القصة القصيرة

زمن الاحتيال

كان يرتدي طربوشا بألوان أحرقتها الشمس، وقميصا باليا مثل الذي في عصر فقراء السلاطين، منتعلا نعلا من جلد شديد الجراح، رأسه كقارب يشق الموج في شموخ، أحدث في أزقة بلادي العتيقة بلبلة بزيه الغريب، معذرة نسيت حماره الأشهب الذي يمشي يتبختر كأنه يعرف عن نفسه بأنه ذو شهرة في كتب التاريخ، إنه هو بشحمه ولحمه، نعم إنه جحا، يحل بديارنا ليزرع فينا الروح، بعدما غادرتنا من زمن بعيد.
ضرب على الطبل، ليجتمع الناس من كل حدب وصوب، يسرعون زرافات و أرسالا، ليحضروا المشهد الذي يتوقون إليه منذ كانوا أطفالا وفي أحلامهم، وقف صاحبنا يجول في خيلاء، كان فيمن كان قبلكم على أيامنا في سالف العهد والأوان، رجل بدين لا يتوقف على ممارسة المضغ هواية واحترافا، حتى فقد القدرة على الحركة من شدة سمنته، وانقلبت حياته جحيما لا يطاق، وصفوا له حميات كثيرة لكنها لم تفد في شيء، ولم يجدوا بدا من الاستنجاد بي، كما تعلمون، أنا جحا صاحب الحكمة والدهاء، صاحب الحيلة والذكاء، ضربت له موعدا وقدمت له وصفة بالبريد المستعجل قبل قدومي عليه، أن أيها البدين هذا أنا قادم ومعي دواء دائك، فاجعل هذه التميمة تحت وسادتك ونم نومة شريطة أن لا تحلم بأطباق اللحم المحمر ذي الرائحة الزكية، ولا تحدث نفسك بشيء من ذلك حتى آتيك بخبر يقين.
أطلت مدة ذهابي إليه، يوم ويومان، أسبوع وشهران، ثم حزمت متاعي وقصدت منزله الفاخر، فتح الغلام الباب، قلت جحا، هرع وتركني بصحن البيت مشدوها لتصرفه، سيدي… سيدي… إنه جحا، خرج السيد مشتاطا من شدة الغضب، من تظن نفسك حتى تجعلني أنتظر كل هذه المدة، وقد واظبت على تمائمك حتى ملت منها وسادتي، ساءني سبابه لكنني سألته، أين الشحم و فائض اللحم و أين السمنة والبدانة، فنظر إلى نفسه ليطير من الفرح، حقا أين كل ذلك لم أنتبه لشيء لشدة غيضي و انتظاري، قلت ذاك دوائي مزيج من خلطة الحكمة والحيلة، إنه الانتظار يذيب الحجارة بالريح من شدة العناق.
كأن على رؤوسهم الطير، كل الحضور كان ينتظر دواء البدانة، كلهم في زمن البدانة، لكن من أين لهم بتميمة جحا، فهم لا يؤمنون بغير الشفط وريجيم الحريرات المتوازنة، عجيب أمر هؤلاء، فقراء يشكون السمنة، متى كان الفقر يرتدي ثلاثة أو أربعة إكس لارج، يضحكني أمر بلادي، كل الأغنياء في بلادي خريجي مدارس العوز والاحتياج، متمرسون في سرعة الفحش بالاستحواذ على خيرات أمي.
بقيت أنا وجحا نكلم بعضنا عن رحلته، وكيف كتب تغريدته الأخيرة على صفحته، يعلن عن مسابقة الاحتيال وأنه من شدة الزحام لم يجد حلا سوى رحيله عن زمن الاحتيال.

السابق
انزياح
التالي
الصراحة

اترك تعليقاً