القصة القصيرة

رقصة النّار

“فرتونة” جاء… “فرتونة” سكران…
تعوّدنا على رؤيته على هذه الحال منذ أن سالت النقود بين يديه شلّالا، و هو الفقير المعدم، القادم من عمق أحد الأحياء الشّعبية المهمّشة.
صابر، و اسم الشهرة “فرتونة” التصقت به هذه التسمية منذ أن حاول ذات صيف أن يعمل في محلّ لبيع الفواكه الجافة، بعد أن لفظته كلّ المهن الأخرى. لم يكن مفلحا في شيء. فقط، مهر في صنع قرطاس بيع بذور عبّاد الشّمس و ما شابه: “الفرتونة”. و منذ ذلك الوقت نسي النّاس اسمه الحقيقيّ… جاء في أحد الأيام مخبر يفتّش عنه؛ لم يستطع الاهتداء إليه. قال أحد الصّعاليك:” آه… تقصد “فرتونة”؟ … فتّش عنه في حانة حيّ النّزهة…”.
الطريف و الغريب أنّ هذا الحيّ و هذه الحانة بالذّات مقصدُ أثرياءِ القوم و عليائهم، و إلى وقت قريب كانت تلفظ مثل هؤلاء كما يلفظ الفم النّواة، و تطردهم كما تُطرَد الكلابُ السائبةُ.
خطواته ثقيلة مترنّحة، رأسه يميل ذات اليمين و ذات الشّمال. و بصوت تخاله قادما من غيابة جبّ راح يدندن أغنية خمريّة تثير القرف و الاشمئزاز. أحد الأصدقاء أمسك بطنه خشية التقيّؤ.
صاح فيه رفيقي أمجد:
– ألا تخجل يا رجل؟!!… الظّاهر أنّك بالغت اليوم أكثر من اللّزوم…
– …آ.. آ….
لم يجاوب، فاجأه سيل القيء المتدفّق كالشلّال من فمه و أنفه، لم يمكنّه حتّى من الاستعداد و الانحناء، فانحدرت القاذورات على صداره و سرواله: “فرتونة” أضحى كَدِيك في يوم ماطرٍ. و رغم منظره المقرف ولومي إيّاه في السّرّ فلم أكن شامتا، فقد أشفقت عليه من نفسه.
السٍّاعة جاوزت منتصف اللّيل، و النّاس مايزالون في الشّوارع المحيطة و الأنهج و الأماكن المنزوية، بين رائح و غادٍ هروبا من الجوّ الخانق داخل البيوت. حرارة الصّيف تبلغ المدى في هذه الفترات. و قد زادت ارتفاعا بهذه الحركيّة التي غزتِ المقاهيَ و الحاناتِ و الشّواطئ القريبة و حتّى أسطح المنازل و بعض العمارات: مكبّرات للصّوت هنا و هناك تنفث ضجيجًا يكاد يمزّق الآذان، خليط رهيب بين عشرات الأغاني الشّعبيّة، يزعمون أنّها تسليةٌ لنفوس منهكة نهشتها المشاغل نهارا، و تسجيةٌ لوقت ثقيل ثقل الرّصاص المذاب ليلا.
كنّا، نحن الأصدقاء، قد انتحينا جانبا في أحد الأنهج الضيّقة، نمنّي النّفس بقضاء سهرة أخرى من سهرات هذا الصّيف. حضر أفراد المجموعة إلا “فرتونة”. و بغيابه افتقدنا جانبا كبيرا من المرح. كان خفيف الظّلّ طريفًا رغم مجونه و لهوه، و كنّا ننتظره بين الفينة و الأخرى حتّى يزيح عنّا هذا الثّقل الخانق. ولكنّه هذه المرّة تأخّر… تأخّر كثيرا..
لمّا وصل إلينا كان كموجة عاتية انكسرت على شاطئ صخريّ، فأضحت رذاذًا. غير أنّ لسانه مازال يلوك الحروف محاولا تنغيم صوته على إيقاع أغنيته المفضّلة.
انتظرنا بعض الوقت علّه يعود إلى رشده قليلا، فنواصل السّهر و المرح إلى ساعات متأخرة كدأبنا في هذه اللّيالي. كم أكره اللّيل لمّا يبسط ثقلَه بحرارته الخانقة و حشراته اللّاذعة!
أراد أمجد أن يشاكسه من جديد. قال له بأنه جاهل، آت من عمق الأحياء المنسيّة، لا يعرف كيف يشرب و لا مع من يشرب…
حينها زادت عينا “فرتونة” احمرارا و بروزا، حتّى خلناهما ستغادران محجريْهما دون رجعة. قال بلهجة ركيكة، و رذاذ يتطاير من شدقيه المتدلّيَيْن:
– أنا؟! … أنا… هههه… أنت.. هه… هه… هاي…
أشفقت عليه. لم أتركه يواصل حديثه. نهرت أصدقائي، و حذّرتهم من مغبّة التّمادي… سللته جانبا… أسندت رأسه إلى سترة أحدهم، و تركناه يرتاح قليلا.
في الأثناء كانت الأصوات تتشابك و تتعالى. لم نعد نتبيّن ما تقول و بمَ تصدح. غيرأنّه وسط هذه الفوضى العارمة استطعت أن أميّز نشرة أخبار كان يقدّمها مذياعٌ في أحد الأكشاك القريبة في زاوية المنعرج. أرهفت السمع أستطلع آخر الأخبار، لا سيما و نحن على أبواب انتخابات حاسمة، علّ المسؤولين الجدد ينتشلوننا من هذه الفوضى العارمة.
صحا “فرتونة” قليلا، و استطاعت شفتاه أن تبيّنا بعض الكلمات. بيدأنّه مازال في قمّة السعادة و الانتشاء. انتصب واقفا. طلب حزام صديقي. وضعه في خصره، و انبرى يرقص و يغنّي، و كان قد استطاع أن يتماسك فلا يسقط. راحت حنجرته تدغدغ أسماعنا و هي تستعيد أغنيته المفضلة. و زاد من خفّة روحه و طرافته يداه اللّتان تتبعان حركات ساقيه في خفّة نادرة، فيما طفق خصره يتمايل في رشاقة راقصة ابتُليت بمهارة في الرّقص. الواقع أنّني لم أستطع أن أنكر عليه مهارته هذه. انخرطنا نضحك و نصفّق و نصوّت منبهرين، و نشاكسه بين الفينة و الفينة. عاد إلينا المرح، و زال عنّا حظّ وفير ممّا كنّا نستشعره من غمّ و ملل.
انتهت الجولة الأولى، فاقتعدنا الطوار نأخذ نفسا من الرّاحة إلّا “فرتونة”، فقد استمرّ في وصلة الغناء و الرّقص: رقصة مثيرة، كتلك التي طالعتها في إحدى الرّوايات و التي انتهت بموت صاحبها: رقصة النّار. في الأثناء كانت نشرة الأخبار التي بدأت منذ قليل توشك أن تنتهي.
” بلغنا الآن أنّ السّلطات الأمنيّة، و بفضل يقظتها و حنكتها، استطاعت أن تصل إلى الغجريّة “ديمتريا”… لا نعلم إلى حدّ عدد من نقلت إليهم “الفيروس”… و هي الآن رهن الإيقاف في إحدى المؤسّسات الصّحّية للتّحقيق، فالرّجاء…”.
لم نستطع إتمام بقية الخبر. “فرتونة” زاد من وتيرة رقصه و حدّة صوته. و راح يستنهضنا الواحد تلو الآخر، فلم نجد بُدّا من الانصياع. كان يرقص و يغنّي، و يدور حول نفسه حتّى يفقد التّوازن، فتتقبّله الأرض، و لا أخالها إلّا مكرهة، بين أحضانها ردحا ريثما يستعيد توازنه، فتلفظه من جديد…
في فصل الصّيف يكثر ارتياد السّيّاح لشواطئنا، و يكثر ارتياد الشّبّان أيضا لها لمآرب شتّى. فمنهم من يبحث عن التّرفيه، و منهم من يرنو إلى ربح سريع. فالسّائح ينفق بسخاء. فيُوفّق البعض ممّن له المهارة و الخبث في إيجاد عمل يدرّ عليه الأرباح الكثيرة. و منهم من يحاول اصطياد إحدى السّائحات و لو كانت عجوزا ليقترن بها، فيصاحبها إلى الغربة، حيث النّعيم و الفردوس، و يكون الزّواج. ثمّ تبدأ سلسلة البحث عن وثائق هجرة رسميّة…
“فرتونة” واحد من الذين وُفِّقوا في إيجاد عمل. فبِجَمل عربيّ استطاع أن يأخذ الكثير من السّيّاح في جولات شاطئيّة خفيفة، و أن يجني أرباحا لا بأس بها. و ما لبث أن استطاع مضاعفة جِمَاله. و سرعان ما بانت عليه علامات الثّراء… غيرأنّه سريعًا ما أصبح من روّاد الحانات و المقاهي الفاخرة. و صار ما تقبضة يمناه نهارا تسلبه يسراه ليلا بسهراته حتّى ساعات متأخّرة.
لم يتنكّر لنا “فرتونة”، ولكن أصبح يغيب عنّا أحيانا، أو يتأخّر قدومه. ثمّ أضاف إلى سكره مُجُونَه و لهوه مع الأجنبيّات، ولاسيّما مع من تأخّرت بهنّ السنّ. كان يصطاد الواحدة تلو الأخرى، و كان يتباهى بذلك، فيروي لنا مغامراته معهنّ. و كنّا نلومه أشدّ اللّوم. غيرأنّه لم يسمع منّا، و تمادى في غيّه. تركناه و شأنه. لم نشأ أن نخسره و نخسر ما يثيره فينا من مرح. فقد حافظ على خفّة روحه حتّى في أكثر اللّحظات سكرا.
ظُهرًا، و أنا أمرّ من أمام المشفى، صادفته في أوبتي إلى البيت: كتلة جامدة من الإسمنت أو الحجر. ناديته، فلم يردّ عليّ. و أعدْتُ النّداء مرارا. لم يلتفت… ظلّ يسير ثقيل الخطى… لا أدري إلى أين…
تذكّرت، في ما تذكّرت، أسماء من خالطهنّ من الشقراوات اللّاتي كان يتباهى باصطيادهنّ… قفز إلى ذهني مباشرة الغجريّة “ديمتريا”… تذكّرت تفاصيل مغامراته الماجنة معها، و كيف جاءنا ذات مساء كالفاتح فتحا مبينًا، و هو في قمّة سكره، يروي لنا تفاصيل إرواء شبقه مع هذه الشّقراء الفاتنة، و هو الذي لم يعتد إلّا على المتقدّمات في السّنّ…
أصبت بغثيان و ما يشبه الدّوار… كدت أسقط… تماسكت قليلا… ثمّ واصلت سيري و أنا لا أدري إلى أين….

السابق
كورونا
التالي
أَقفال

اترك تعليقاً