القصة القصيرة

زغلول .. و عصر المحمول

كانت كل الخلائق فى قريتى بوجه خاص و قرى مصر المحروسة عامة و المتمركزة حول ضفاف النهر السارى بين الصحارى القاحلة فى الشرق و الغرب تضرب كفًا بكف من الجنوب للشمال ..
تتعجب من فعل زغلول ..
كان سطح دار زغلول (معرّش) بعروق من خشب الشجر الضارب فيه السوس من قبل مولده .
كان زغلول فى حينها عائدًا (بشوكه) من إحدى دول النفط بعد غيبة تقترب من خمس سنوات متصلة .
فى اليوم الذى عاد فيه للقرية ، و علم من فيها بعودته غانمًا سالمًا معافَى فى بدنه و ماله فرحوا من قلوبهم لعودته .
بعد قليل من وصوله صعد زغلول إلى سطح داره يبحث عن موضع يضع فيه {طبق الدش} الذى كان ضمن ما عاد به من كراتين كثيرة مغلقة من بلاد الغربة .

النساء العجائز يضحكن فى سرهن و يضعن أيديهن فوق أفواههن مخافة أن ينفضح أمرهن بين العامة من نساء القرية و أهلها بعد ما وصل إليهم الخبر .
ــ } بيقولوا زغلول ح يركب (دش) فوق سطوح داره .. يعنى حاله ح يبان على الجميع .. يا خبر .. يا خبر { .
الأولاد الصغار الذين لم يخروجوا بعد من البيضة يتغامزون على زغلول ، حتى الصبايا فى تجمعاتهن بكل حارة يتسألون عن (الدش) …
هل هذا (الدش) مثل الدش الموجود في الجامع الكبير بالقرية ؟
يضحك زغلول من غمز و لمز الأولاد الصغار عليه ، و ثرثرة العجائز فيما بينهن خلف الأبواب المغلقة ، و أسئلة الصبايا و هن يملأن جرارهن من حنفية ولاد عبد العال عند شاطئ الترعة بجوار الكوبرى ، و هو يقف على الجدار البحرى لداره ليثبت الحامل الحديدى الذى يحمل الطبق الكبير (للهوائى) بالأسمنت و الزلط ، و يضبط زاوية العدسة لتلتقط موجة إشارة الأقمار الصناعية المنتشرة فى الفضاء المتسع بكل الاتجاهات .
بسطويسى بن زغلول ينادي بصوت عالى من وسط الدار على أبيه بصيحات متتابعة و كأن عقرب خرج من جحره و لدغه لدغة الموت ..
ــ } يابا .. يابا .. جودة الإشارة ظهرت على الشاشة ..
مفضلش غير تنزيل القنوات و رسترت الريسيفر … { .

يتعجب الرجال و النساء و كل الجيران مما يسمعونه من ابن زغلول و الأسماء التى ينطق بها ، و هو لم يبرح ديار القرية قط ، حتى لم يذهب بعيدًا عن المركز خطوة واحدة ، و هم يتسألون فيما بينهم :
ــ من أين جاء ابن زغلول بهذه المسميات و الألفاظ التى ينطق بها ؟
بينما كان زغلول يتيه فخرًا و هو يستند إلى جدار داره برجل واحدة مخافة أن يستند بالرجل الثانية على عرق من العروق الناخر فيها السوس و التى تحمل سقف داره فتنهدم عليه .
يكفيه زهوًا أن تلفازه الوحيد على مستوى القرية و القرى المجاورة سوف يعرض أكثر من ثلثمائة قناة تليفزيونية ، و أنه سيدخل نادى الكبار ، و يحسب من علية القوم ، و يدرج اسمه بين الوجهاء فى الجهة بأسرها ، و سوف يذكر التاريخ أنه أول من ركب فوق سطح داره طبق (دش) كما كان يذكر لأبيه من قبل أنه أول من أدخل التليفزيون (الأبيض و أسود) للقرية عندما باع قراطين من إرثه عن أبيه و اشترى تلفاز و جلس أمامه حتى مماته ، و كانت كل الخلائق وقتها تضرب كفًا بكف أيضًا .
اليوم أصبح زغلول فى بؤرة الأحداث بين العامة و الأعيان من جديد .

لم يَعُد زغلول كعادتة القديمة قبل سفره لبلاد النفط و ما درج عليه منذ نعومة أظافرة حتى بعدما تزوج فى سن الثامنة عشرة من عمره ، و كان أبوه لم يزل على قيد الحياة ..
كان زغلول يخرج وقتها قبل شروق الشمس ساحبا من خلفه (المواشى) قاصدًا الحقل ترافقه زوجته و أولاده فيما بعد ، و كل تفـكيره يستطيع أى فرد من القرية أن يقرأه من لمحة واحدة من عينيه .
الإصرار ثم الإصرار ، و الدأب من قبل شروق الشمس لما بعد المغيب ، و هم يقلبون بطن الأرض و يستخرجون منها أقواتهم ، و قوت أبيه قبل أن يتوفاه الله .
تمكن زغلول خلال عشر سنوات فى دأبه و اجتهاده من مضاعفة الأرض التى ورثها عن أبيه قبل أن يحط شبح شوقى بيومى على القرية و الذى أجج نيران السفر فى عقول الشباب المتسكع فى الطرقات ، و الجالس عند سور كوبرى القرية ليل نهار و هم يشكون قلة الحيلة و فرص العمل المضمحلة و النادرة فى محيط القرية و حتى القطاع الخاص بعدما سحبت الحكومة يدها من كل المواضيع و توقفت تمامًا .
بينما كانت يومية العامل فى حقول القرية قد وصلت لأرقام فلكية هناك ، و لكن هذه الأعمال لا تتوافق مع ميولهم ، و لا تروق لهم لما فيها من إجهاد و تعب و عرق و كسر ظهر ، كما أنها غير دائمة ، و هم يريدون الجلوس خلف المكاتب و الإمساك بالقلم و الدفاتر ، أو على الأقل الوقوف أمام الماكينات المتطورة بأحدث تكنولوجيا .

المهم عندهم (التمَرُّغ) فى تراب الميرى من قبيل الأمان الذى ترسخ فى عقول البشر لأكثر من نصف قرن من الزمان …
انتشرت نيران شوقى فى هشيم القرية المحمص ، و اندلعت فى عقول الشباب و جيوب الآباء ، و قام المدعو شوقى بيومى بالفعل بتسفير بعض شباب القرية للخارج على اتساع بلدانه .
لم يمضِ على سفرهم شهور معدودة ، و كانت الحوالات المالية تصل إلى ذويهم بمبالغ تبهر القاصىَ و الدانى .
سال لعاب زغلول من كثرة سيل الحوالات المتدفقة على أهل القرية .
استقبل فى داره المدعو شوقى بيومى ، و دس فى جيبه مبلغًا من المال الذى كان ادخره ليعيد بناء داره بالطوب الأحمر و الخرسانة .
لم يتأخر عليه شوقى طويلًا ، و بالفعل تمكن من استخراج جواز سفر له و حصل على تأشيرة لسفره للعمل بإحدى بلاد النفط الخليجية .
عندما كان الجواز بين يدي زغلول طمأنته زوجته و ابنه الذى اقترب من طوله على موالاة الأرض الناضح فيها عرقه عمرًا .
رحل زغلول و هو يحمل بين جوانحه عزيمته و إصراره الذى كان عليهما طوال السنين المنصرمة و هو يحدث نفسه :
إذا كان الشباب الضعيف الهزيل المتشرد الصايع فى طرقات القرية و على سور الكوبرى أرسلوا كل هذه الحوالات المالية لأهاليهم ..
فما بالك إن كان المسافر زغلول ؟
و ما أدراك بزغلول ؟؟

لم يخطر على باله أنه لا يقرأ و لا يكتب ، و كل مؤهلاته تتوقف عند العزيمة و بعض العضلات المفتولة ، و الوفرة فى الطول و العرض ، فهو ليس فى حاجة للقراءة و لا الكتابة أمام براعته فى التركيب المحصولى ..
سافر زغلول و هو يعتقد أن الأرض الراحل إليها ستفتح له ذراعيها و ترحب به ، و أنه سيصرعها من أول ضربة فأس مثلما كان يفعل فى قراريط أبيه التى كانت لا تتعدى أعداد أصابع اليد الواحدة .
بعد وصوله لأرض المطار و خروجه من بوابة الوصول تكشف أمامه كثير من الأوهام التى ساقها له المدعو شوقى بيومى فى كلامه معه .
كان عليه مواجهة إعصار أيامه المقبلة أو العودة خالى الوفاض من فوره .
كيف و هو لا يعرف حتى قراءة أسماء الشوارع التى يخترقها بالطول و العرض في العاصمة باحثًا عن الشركة التى قال المدعو شوقى بيومى أنها ستكون فى شرف استقباله بالمطار و ترحب به .

ظل زغلول قرابة الأسبوع واقفًا أمام صالة المطار يسأل طوب الأرض عن الشركة التى ذكرها المدعو شوقى بيومى قبل أن يجوب شوارع العاصمة بالطول و العرض .
و لكونه فلاحًا لايحب حياة المدن المكتظة بالبشر و سياراتها و عماراتها التى تسد عين الشمس خرج زغلول خارج العاصمة فى اتجاه الريف الذى يعرف عنه كل كبيرة و صغيرة مهما كان هناك من اختلاف .
تحمل زغلول الكثير و الكثير بحثًا عن قوت يومه ، و قبل أن تنتهى مدة التأشيرة التى كانت محددة بثلاثة شهور على جواز سفره الذى سحبه منه صاحب المزرعة التى حط رحاله بجوارها و عمل فيها مقابل لقمة يومه بأسبوع ، احتواه صاحبها و جدد له الإقامة لخمس سنوات بشرط ألا يغادر فيها المزرعة لساعة واحدة .
و ها هو زغلول يعود بالأمس القريب إلى قريته محملًا بكراتين عديدة عرفنا منها واحدة (الدش) ، و يتخلى عن عاداته القديمة التى بذر بذرتها فى نفوس أهل القرية ، بعد أن كان مثلا يحتـذى بالأمس القريب .

بعد أيام معدودة من تركيب طبق (الدش) فوق سطح دار زغلول تأخر موعد خروج (المواشى) من حظائرها عن الموعد المعتادة عليه لسنوات طويلة .
فقد كانت سعاد و ابنها بسطويسى على عهدهما الذى قطعاه على نفسيهما قبل سفر زغلول لبلد النفط الخليجى حتى يوم موعده .
قبل شروق الشمس و حتى المغيب يسرحان إلى الحقل ، يقلبان باطن الأرض لتجود عليهما بأقواتهما وأقوات أخته و أخيه و أكل المواشى ، حتى عندما انقطعت أخبار زغلول عنهما لم يتوانيا فى عملهما طرفة عين رغم حالة الارتفاع الجنونى للأسعار التى أصابت المجتمع المصرى كله بالعسرة ، و ضيق الحال الذى شمل الشعب بجميع طوائفه عدا النخبة التى تدور فى ركاب السادة الحكام فى أبراجها العالية ، و كل من كان يشغل منصبًا ذا حيثية هامة .
كانت سعاد زوجة زغلول و بسطويسى يختبآن وسط الطبقة الوسطى للمجتمع المصرى المنقرضة بعرقهم و كدهم المبذول على مدار اليوم و الليلة .

صوت الخناقات علت وتيرته فى الدار .
الزوجة تشكو هجران زوجها لفراش الزوجية ، و الأبناء من بعد بسطويسى أهملوا دروسهم ..
و كان وسط الدار لا يخلو ساعة واحدة من الضيوف و المقاطيع الذين يشاهدون و يتابعون كل ما يبث طوال الأربعة و عشرين ساعة دون انقطاع .

الحديث الدائر كل ليله حول (الدش) و قنواته الإباحية التى أفسدت بنات القرية قبل شبابها ، و أدخلت الفتنة إلى كل دار فى القرية .
حتى وصل الأمر أن مسعود ابن عظيمة بائعة الخص ذات صباح وجدوه طابق فى خناق أمه الأرملة من تحت راس (الدش) يريدها أن تشترى له تليفزيون ملون ، و تدخل له وصلة من (دش) عم زغلول .
الولد لم يبلغ من العمر عشرين عامًا خرج من المدرسة و لم يفلح فى الدراسة ، و استحب الجلوس فوق سور الكوبرى الذى يتوسط ديار القرية ليكون على علم و دراية بما يحدث حتى خلف الأبواب المغلقة داخل القيعان في كل الديار .
تجمعت الأهالى على صوت الخناقة و الخلاف الناشىء بينهما كعادة كل المصريين فى أى بقعة على ترابها من أسوان إلى عشش راس البر .
تقدم من مسعود بن عظيمة رجل ملتح لحيته على صدره طولها متر يعتبر هذا الرجل إماما للجامع الكبير بالقرية لكثرة صعوده على المنبر ليخطب فى المصلين و يفتى بما شاء دونما سند علمى .
قال له :
ــ عيب يا ابنى هذه امك …
الأرملة التى تخرج من صباحية ربنا لحد المغرب سعيًا على رزقها و رزقك .
يكفيك أنك تركت المدرسة و لم تفلح فى شىء البتة ، و اتخذت من سور الكوبرى مجلسًا لك ..
كان كل كلام مسعود منصبًّا على شىء واحد :
ــ } يعنى اللى أخدوا أعلى الشهادات عملوا بيها إيه .. كلهم متلطعين عند سور الكوبرى ، و شوقى بيومى فص ملح و داب بعد ماعملهم و كلكعهم على قلبه أد كده و قال يا فكيك ..
عاوزنى أعمل إيه بعد كده ؟
سفر لبلاد بره و الحمد لله بح ..
الدولة منعته ، بعد الإهانة اللى حصلت مع المصرين فى كل بلاد الدنيا ، و النعوش اللى بنشوفها و نسمع عنها كل يوم .
أروح أموت نفسى أحسن ؟
و لا أفضل قاعد نايم فى دار عم زغلول ؟
قولى أعمل إيه ياسيدنا الشيخ ؟ { .
العقلاء من الذين تجمعوا على صوت الخناقة انسحبوا من الموقف بهدوء ، و لم يعقبوا بكلمة واحدة ، و المثرثرون من الناس ذهبوا يكررون أقوالهم الخاوية مرات و مرات دون الوصول إلى كلمة واحدة مفيدة تقطع دبر المشكلة .
فى حين كانت كل أعين أهل القرية المتلصصة على عورات الجميع تنتظر فتح زغلول لباقى الكراتين التى كانت فى حمله عند عودته لتعرف المخبأ فيها …

بعدما فتر موضوع (الدش) فى دار زغلول ، و اتفاقه مع أهل داره على تأجير الاثنى عشر قيراطًا كل ملكه لعبد الفتاح سلامة جاره لزراعتها بالنصف ، و بعدما قام ولده بسطويسى بمد شبكة من الوصلات السلكية للقادرين من أهل القرية للاشتراك فى (الدش) بمقابل مادى قدره ثلاثون جنيهًا شهريًا ، و بث القنوات المشفرة لهم حتى كان الدخل الشهرى العائد على دار زغلول يعادل حصيلة ثلاثة فدادين زراعية .
فتح زغلول الكرتونة الثانية و كانت الضحكات هذه المرة أعلى من سابقتها ، و العجب الذى اكتنف الناس بالقرية أشد وطأة ، و أعمق تأثيرًا .
أخرج زغلول من جرابه السحري ثلاثة أجهزة صغيرة .
الواحد منها أصغر من كف اليد .
أعطى ولده بسطويسى جهازًا بعدما دس بداخله شريحة صفراء ، و راح يرن عليه .
الجهاز فى يد بسطويسى يهتز و يصدر صوت رنين يماثل رنين تليفون العمدة .
النساء العجائز يضحكن فى سرهن و يضعن أيديهن فوق أفواههن مخافة أن ينفضح أمرهن بين العامة من نساء القرية و أهلها بعد ما وصل إليهم من خبر بسطويسى بن زغلول .
} بيقولوا بسطويسى شايل (موبايل) بيرن زى رنة تليفون العمدة .. كانوا فى جره و خرجوا لبره { .
حتى الأولاد الصغار الذين لم يخروجوا بعد من البيضة يتغامزون على بسطويسى و (موبايله) العجيب و رناته الأعجب .
حتى الصبايا فى تجمعاتهم بكل حارة تتساءلن عن (الموبايل) و كيفية استخدامه …

عند عودة فتحى السعدنى من البلد الأوروبى الذى سافر إليه ، و هو كان أول الشباب الذى قام بتسفيره المدعو شوقى بيومى من ديار القرية ليتابع بنفسه الإشراف على بناء (الفيلا) الخاصة فى قطعة الأرض التى اشتراها و هو فى بلاد الغربة ، و استخرج له والده كل التصاريح اللازمة للتبوير و البناء ، و بالقطع الأحكام بالبراءة أيضًا .
أحس زغلول و ولده بسطويسى بأنهما مقصُوصَيْ الريش أمام فتحى السعدنى القادم من بلاد التقدم صاحبة اختراع المحمول و الدش ، و أنه لن تقوم لهما قائمة من بعد اليوم ..
اندلعت من جديد المعارك داخل دار زغلول ، و علا صوت الخناقات بين زغلول و ولده و زوجته من تحت رأس وصلات (الدش ، و المحمول) ..
لم يخطر ببالهم أن قطار التقدم آت لا محالة ، و أن الركوب فيه لابد منه .

السابق
فنان تشكيلي..
التالي
وعـــود

اترك تعليقاً