطفها ؟! و لنفرض أنى فعلت .. عندها ، هل ستعود ؟!
و أى معنى لعودتها و قد مزق جزء من الآصرة التى ربطت بيننا ، و لا أعتقد أنه بإمكاننا أن نعيد إحكامها ، و لو أنى بعد ما رجوتها ما عادت ، أى إحساس يمكننى أن أحسه و قد ضاع مع رجائى كرامتى؟!
لا لن أرجو فقد انتهى الأمر و سأمضى كما مضت هى رغم أنى أعرف جيدا أنى سأظل أسأل نفسى هذا السؤال : ما الذى حدث ليكون هذا هو جزائى ؟
عدت إلى أوراقى لأقرأ ما كتبته سابقا ما رأيت مما كتبت شيئا ، و كأن الورق رغم امتلائه بعدة عناصر أمسى خاليا فاقدا للمعنى لا ينم عن إحساس ؛ لذلك فضلت أن أترك أفكارى قليلا و لا أتفاعل معها حتى لا أمزقها ، و ما ذنبها فى أنها لم تحقق الفائدة المرجوة منها ، فما هى إلا مجرد أحرف خطت بأمل على أسطر خالية من أى تجربة يمكنها أن تمنحنى قوة و طاقة لمسايرة الحياة ، فمن الحكمة أن يتمهل الإنسان قليلا عندما يفقد موازينه ، عليه أن يدع كل شىء و لا يفكر فى أى شىء إلى أن يسكت صراعه النفسى جراء ما تعرض له من موقف ما ؛ حتى لا يدع فشله ينال منه أو يكون له إحباطا يسلبه إيمانه بأقدار الحياة . . .

(2)
ها أنا أعود إلى أوراقى بعد أن استوعبت ما مر بى و تركته يمضى فى سلام فليس من المنطق أن تتوقف مسيرة الحياة عند فقد شخص ما ، و إلا ما كان هناك أى مظهر ينبض بالحياة من مظاهر هذا الوجود ، فسنة الكون قضت بأن يفقد كل مخلوق عزيزا عليه و رغم ذلك ليس لنا إلا أن نمتثل لنواميس القدر ، و تمضى الأيام بحلوها و مرها و تقسو أوقاتها و تحنو و نحن معها نتألم و نفرح و نشعر و نتوقف عن الشعور ، و لكن الدقائق لا تتوقف أو تتراجع حتى أتراجع أنا أو أتوقف عند ذكرى مؤلمة فلو أنى نظرت إلى غيرى لصغرت فى عينى جروحى.
فماذا عساها أن تفعل (رقية) جارتى إنى أرقبها عن بعد و أتألم لألمها و أرانى جديرة بالشكر لإحساسى بها فى زمن أفقدنا أن نعانق غيرنا فى محنته.
هى فتاة فى الخامسة و العشرين من عمرها بدأت حكايتها مع أول لقاء بينها و بين (خالد) شاب مثقف يهوى كتابة الأشعار و ينظمها على قافية أحاسيسه فهو لا يكتب إلا عندما يشعر ، رأى (رقية) و جمعت بينهما الأحداث كانت أول قصيدة منه لها تحمل عنوان “لن يهون حبك أبدا” كان يكتب و هى تجسد كتاباته على لوحاتها الفنية فقد كانت تجيد فن الرسم ، هى ذاتها كانت لوحة فنية لمظاهر إبداع الطبيعة فتاة رقيقة جميلة مهذبة لا تعرف من الحب إلا براءته و عفته رغم عنفوان أحاسيسها و رغباتها الأنثوية التى صبغتها فطرة الحياة.
و لكن أى رغبة يمكنها أن تفسد هذا الحب الملائكى الذى يشبه حب القصص و الروايات الذى لا نعرفه إلا من أزمنة ألف ليلة و ليلة ، نظرة فابتسامة ، فلقاء معطر ببعض كلمات الحياء فلقاءات باسمة بوعود وردية و آمال مرتقبة ببيت أركانه ذكريات و فراشه أحلام قادمة.
دعنى أيها القلم أتوقف قليلا عن الكتابة فقد عاودنى ذهولى عندما علمت بأمر هذا الفراق الذى باعد بين (رقية) و (خالد) ، هل هو أمر خارج عن إرادتهما !؟
وا أسفاه ! ليس الأمر كما يبدو بل هو كان قرارا أخذه (خالد) بكامل إرادته و لم أجد له معنى ، ترك فريسته جريحة و لم يعد (خالد) هو ذاك الشاعر بل تحول إلى رجل عادى تغلب عليه عاداته الشرقية التى تأبى على الرجل أن يتزوج من امرأة عرفها سابقا.
لقن (رقية) درسا ما كان يخطر ببالها .. ما عهدت فى (خالد) هذا الجانب المتأصل من التقاليد .. لا أعيب فى تقاليدنا حفاظها على المرأة ، و لكن ما أعيبه هذا الفكر الذى اتسم به (خالد) إن كان حقا محافظا فلم سلب (رقية) سنين عمرها ليتركها الآن لا حيلة لها و الكل يعلم بقصتهما خاصة أنها كانت تسكن فى نفس الحى و شاع الخبر فى الأرجاء.
انطوت (رقية) على أحزانها أسيرة ذكرياتها التى تحولت إلى ماض أول من حاسبها عليه هو (خالد).
تذكرت أول قصيدة كانت لها و قالت فى نفسها : لقد هنت عليك يا خالد ، لقد هان حبنا.
شاءت إرادة السماء أن تثأر لـ(رقية) ، ما هى إلا ساعات تمر فى قلب الأيام حتى يواجه (خالد) فشله فى زواجه الذى اختاره لنفسه وفق ما تقتضيه العادات و التقاليد ، زوجة طيبة تقليدية فى أحاسيسها فاقدة لمعانى الحب التى رفضها خالد فى يوم ما ، فهى مثله متحفظة حتى مع زوجها لم تربى على كلمة حب واحدة ؛ لأن فى ذلك ما ينتقص من حيائها.
و بدأت المقارنة تنعقد بين (رقية) و (عفاف) زوجة (خالد) كما جال فى خاطره : أين هى من حبيبتى التى كانت تقرأ أفكارى و تبوح بمشاعرى قبل أن أنطق بها ، لقد قال (خالد) “كانت” فلم يفكر بها “الآن”.
و هل من الممكن أن يتجدد الماضى و يصبح حاضرا ، و لم لا مادام الشرع قد أجاز لى الجمع بين زوجتين ، و ما الضرر فى ذلك ؟ فلدى القدرة لأن أمتلك امرأتين ، و بدأ عهد الآمال يعاود خالدا و ابتسم لنفسه ابتسامة الحبيب الذى اشتاق لوردته المهملة فى ركن من كتابه.
و فى نفس المكان الذى اعتادا أن يلتقيا فيه كانت (رقية) تجلس على نفس المقعد بجوار أزهار البنفسج كانت ترسم لوحة عليها أشكال عابثة ، جلس إليها (خالد) يستأذنها فى الحديث و كيف لا ترضى و مازلت تتعلق به مازلت ريشتها لا ترسم إلا قصائده ، و عندما سألها (خالد) عن تلك الأشكال المتناثرة على لوحتها قالت : هى أحلامنا التى عبثت بها الحياة.
صارحها (خالد) بحقيقة ما يخفى على أمل أن تجيب رجاءه ، أخبرته هى برغبتها فى السفر إلى إحدى الدول العربية فقد حصلت على تعاقد للعمل كمعلمة للفنون الجميلة ، و لكنه ذهل و ضاقت نفسه لا يستطيع أن يتخيل فقدها للمرة الثانية أخبرها كم هو يعانى و اعتذر كثيرا ، و لكن هل يكفى الاعتذار ، هل يمحو انكسار القلب عندما يطعن من أغلى إنسان !؟
بكى (خالد) بين يدى (رقية) و تناثرت دموعه فى محبرة الألوان توسل إليها بكل معانى الحب التى جمعت بينهما أن تسامحه ، تلك المعانى التى دمرها (خالد)بمعتقداته و الآن هو يقرها بدموعه.
رحل (خالد) و ترك (رقية) فى حيرتها تفكر فى هذا اللقاء الذى لم تكن تتوقعه بعد أن بدأت تمضى فى حياتها أبى الماضى أن يدعها و شأنها مازال يطاردها.
أى حيرة هذه التى أعيشها !؟ لقد عاد إلى (خالد) و لكن :
ما ذنب زوجته ، هل أعاقبها لأنها كانت تعلم بعلاقتنا و مع ذلك رضيت بأن تسلبنى (خالد) و تحرمنى حقى معه !؟
أليس من المفروض أن أكون أنا مكانها ، و هل أرضى لنفسى أن أكون زوجته الثانية بعد أن كنت وحيدته التى منحته قيمة لحياته !؟
ليس فى إمكانى أن أحتمل لونا آخرا من ألوان اللوم التى تعرضت لها ، فما بالك يا خالد تصر على أن تضعنى فى دائرة إتهام من الآخرين ، أردت الهروب منك بالسفر فلا تلاحقنى و دعنى أرحل أخشى إن سافرت أفقد (خالد) إلى الأبد ، و أى معنى للحياة بدون (خالد) !؟ و لكنه لم يعد (خالد) الذى عرفته من قبل.
و مازلت (رقية) مضطربة حائرة تقسو على نفسها و تحاول أن تمزق إحساسها أرادت فى سفرها أن تجد السلوى و العزاء من ذاك الهجران ، و لكنه عاد ليخبرها أنه مازال يريدها.
فهل تعود أم ترحل إلى دنيا غير دنيا (خالد) لعلها تستعيض عنه بزوج يكن لها وحدها ، و هل لها أن تتكيف مع ذلك ، أم ستبدأ المقارنة كما بدأت مع (خالد).
هل من الممكن أن يجمع القدر بين (خالد) و (رقية) لتعود الروح إلى مستقرها ، و إن عادت (رقية) أفى ذلك جرم منها !؟
كانت (رقية) الملامة على علاقتها بـ(خالد) لأنها علاقة لا يقرها المجتمع و سيعاديها إن فكرت فى الزواج منه و يعتبرون رجوعها إليه شكلا من أشكال الخيانة الزوجية.
و لا أعرف لما أكره كلمة (علاقة) فمجرد أن أتلفظ بها أشعر باشمئزاز لأنى لا أرى وصفا لما كان بينهما غير اسم (الحب) ، و لكن الحب الذى يرضى عنه الله و يقبله المجتمع هو “الحب الصامت” ، أن يظل الحبيبان على عهد بشهادة من السماء إلى أن تشاء إرادة الله و تجمع بينهما ، و إلا فالأفضل أن يمكث كل حبيب فى مكانه و يكفيه أن يعيش مشاعر الحب الجميلة فى خياله حتى لا يكون الثمن كرامة فقدت سمعتها.
ربما لو أنى احتفظت بحبك فى قلبى و لم أصرح به لكنت لى ، و لكنى أغفلت جزءا منك ما رأيته (خالد) إلا عندما أعلنت رحيلك و أنا الآن أخضع لعقاب ما كان فى حسبانى.
توقفت (رقية) عند تلك الكلمات و أسلمت أمرها إلى الله فهى على يقين بأن مصيرها قد كتب على لوح محفوظ فلم تشغل بالها و القلم قد خط أحداثها ، و هى راضية تماما بقضاء الله بعد تلك المحنة التى مرت بها و أكسبتها إيمانا بقوى القدر التى لا تصمد أمامها أى قوى أخرى فى هذه الحياة.

(3)
ها أنا أعود إلى أوراقى بعد أن استوعبت ما مر بى و تركته يمضى فى سلام فليس من المنطق أن تتوقف مسيرة الحياة عند فقد شخص ما ، و إلا ما كان هناك أى مظهر ينبض بالحياة من مظاهر هذا الوجود ، فسنة الكون قضت بأن يفقد كل مخلوق عزيزا عليه و رغم ذلك ليس لنا إلا أن نمتثل لنواميس القدر ، و تمضى الأيام بحلوها و مرها و تقسو أوقاتها و تحنو و نحن معها نتألم و نفرح و نشعر و نتوقف عن الشعور ، و لكن الدقائق لا تتوقف أو تتراجع حتى أتراجع أنا أو أتوقف عند ذكرى مؤلمة فلو أنى نظرت إلى غيرى لصغرت فى عينى جروحى.
فماذا عساها أن تفعل (رقية) جارتى إنى أرقبها عن بعد و أتألم لألمها و أرانى جديرة بالشكر لإحساسى بها فى زمن أفقدنا أن نعانق غيرنا فى محنته.
هى فتاة فى الخامسة و العشرين من عمرها بدأت حكايتها مع أول لقاء بينها و بين (خالد) شاب مثقف يهوى كتابة الأشعار و ينظمها على قافية أحاسيسه فهو لا يكتب إلا عندما يشعر ، رأى (رقية) و جمعت بينهما الأحداث كانت أول قصيدة منه لها تحمل عنوان “لن يهون حبك أبدا” كان يكتب و هى تجسد كتاباته على لوحاتها الفنية فقد كانت تجيد فن الرسم ، هى ذاتها كانت لوحة فنية لمظاهر إبداع الطبيعة فتاة رقيقة جميلة مهذبة لا تعرف من الحب إلا براءته و عفته رغم عنفوان أحاسيسها و رغباتها الأنثوية التى صبغتها فطرة الحياة.
و لكن أى رغبة يمكنها أن تفسد هذا الحب الملائكى الذى يشبه حب القصص و الروايات الذى لا نعرفه إلا من أزمنة ألف ليلة و ليلة ، نظرة فابتسامة ، فلقاء معطر ببعض كلمات الحياء فلقاءات باسمة بوعود وردية و آمال مرتقبة ببيت أركانه ذكريات و فراشه أحلام قادمة.
دعنى أيها القلم أتوقف قليلا عن الكتابة فقد عاودنى ذهولى عندما علمت بأمر هذا الفراق الذى باعد بين (رقية) و (خالد) ، هل هو أمر خارج عن إرادتهما !؟
وا أسفاه ! ليس الأمر كما يبدو بل هو كان قرارا أخذه (خالد) بكامل إرادته و لم أجد له معنى ، ترك فريسته جريحة و لم يعد (خالد) هو ذاك الشاعر بل تحول إلى رجل عادى تغلب عليه عاداته الشرقية التى تأبى على الرجل أن يتزوج من امرأة عرفها سابقا.
لقن (رقية) درسا ما كان يخطر ببالها .. ما عهدت فى (خالد) هذا الجانب المتأصل من التقاليد .. لا أعيب فى تقاليدنا حفاظها على المرأة ، و لكن ما أعيبه هذا الفكر الذى اتسم به (خالد) إن كان حقا محافظا فلم سلب (رقية) سنين عمرها ليتركها الآن لا حيلة لها و الكل يعلم بقصتهما خاصة أنها كانت تسكن فى نفس الحى و شاع الخبر فى الأرجاء.
انطوت (رقية) على أحزانها أسيرة ذكرياتها التى تحولت إلى ماض أول من حاسبها عليه هو (خالد).
تذكرت أول قصيدة كانت لها و قالت فى نفسها : لقد هنت عليك يا خالد ، لقد هان حبنا.
شاءت إرادة السماء أن تثأر لـ(رقية) ، ما هى إلا ساعات تمر فى قلب الأيام حتى يواجه (خالد) فشله فى زواجه الذى اختاره لنفسه وفق ما تقتضيه العادات و التقاليد ، زوجة طيبة تقليدية فى أحاسيسها فاقدة لمعانى الحب التى رفضها خالد فى يوم ما ، فهى مثله متحفظة حتى مع زوجها لم تربى على كلمة حب واحدة ؛ لأن فى ذلك ما ينتقص من حيائها.
و بدأت المقارنة تنعقد بين (رقية) و (عفاف) زوجة (خالد) كما جال فى خاطره : أين هى من حبيبتى التى كانت تقرأ أفكارى و تبوح بمشاعرى قبل أن أنطق بها ، لقد قال (خالد) “كانت” فلم يفكر بها “الآن”.
و هل من الممكن أن يتجدد الماضى و يصبح حاضرا ، و لم لا مادام الشرع قد أجاز لى الجمع بين زوجتين ، و ما الضرر فى ذلك ؟ فلدى القدرة لأن أمتلك امرأتين ، و بدأ عهد الآمال يعاود خالدا و ابتسم لنفسه ابتسامة الحبيب الذى اشتاق لوردته المهملة فى ركن من كتابه.
و فى نفس المكان الذى اعتادا أن يلتقيا فيه كانت (رقية) تجلس على نفس المقعد بجوار أزهار البنفسج كانت ترسم لوحة عليها أشكال عابثة ، جلس إليها (خالد) يستأذنها فى الحديث و كيف لا ترضى و مازلت تتعلق به مازلت ريشتها لا ترسم إلا قصائده ، و عندما سألها (خالد) عن تلك الأشكال المتناثرة على لوحتها قالت : هى أحلامنا التى عبثت بها الحياة.
صارحها (خالد) بحقيقة ما يخفى على أمل أن تجيب رجاءه ، أخبرته هى برغبتها فى السفر إلى إحدى الدول العربية فقد حصلت على تعاقد للعمل كمعلمة للفنون الجميلة ، و لكنه ذهل و ضاقت نفسه لا يستطيع أن يتخيل فقدها للمرة الثانية أخبرها كم هو يعانى و اعتذر كثيرا ، و لكن هل يكفى الاعتذار ، هل يمحو انكسار القلب عندما يطعن من أغلى إنسان !؟
بكى (خالد) بين يدى (رقية) و تناثرت دموعه فى محبرة الألوان توسل إليها بكل معانى الحب التى جمعت بينهما أن تسامحه ، تلك المعانى التى دمرها (خالد)بمعتقداته و الآن هو يقرها بدموعه.
رحل (خالد) و ترك (رقية) فى حيرتها تفكر فى هذا اللقاء الذى لم تكن تتوقعه بعد أن بدأت تمضى فى حياتها أبى الماضى أن يدعها و شأنها مازال يطاردها.
أى حيرة هذه التى أعيشها !؟ لقد عاد إلى (خالد) و لكن :
ما ذنب زوجته ، هل أعاقبها لأنها كانت تعلم بعلاقتنا و مع ذلك رضيت بأن تسلبنى (خالد) و تحرمنى حقى معه !؟
أليس من المفروض أن أكون أنا مكانها ، و هل أرضى لنفسى أن أكون زوجته الثانية بعد أن كنت وحيدته التى منحته قيمة لحياته !؟
ليس فى إمكانى أن أحتمل لونا آخرا من ألوان اللوم التى تعرضت لها ، فما بالك يا خالد تصر على أن تضعنى فى دائرة إتهام من الآخرين ، أردت الهروب منك بالسفر فلا تلاحقنى و دعنى أرحل أخشى إن سافرت أفقد (خالد) إلى الأبد ، و أى معنى للحياة بدون (خالد) !؟ و لكنه لم يعد (خالد) الذى عرفته من قبل.
و مازلت (رقية) مضطربة حائرة تقسو على نفسها و تحاول أن تمزق إحساسها أرادت فى سفرها أن تجد السلوى و العزاء من ذاك الهجران ، و لكنه عاد ليخبرها أنه مازال يريدها.
فهل تعود أم ترحل إلى دنيا غير دنيا (خالد) لعلها تستعيض عنه بزوج يكن لها وحدها ، و هل لها أن تتكيف مع ذلك ، أم ستبدأ المقارنة كما بدأت مع (خالد).
هل من الممكن أن يجمع القدر بين (خالد) و (رقية) لتعود الروح إلى مستقرها ، و إن عادت (رقية) أفى ذلك جرم منها !؟
كانت (رقية) الملامة على علاقتها بـ(خالد) لأنها علاقة لا يقرها المجتمع و سيعاديها إن فكرت فى الزواج منه و يعتبرون رجوعها إليه شكلا من أشكال الخيانة الزوجية.
و لا أعرف لما أكره كلمة (علاقة) فمجرد أن أتلفظ بها أشعر باشمئزاز لأنى لا أرى وصفا لما كان بينهما غير اسم (الحب) ، و لكن الحب الذى يرضى عنه الله و يقبله المجتمع هو “الحب الصامت” ، أن يظل الحبيبان على عهد بشهادة من السماء إلى أن تشاء إرادة الله و تجمع بينهما ، و إلا فالأفضل أن يمكث كل حبيب فى مكانه و يكفيه أن يعيش مشاعر الحب الجميلة فى خياله حتى لا يكون الثمن كرامة فقدت سمعتها.
ربما لو أنى احتفظت بحبك فى قلبى و لم أصرح به لكنت لى ، و لكنى أغفلت جزءا منك ما رأيته (خالد) إلا عندما أعلنت رحيلك و أنا الآن أخضع لعقاب ما كان فى حسبانى.
توقفت (رقية) عند تلك الكلمات و أسلمت أمرها إلى الله فهى على يقين بأن مصيرها قد كتب على لوح محفوظ فلم تشغل بالها و القلم قد خط أحداثها ، و هى راضية تماما بقضاء الله بعد تلك المحنة التى مرت بها و أكسبتها إيمانا بقوى القدر التى لا تصمد أمامها أى قوى أخرى فى هذه الحياة.

ما الحياة إلا مأساة كبيرة لجموع من النفوس المحطمة و الرؤى الضالة فى أودية الضباب.
حجبت بصيرتى لأجل خطاياى ، ما أدركت إيمانى إلا عندما سقطت فى زلاتى ؛ فإن كان الله يعفو و يتجاوز فما بالى بمجتمع لا يقف إلا عند أخطائى.

السابق
أيامُ الأسبوع!
التالي
شهادة الميلاد

اترك تعليقاً