القصة القصيرة جدا

ستة أشهر

ماذا لو عرف سعيد أنه سيموت بعد ستة أشهر .. وماذا لو علمت أختي أن زوجها الذي تزوجته عن حب لم يبق أمامه سوى ستة أشهر وسيموت .. هل كانت حياتهم ستتغير ؟ أو أن تصرفاتهم كانت ستمنع القدر ؟
حتى أخي نبيل سألني نفس الاسئلة حينما أخبرته بما قاله لي طبيب القلب .. تمنيت لحظتها ألا أكون من علم بالخبر لأول مرة .. رغم أني كنت شابا يافعا أيامها .. إلا أن احساسي أوصلني لنهايات الشيخوخة .. بت أخشي الموت وأحس أنه متربص بي .. أو كأنه ينتظرني دائما خارج باب غرفتي ..
سألت نفسي هذا السؤال مرات كثيرة ولم أجد له إجابة واحدة مقنعة .. ورغم مرور خمسة وعشرون عاما إلا أنني مازلت أذكره كأنه بالأمس .. والأغرب أنني لم أستطع البوح به لأحد .. حتى أخي الأكبر نبيل قال وهو يمازحني ربما نموت قبله أنا أو أنت أو حتى نحن الإثنان .. وتناسى الأمر ونصحني بنسيانه .. وعاش هو حياته وكأنه لايعلم عن الموضوع شيئا .
إستمرت معاناتي مع هذا السر .. بل وجعلتني أكثر حساسية في تعاملاتي مع أختي .. حاولت كثيرا تعويضها عن زوجها الذي فارق الدنيا شابا لم يكمل الثلاثين .. وترك لها ولدان عاشت لهما فقط ونسيت أنها أيضا إمرأة ..
رغم إشفاقي عليها من هذه الوحدة وثقل المسؤولية إلا أنني إحترمت وجهة نظرها وساعدتها على تنفيذ خطتها بالحياة .

ولكن ما الذي فجر هذه الذكريات الآن ؟ سؤال مهم من زوجتي ..
فقلت لها أحمد ابن أختي سعاد يطلب يد أبنتنا أمل –
– الولد لاغبار عليه .. شاب مستقبله رائع .. مؤدب مثقف .. هو في النهاية إبنك الذي أحسنت تربيته .. وأنت تثق أنه سيصون إبنتنا
. وماذا عن الموت وهو يشبه والده وقد يموت صغيرا-
. ماهذه الافكار الغريبة يا راجل-
. هو أيضا يريد أن يكون الزواج بعد ستة أشهر من الخطبة حال موافقتنا –
. وافق وإنسى حكاية سعيد كلها بالمرة –

أزعجتني فكرة الرفض من ناحية لعدم وجاهة السبب .. ومن ناحية أخرى فلا أريد فتح جروح قد أندملت من زمن .. ولذا بلهجة المستسلم لقدر الله قلت لها .. الخيرة فيما يختاره الله ما باليد حيلة وسكت ..
قامت هي لشأنها وتركتني فسرحت مع أفكاري .. ووجدتني أطرح أسئلة أخرى محاولا التوائم مع ما حدث …
هو ترك رضيعان فهل موته منع إستمرار حياة الولدين وبدونه ؟ وترك أيضا زوجة لم يمض على زواجهما خمس سنوات والأدهى أن الزوجة الشابة التي هي أختي التوأم لم تستسلم ولم تفكر إلا في تربية أبنائها والسعي عليهم ..
حتى مقولة نبيل لي لم تتحقق أيضا .. ورغم أنها صحيحة إلا أننا مازلنا نعيش من يومها للآن .. ولكن من يضمن أن يعيش أو يموت أو حتى يعلك كم سيعيش أو متى يموت .
كل الشواهد قالت شيئا واحدا أن الحزن كالفرح لايدوم .. وأن الحياة أولى من الموت بالتفكير .. وكذلك نحن لابد أن نعيش بل ومن الأفضل لنا أن ننسى الموت ولحظته .. فقط نذكره للعظة والعبرة ..
أوصلتني أفكاري لمنطقة أراحتني كثيرا وودت لو كنت بحت بالسر من يومها .. ولكن ما حدث قد حدث ولاداعي للندم على ما فات لأنه لن يرجع الماضي .. وعلينا مواصلة السير قدما في طريقنا نحو النهاية .. وهذا فقط من رحمة الله بنا وعلمه تعالى بضعفنا .. رغم مايبدو من جبروتنا أحيانا .. فقط نحاول مداراة ضعفنا نخجل منه وهو جزأ أساسي من تكويننا ..
ترحمت على أيامنا الخوالي قبل أن تدهسنا عجلات قطار الزمن وتوصلنا لهذه المرحلة .. وتسائلت كيف أتردد في قبول من تمنيته لإبنتي .. قاتل الله وساوس الشيطان ..

السابق
ضريبة الحياة
التالي
الحذاء…

اترك تعليقاً