القصة القصيرة جدا

زهايمر

اللوحة التي على الجدار يبدو أنها لرسام مبتدئ، بحكم خبرته الطويلة يستطيع بكل سهولة التفريق بين الجيد والرديء في هذا المجال، في الحقيقة ليس هذا ما أقلقه، إنما الجلوس في بهو هذه الفيلا الكبيرة منتظرا منذ عشر دقائق كاملة، هو ما جعله قلقا ومتوترا، كان يتوقع بعد هذا العمر الطويل أن يجد صديق طفولته في انتظاره متشوقا لرؤيته فاتحا ذراعيه لاحتضانه، توقع أيضا العبارات التي من الممكن أن يقولها في هذا الترحيب ” اشتقت إليك أيها الرجل القصير ” أو ” مرحبا برسّامنا العظيم ” وربما ” اللعنة عليك يا صديقي العزيز ” مطلقا ضحكته الشهيرة المصحوبة بشخير. خاب ظنه الآن، حتى أنه فكر في الخروج تاركا لصديقه درسا قاسيا في كيفية احترام الضيوف، خاصة إذا كانوا من أعز الأصدقاء. عصره الإحراج حى تلألأ جبينه بحبات عرق رقيقة، وحين استقام واقفا يريد المغادرة، كانت الخادمة العالزجوز قد أحضرت فنجان القهوة كما يريده دائما فوق قرص خشبي صغير مزخرف. كان محتاجا بشدة إلى قهوة يزيل بها تعب هذا السفر الطويل. رفع فنجانه بحذر شديد وقبل أن يرشف منه تطلع في وجه الخادمة ” كأني أعرفك ” لكن الخادمة لم تجبه واكتفت بابتسامة باردة ونظرة مليئة بالشفقة، لم يكترث بالجواب بل سألها ثانية موجها عكازته نحو اللوحة المعلقة على الجدار “من الأحمق الذي رسم هذا العبث؟” لم تجبه أيضا بل سارعت إلى التقاط الفنجان الذي كاد يسقط من يده المرتعشة المتسخة بالألوان.

السابق
ما تبكيش يابا
التالي
فيلم

اترك تعليقاً