القصة القصيرة

ساعي البريد

يبدو كما لو أنّ لا شيء. وحرّك يده مرة أخرى ليتأكد أكثر من أنّ الصندوق الحديدي الأصفر يُخفي شيئًا لا يراه، فأحس بملمس الورق.. نعم ثمة رسالة واحدة ..
وعلبة البريد تتعلّق برأس هذا العمود الحديدي، وتقوم في هذه الطريق الخالية والتي يبدو أنّ لا أحد يعبرها إلاّ فيما ندر، ورجّح أنّ وجود رسالة واحدةٍ ربما يعود إلى قناعتهم من أن ساعي البريد لن يمر من هنا، ولن يتفقد هذه العلبة، لذلك فقد عزفوا عن خدماتها، وربما سلّموا بقَدَرِ الخوف من أنّ الجماعات الإرهابية ستصل قبل أي ساعي بريد آخر وستضع يدها على رسائلهم وتتصرف فيها مثلما شاءت.
وعاد أدراجه إلى درّاجته النارية، بعد أن ألقى بالرسالة الوحيدة في جرابه، سوّى خوذته بإحكام على رأسه وأدار المحرك الوحيد في قلب الخلاء فثار الغبار وانطلق…
بدت طريقه طويلة خالية موحشة متربة، تقوم في هذه المساحة الفارغة من الأشواك والحجارة الناتئة، وهي مسرح للرّياح التي تفتح هبوبها من كل الجهات، وفوق هذا فهي تفتقد لأدنى علامة أو إشارة ترشد التائه أو تعرّفه على أقل تقدير من أين جاء وإلى أين يمضي..امتداد بعزلته ووحشته وصمته إلاّ من هدير محرّك درّاجته النارية التي تطلق وراءها خيط الغبار المتصاعد، أما هو فيعرف هذه الطريق حق المعرفة، فقد ولد وترعرع في هذه المساحات المفتوحة، وهو يقيس مسافة الطريق بقلبه ويحفظ علاماتها وإشاراتها القديمة التي ضاعت واضمحلت وتلفت مع الوقت… يقول في سرّه… ربما الرّيح العاصفة في كل وقت هي السبب في خرابها، ولا ينفي عن الأيدي العابثة جُرم التخريب، يتذكر أطفال المدارس البعيدة ومرورهم من هنا كالجراد الطوفاني، يدمرون أي شيء في طريقهم ويقتلعون حتى الحجارة من على جانبيه ويركلون الأشواك، أما ما بقي واستعصى خلعه فقد تكفلت به أيدي الجماعات الإرهابية، وهكذا فقد فقئوا أعين الطريق ولم يتبق من حياة له غير هذا الصندوق الحديدي الأصفر الذي عبره والذي لقيه ينبض بقلب رسالة كُتِبَ على ظهر مظروفها…
إلى السيّد ياسين عبد الله
ثكنة وادي الرمل
وحدة التدخل الخاصة
وهو لم ينس قراءة اسم المُرْسِلِ أيضا، فقد كانت امرأة وهو لا يدري إن كانت زوجة أو أما أو أختا أو حبيبة، لا تزيد معرفته على أنها امرأة… قريبة أو صديقة لياسين عبد الله، وتنحنح فوق درّاجته وهمس وسط هدير المحرّك:
– علم ذلك عند ربي..
ما يهم هو إلى من تمضي الرسالة، وبحكم شرف المهنة ونبل الخدمة فقد وجب أن يؤدي الأمانة لأهلها، وعليه أن يثبت للناس ثقتهم به وبمهنته وبعظمة وجلال رسالته، ومن ثم فإن فعله هذا قد يحيي أشياء كثيرة، يحيي القلوب المنتظرة ويزيد في الهمم والعزائم على جبهة القتال، ويبعث الحياة في ذلك الصندوق الحديدي الأصفر والذي بدوره سيبعث الحياة في هذه الطريق القفر الخالية التي بالكاد تحتضر..
لا.. لا يمكن لها الموت فقد لاح له بعد مسيرة أكثر من ساعة مع هواجسه وأفكاره، شبح رجل يسند ظهره إلى جذع شجرة خريفية، وفيما هو يقترب بدرّاجته، تنبّه الشبح على هدير محرّكها.. فترك الشجرة وتقدّم بما يشبه الفضول إلى حافة الطريق ينتظر، وراحت المسافة تتقلّص بينهما كلما ضغط على مقود درّاجته أكثر، حتى بدا الشبح رجلا يقف في انتظاره، حينها راح يبطئ من سرعته إلى أن توقف:
– عابر سبيل؟..
– بل ساعي بريد..
ندت عن الرّجل قهقهة انتشر رنينها في الفضاء الفارغ وعاد يقول:
– عليّ إكرامك.. انزل لتأكل لقمة معي وواصل رحلتك…
وقاده إلى زوّادته تحت الشجرة الفارغة الأغصان وهو يضيف:
– هذه الطريق لا أحد يعبرها، وكي أكون صادقا معك فقد أدهشني عملك..
– فيما وجه الدهشة؟!..
– لقد تحطّم كل شيء… الشّغف.. الانتظار.. الشّوق.. الفضول.. المفاجأة.. السؤال.. لقد بات تواصل الناس أسرع من لمعان البرق، لم يعودوا بحاجة لساعي بريد…
– برغم ذلك فأنا أحمل رسالة.
فقال الرجل وهو يجاهد في مضغ طعامه:
– إنها معجزة.. أن تحمل رسالة وفي مثل هذا الوقت فهي بحق معجزة..
وهز ساعي البريد رأسه علامة نصر وهو يسأل:
– ألم يمر بك أحد؟..
– لم أر بشرًا… فأنا أيضا انتظر أحدهم هنا، منذ سنوات تواعدنا أن نلتقي، لكنه لسبب ما تأخر، وحين أدركت أنك ساعي بريد غالبني إحساس الطمع بأن تكون حامل رسالته إليّ.
– رسالتي الوحيدة من امرأة لرجل..
– هل تخبره بشيء؟..
– لا أعرف، واجبي يدعوني لأن أوصل الأمانة لأصحابها لا أكثر..
وشكره على كرمه، وأدار محرّك درّاجته من جديد، وأحس كأن صوت مضيفه يهمس بتنهد..
– رسول لا يعرف رسالته؟!…

كان يجهل الرسالة، يجهل ما الذي تحمله، على الطريق الخالية يقطع شريط الصمت ويثير في الجو الساكن بعض الغبار. وكلمة مضيفه تحفر في روحه – رسول لا يعرف رسالته- ثمة أشياء لا يفهمها ولا يريد أن يفهمها ولا يقبل بإغراء أو استفزاز يضعه في موقف الحرج من نفسه، لا تهمّه رسالة امرأة لرجل، ورسالته تتوقف عند حدود وصول هذه الرسالة لصاحبها، أمّا فوق ذلك فالأمر لا يعنيه في شيء. وزاد من سرعته كي يبلغ مقصده قبل حلول المغيب، لكن الطريق موغلة في الامتداد.. ومع طولها راحت نهايتها تتخفى تحت غلالة من سحب الخريف وبعض الغربان المتطايرة مع حركة الرّياح.. إنه يلمحها كنقاط سوداء تلمع في قلب البياض. وهي قطعًا تمنحه إحساسه بهذا البعد الشاهق، وتُسرِّبُ الوحشة إلى قلبه. لكن إيمانه بقيمة الرسالة وعظمتها ونبل ما سيُقدِمُ عليه يدفعه دفعًا لتحدي كل هذا الخلاء، عليه أن يزرع الفرح في قلب ياسين عبد الله .. وهو يخمّن بينه وبين نفسه ..
– ياسين عبد الله ..
– نعم أنا ..
– لك عندي رسالة ..
ويمد ياسين يده المرتعشة وفي عينيه فرحة طفل ..
يلقي بسلاحه الكلاشنكوف جانبًا، ويمزق المظروف بعجلة ويُخرِجُ الرسالة .. يغيب معها وفيها ..
ماذا تقول له هذه المرأة ومن هي؟..
لا يجيب ياسين يمضي في قراءة رسالته مبتسمًا..
وحين يتطلع إلى الأفق يعاود رؤية الغربان من جديد وبعض الدخان المتطاير، لعلها انفجارات تنذر بالموت …
– ياسين عبد الله ..
– غير موجود..
– ألم يعد من الجبل؟..
– استشهد البارحة في كمين..
ونزلت من عينه دمعة، وحرص على أن تبقى يده اليمنى على المقود ومد يسراه إلى الجراب كي يلامس الرسالة، كأنه يطمئن، كأنه يداوي وساوسه وخوفه، كأن الغربان تحرّك في أعماقه شعورًا بالموت..
لا يمكن أن يحدث الأمر هكذا، لا يجب أن يموت ياسين عبد الله وإلا ذهب سعيي أدراج الرّياح .. والمرأة التي تنتظر؟.. يجب أن تصله رسالتها .. أنا لا أعرف صلتها به .. لكنها تبدو وفيّة ومُحِبَّة.. لا توجد امرأة تشبهها، قليلات هن النساء اللواتي يعشن على خيط أمل ووجع انتظار، وهذا فعل أمومة .. الأم وحدها هي من تعرف معنى جوعها لقطعة منها ..
لا يمكن أبدا أن تكون رائحة شوق أخرى غير شوق الأم، أكاد أسمع لهفتها وحنينها، أكاد أرى كلماتها وهي تسيل في روح ياسين كما يسيل الماء على جذور شجرة في قلب الصحراء، هذا الحنين الذي تسرّب في رسالة وحيدة أنقلها على هذه الطريق المفتوحة، هو حنين الأنثى الأصل، سرّ الرحم وسرّ الحب وسرّ الحياة ..
ولأجل كل هذا فلن يموت ياسين، لا يمكن أبدا أن استسلم لروح التشاؤم، على الرسالة أن تصل وعليه أن يكون في انتظاري وأن يستلمها مني وأن يقرأها ولربما همس لي:
– أمهلني بعض الوقت كي أكتب لك رسالة إلى أمي..
– نعم أنا في انتظارك.. على أقل من مهلك..
سأنتظره إلى أن يفرغ من كتابته، وسأحمل رسالته إليها في جرابي، سأعود حاملا الفرح لقلبها وستعرف أن ولدها حي يرزق، وانه بخير، وأنه لا يزال يقاوم ببسالته هؤلاء القتلة..

كان يعيش هواجسه الداخلية ويمضي على شريط الطريق المتربة .. بدأ دخان الانفجارات البعيدة يقترب شيئا فشيئا، وقبله ملأ نعيق الغربان سماء السمع.. تخلص من خوذته حتى يدرك الأصوات كاملة، وجال ببصره في الأرجاء.. سحاب الخريف يتكاثر، يتداخل مع الدخان بسواده الحالك، هدير درّاجته يصنع صوت هذه القفار.. يقترب.. والمغيب يقترب من ساعته الأولى…
يتحسس جرابه بيده ويتحسس الخلاء القريب بعينيه… جثث … ثمة جثث في العراء.. لا تصدّق العين ما تراه، محال أن يكون الموت بكل هذا السفور أوقف دراجته، ترجّل عنها كمّم صوت المحرك حتى تبدو أصوات الخلاء أقرب وأوضح..
السحاب والدخان والغربان والجثث، يستحيل أن يعثر على ياسين في هذه الكوابيس… الانفجارات يسمعها بعيدة لكن البصر يصور الأحداث عن قرب .. والآن فقط يتذكر ذلك الرجل الذي قابله في طريقه ويتذكر سرّ عدم رؤيته لأي مخلوق طوال هذه السنين، والآن فقط يعرف لِمَ يعزف الناس عن إرسال رسائلهم، وقد يجيب نفسه بشيء من القسوة وهو يضرب كفًا بكف:
– لقد تفرّغوا للقتل كالضباع…
وراح يمشي بين الجثث وفي قلبه عاصفة من بكاء وفي روحه خوف على رسالته قد لا تصل أبدا، وقد يموت هو دون أن يؤدي الأمانة لأهلها، وقد لا ينعم برؤية وجه ياسين وهو يُكلّلُ ببسمة فرح.
وعاد كي يواصل طريقه، شحنته قوة ما، وركبت روحه التحدي، عليه أن يصل، على الرسالة أن تصل، فليمت هو لو قدر الله له أن يموت، المهم أن تصل الرسالة إلى يد ياسين، وهو خمّن أن والدته هي من أرسلتها إليه، من خبرته الطويلة ومراسه صار يشم أرواح الرسائل، صار يقرأها قبل أن يطلّع عليها أصحابها، لكن مع الوقت راحت الرسائل تتناقص، ومع الوقت بدأ يفقد خبرته في فهم الرسائل وشمّ حقائقها، بدأ ينسى ويفقد قدرته على الحياة داخل ملامح رسائله، ولهذا فقد بدأ يشك وبدا له كأنه تسرّع في حكمه، والقول بأن الرسالة من الأم هو قول سابق لأوانه، عليه أن يتريّث فقد باعدت السنوات بين خبرته الروحية تلك ومحاولته الآن…

ياسين حبيبي… سأنتظرك حتى تعود، لقد عرضوا عليّ الزواج لكنّي رفضته..
عش لأجلي…

في الرسالة حرارة وشغف وحب، في الرسالة جوع انتظار وبرد، هي حبيبته لا غيرها فاجأوها بالزواج ففرّت إلى كتابة هذه الرسالة، لقد وضعت كل ثقتها في ياسين وقبله وضعتها فيّ أنا، وعليّ أن لا أخذلها وعلى الموت أن لا يخذل ياسين، علينا أن نعيش ثلاثتنا حتى ننجو…
لأول مرة يرتبك في تحديد هوية علاقة المرسل بالمرسل إليه، ولأول مرة يخسر وبالتحديد الدقيق قراءة رسالة وحيدة في جرابه، ولأول مرة يتشتت بين احتمالاته، وهو بلا يقين وشكه أساس نبله، وهو بمقدوره أن ينسف هذا الشك بفض مظروف الرسالة وقراءتها ثم إعادتها كما كانت، لكن مثل هذا الفعل سيحرق ضميره وسينهيه إلى الأبد، وبين الدخان والظلام الذي حل ودوي انفجارات وجثث تقدمت في تعفّنها، عليه أن يجد ياسين كي يشفى من شكّه ويخلص من حمله، وعليه أن يتقدم أكثر في طريقه كي يخترق هذا الجنون.

على روح الظلام لاحت له الثكنة بأسوارها العالية وسياجها الشّوكي وأبوابها الحديدية الكبيرة وأكياس التراب المتراصة بشكل جدران .. فتقدم.. اندفع بكل طاقة الحب إلى أتون الفرح:
– أخيرًا لقيتك يا ياسين…
وفاجأه صوت من عمق الظلام:
– قف مكانك لا تتحرك… مَنْ هناك؟..
لم يجب .. سكنت الأصوات ولاحت كشّافات الضوء، وعلى نورها تبدت جثة ملقاة على الأرض وجندي يقلب رسالة في يده …

السابق
الزنزانة
التالي
المَعَـلِّمْ

اترك تعليقاً