القصة القصيرة

رِيتمُو رُوَيْدَكِ ..أيَّتُهَا الخَدُومُ

يللعجب تنال ريتمو كل هذا الاهتمام وقد شاخت وبلغت من العُمرالثلاثين رَبيعاً، تضيقُ الكلمات بالمعاني وتفقدُالحروف بريقها وعلى الصخر تتكسرُ الآهات، من عَادتنا الصبرُ والاحتسابُ….
1- عندما يتفجّرُ فينا السُّكوت ويَسْكبُ الوَجْدُ شيئًا من فيُوضهِ، نرْحَلُ بشوقٍ إلى حيثُ المُبتغى يُرافقُنا الأملُ، وفي الرّحلات ترويحٌ وإكتشافٌ للذات وإشباعٌ لنبْضنا الحالم المفجُوع، يترجّلُ الحظّ كشهقة عبور والمسافات إمتدادُ البصر{ريتمو} أيّتُها الباذخة العطاء المُسخّر الخدُوم رويْدك، كم جُلت وصُلت وطويت المسافات، ومارفضت لي طلبًا مُذ أن أمتيطتُ صهوتك، فلماذا هذا المساء بالذات ونَهاراتُ الشتاء قصيرةٌ،الصُّبح تحركتِ في كبريّاء تُنافسينَ أحْدث الماركات، طفت المدينة وما أصابك وهنٌ، ولما قفلتُ عائدًا كبوت، آه..لكل فارس كبوة، إني أسمعُ شقشقة فأزيزًا فهسيسًا، العجلات تئزُّ لتتوقف، شظايا كاللجين تبرق، تَتنَاثرُ إلى الأسْفل، تتدَحْرجُ حبّاتُ العقد، تتخذُ سبيلها في المُنحدر سرباً، شلت الحركة وقعدْتِ عن الحرَاك والمسير، دبَّ الوهن إلى مَفاصلها يخيبتاه، إنسلخ المِفصل، ترنَّحْت كطائر هِيض منه الجناح،وأنحنت جاثمة كفرس البحر المعطوب، الوقت يمضي نحوالغُروب، أنا لاأبْصرُ شيئًاغير غيَّاب الشمس، وجاء من يسألني، ويِؤلمني حديث الغروب، {الجلفة} المدينة بدأت تدخلُ في سُكون، وهي تنامُ بين جبلين يتمدد بينهما الوادي فاردًا طوله، الأضواء مُتوهجة في المكان وقد تشابكت الجسور. 2- لعلها لعبة الحظ أوشيئ من هذا القبيل أن تترك سيارتك عند حارس لايعرفك ولا تعرفه إلاكطيف، جئتُ الصُبح أمشي الهوينى فأندهشتُ، وجدتُ مايُشبه العرس، هي ذي أنت تزففين إلى مجهول، اللحظات المُرتعشة تهمس في نسائم الصبح والريّاح عابثةٌ في فؤادي، إنتشيتُ أن وجدتك سالمة،الشوقُ يَعصفُ في قلبي، الكلمات مُنسلة من الرُّوح، حشدٌ من الأمن يُطوقك!ماذا يحدث؟ إعتصرتني رجفة وتساءلت مضطربا: أمخطوفةٌ أنت؟ أم مُتهمة؟ أم أنك تُخفين شيئًا في جوفك يستدعي الشك؟ حامت من حولك الظنون وصارالأمر مَثارًا للجدل، الأضواء المُتشابكة تطوِّقك، همُّوا برفعِك..سحبوك، قلبي يَنتفضُ، تتبعثر الكلمات، تتسارع الأنفاس،أبحث عن قنديل الحكاية، أسألهم وأكبرفيهم هذا الاهتمام، يقول الضابط وبصوت يحملُ الدَّهشة: السيّارة لك،أجل.. لماذا تركتها هنا؟ قلت:وما المانعُ أن أتركها في مكان تحفُه الاضاءة وتحْرسُه العُيون؟ السيارة مُعطلة يارجل، أين الحارس؟ يكون قدإنسحب لما رآكم ظنًا منه أنَّها مسروقة كما أعتقدتم أنتم وبلغتم بذلك، أين أوراق السيارة؟ يتراجع الى الخلف يتفحصها ولوحة الترقيم، يهزُّ رأسه وقد تهدَّلت شفتاْه وتهدَّج صوتُه: لابدّ من حَملها إلى حضيرة البلديّة قلت: وما الغرابة في ذلك وقد سجن الزُّعماء والأبرياء؟يكفي أن تجعلوا منها مُغامرة بوليسية لافتة ويُسجل إسمها في المحاضر، إتركوني أتفرجُ على هذه المُطارة العجائبية والغزوة المُمسرحة، قال تفرج واكتب، قلت: دعوني أسأل: ما ذنب الذي تعطلت سيّارته؟ قال: ذنبُه أنّه لم يُبلغ، قلت وهل التوقف الاضطراري يُشكل خطرًا ويستدْعي تبليغًا؟ أليست هي في مكان آمِن مُضاء؟ قال: خِلناها مسروقةٌ قلت: وهل السيَّارات المُتوقفة على جنبات الطريق كلها مسروقة،أنظروا من حولكم وعلى بعد أذرُعٍ من هُنا ألاترون سيّاراتٍ مُتوقفة؟ ألكونها سيّارة مُتواضعة لاتلمع؟ أم لأنها غريبة لاتشبهُ إلانفسها؟ أنتم تُحَمِّلُوني وزرًا لم أقترفه؟ قال: جادلتنا فأكثرت الجدال، قلت:إهتممتم فأمعنتم في الاهتمام، ولاسراب يرشدُ إلى حقيقة، خُذوها فغلوها، بكوابيل الحديد قيِّدوها، ثم في سلسلة ذرُعها سبعُون ذِراعًا أسْلكوها، هي ذي تصعدُ مُتتسلقة، أنا أبارك زحفها إلى العُلا،إنها تزحف كيما الهواة المتسلقون أعالي الجبال، آن لها أن تُحمل على الأكتاف ويحتفى بها، ساورتني بعضُ الأفكار وتوالدت الخواطروأحتشدت الذكريات، سيارتي لاتبْحثُ عن النجوميّة، لكن جعلوا منها نجمًا، لعلها تُريدُ منافسة السيارات الأسياويّة التي غزت الطرقات وحصدت الكثير من الأرواح، هي تـُسمعُ صوتها النديِّ للرئيس الايطالي وهو يزور الجزائر،لاشك أنَّ مشاعرَها الفُلاذية إهتزت حنينًا لرئيس بلدها، وما إهتزت ضمائرنا. 3- لناإخوة يموتون في العراء وتحت الجُسور وفي الغُربة، وآخرون غيَّبهم الموت لانذكرهم، وأطفالُ غزَّة تحت الأنغاض وقودًا لحُروب قذرة، غير بعيدٍ من هنا يرقدُ المشردُون وعابرُواالسبيل ومن لامأوى لهم، تُجار المُخدّرات يجُوبون الشوارع في حريّةلاذَّة ، بسيَّارات ضخمة وبُطون مُنتفخة وما أكثر ضحاياهم! أيتام في الأكواخ، فقراء مُثخَنين بالفقر، أموالٌ تُنهبُ و تُبيَّضُ ورشاوي وفسادٌ في الأرض كثيرٌ، فلماذا لاننتبه لهذا وتكون لنا مشاعر إنسانيَّة نرقى بها إلى مَعارجَ الفَلاح؟يللعجب تنال ريتمو كل هذا الاهتمام وقد شاخت وبلغت من العُمرالثلاثين رَبيعاً، تضيقُ الكلمات بالمعاني وتفقدُالحروف بريقها وعلى الصخر تتكسرُ الآهات، من عَادتنا الصبرُ والاحتسابُ، السِّماةُ البشريّة لامعنى لها إذا إنفصلت عن إنسانيتها وصار الانسان مُجرّد رقم، ركبْت سيَارة الشرطة، وبجانبي ألقى هذا العونُ بجسمه المُترهل، ينظرإليّ بنصف عين تناكفها غشاوة، فأنظر إليه بشفقة وبعينين مفتوحتين، ألج مَخفر الشرطة في حالة من الوله والانتظار، يستقبلني ضابط على وشك التقاعد فقدَ جميع أسنانه، لعله يحتفظ بطقْم الأسنان الكامل في دُرج المكتب، يَلتهم الكلمات ويَمْضغُها وتنْفلتُ منه أخرى، لكنه طيِّب خلوقٌ وعَملي، عيناه تَشعَّان بهْجة، يخرج فأخرج معه ، يدخل فأدخل معه، يجلس فأجلس إلى جانبه..فجأة زال التوتربيننا وتغيّر الخطابُ ورُسمت على الوجُوه ملامح الرضا، إلتمسوا الأعذار والتبريرات لغزوتهم، فالصيدُ كان وهمًا وكان سرابًا..
4- أعادوا لي أوراقي وأرشدُوني إلى مِكَانِيكي لأصلاح العَطب..أرخوْا حِبالهم وأنزلوا السيارة بلطف فاستقبلتها إستقبال العائد المخطوف إلى حضن أمّه، سألتها أغاضبة أنت أيَّتها الرِّيتمو؟ أم أنك خلعت نعليك خجلالتدخلي التاريخ وتستريحي من وعثاء السفر، ماوطِئَتْ عجلاتُك مخفر الشرطة أبدًا ولا سجَّلوا عنك مُخالفة فلماذا أنت غاضبة؟ إنتفضت بعصبيّة وقالت: لتكتشف قلت: أكتشفت قالت:مالي أراهم ينتفضون يندفعون يجعلون من الحبة قبّة ومن غزواتهم حَديثا؟ قلت: من طبعنا الاندفاع والتسرُّع والأحكام الجزافية ونفض أجنحة التباهي والاستعراضيّة وإستعمال السلطة، سلوكيات تُكبل المواطن وتُربكه فيحْجم على التعاون مع إدارته ويتخذُ من أمنه أعداء قالت: رفسوني ثم فتشوني ومزقوا بعض أحشائي وما فُتشت من قبل وما أهنت قلت: أبتلينا بمن يَستفزُّالحَجر والشَّجر والفولاذ، سلمت مفاصلك أيُّها الخدومُ..قٌالت آمين.

السابق
كانت حيلة
التالي
الزريبة

اترك تعليقاً