القصة القصيرة

ستي جواهر

أحبها جدا رغم أنها ليست ستي أو جدتي مباشرة .. هى جدة أمي لأبيها ..حفظت
شكلها وملامحها تماما صورتها لي أمي في حكاياتها الكثيرة جدا التي حكتها لي..
كان ذلك في الربع الأول من عمري أي حتى سن الثالثة عشرة .. وأنا أحب حكايا أمي جدا .. وكنت أستمتع بها جدا لدرجة أنني افضل حكايات أمي عن اللعب في الشارع مع أصحابي .
– طيب وليه أنا بأحكي كل ده ..
الحقيقة لا سبب مباشركي أحكي حكاية جدة أمي .. خصوصا وقد فات على وفاتها أكثر من سبعين عاما ..
يمكن بسبب مفارقة غريبة إكتشفتها في نفسي .. لاأجيد الحكي وأتقنه في نفس ذات الوقت .
قد يقول قائل هذا لعب بالألفاظ وأقول له على طريقة محمد لطيف أنه أمر بسيط وهو ليس لعبا بالألفاظ ..
الحكاية ببساطة اننى لااجيد الحكى مباشرة ومع أى شخص .. خصوصا اذا كان لايجيد الاستماع .
أحب الإسترسال في الحكي .. وإذا قاطعني من يسمع فتضيع مني أطراف الحكاية .. ولاأحس لها بأي متعة في الحكي .. وهي مفارقة إكتشفتها من صغري ..
أمي أطال الله في عمرها كانت أحيانا تسألني :
هل حدث شئ ما بالشارع وأنت قادم للمنزل في الأسبوع الماضى مثلا ؟.
فأقول لها نعم حدث كذا وكذا .. وأنا شاهدته كله .
وتسألني السؤال الصعب في كل مرة : ولماذا لم تحكي لي عنه ؟
وأحار في الإجابة وأخترع أسبابا كثيرة ليست هي السبب المباشر والحقيقي . وربما لأنني فعلا لاأعرف السبب المباشر لعدم إقبالي على الحكي مباشرة .
كان هذا هو إجابة الشق الأول من السؤال .. وإجابة الشق الثاني من السؤال هو أنني إكتشفت أنني أجيد الحكي على الورق .. وللأقلام من خلال الكتابة ..
تعطيني راحة شديدة في الإسهاب والوصف والتعديل .. وكذلك فهي مستمع ممتاز لايعترض او يسأل وإنما أنا من أعترض على حكاياتي وأسلوبي فأغيره مرة بعد مرة حتى أنهي قصتي .
تفتكروا دي بداية جيدة لقصة قصيرة عن البداية ؟ .. أنا أعتبرها كذلك لأنى أحاول الخروج عن المألوف وأبحث عن نفسي وطريقتي في الحكي .
يخيل لي أن كل ما حكيته مقدمة وندخل على التفاصيل .. وأعتقد أنني ليس لدي تفاصيل كثيرة ..
ولكنها إنطباعات عن تكون ملكة الحكي وحب الحكمة التي ورثتها عن أمي عن جدتها – جواهر ..
وإن كان إسمها جواهر .. فأنا أعتبر أن الجواهر الحقيقية هي ماعلمته لأمي من حكمة.. خصوصا في سني عمر أمي الإثنى عشر الأولى .. حينما كانت جدتها ماتزال موجودة وقبل وفاتها .
وأحكي لكم حكاية بسيطة مع وجوب وجود سؤال لديكم ولماذا تعلمت من جدتها ولم تتعلم من أمها ؟ ..
وهذا سؤال وجيه أجيبكم عليه .. أن جدتي لأمي ( أى أمها ) كانت من بدايتها مريضة بمرض لاأعرفه حتى أمي لم تكن تعرفه بالضبط .. ودائما معتلة وطريحة الفراش ..
كانت جدتها جواهر شديدة وقوية .. ولها لسان فصيح ولاتتحدث كثيرا .. وإنما ما تقوله دائما هو الحكمة وقد ربت جدي على هذه الحكمة .. وقد كان ترزيا عربيا ويستطيع أن يجلس بين أعيان بلده .. ويتحدث معهم في السياسة المصرية آنذاك .. بالرغم من أنه بالكاد كان يكتب ويقرأ .. وليس غنيا وإنما مستورا ويكسب قوته من الخياطة .. وينفق منه على أسرته كأحسن ما يكون الإنفاق على قدر المتاح ..
أقول جدتي لأمي كانت أغلب أيامها مقعدة طريحة الفراش .. بالرغم من عمرها الصغير وجمالها الواضح كما تصفها أمي .. لدرجة أني إشتقت أن أراها .. ولم تكن الصور الفوتوغرافية منتشرة كما هو الآن . .
تعلمت الطفلة الصغيرة والتي هي أمي أن تذهب للمدرسة .. وتأتي إلى جدتها تراجع معها دروسها برغم إن جدتي لم تكن تقرأ ولاتكتب .. وإنما كانت تحفظ بعض القرآن وتذهب للمسجد للصلاة وسماع دروس الوعظ الديني .. وتنقله لأمي وأحيانا كانت تأخذها معها إلى المسجد .. وكانت دائما تنبه أمي في صغرها لعظم بعض أمور الحلال والحرام .. وتقول لها إن العالم بالمسجد قال كذا وكذا ولابد أن نكون مسلمين جيدين ولاتفعل ما يغضب ربنا ..
مرت السنون الأولى من حياة أمي بين المدرسة.. ومراجعة الدروس ..وشغل المنزل بديلا عن أمها المريضة .. وإستمر حتى سن الثامنة ..
ولما إشتد على جدتي لأمي المرض ما كان من جدي إلا أن أخرج أمي من المدرسة .. وقد كانت شاطرة في المدرسة كما حكت لي .. وقد لاحظت بعض من نباهتها في الحساب حينما كنت صغيرا.. كانت تحل لي بعض المسائل التي تستعصي على عقلي الصغير في بداياتي الأولى ..
إستقر الحال بالطفلة ذات الثمانية أعوام بالمنزل .. تقوم بأعماله بديللا عن أمها المريضة .. وتربي أخيها الذي يصغرها بستة أعوام .. ولم تكن تدرك معنى ما تفعل .. ولكن حينما أصبحت أم لخمسة من الأبناء بدأت تستوعب ما حدث لها في البدايات الأولى من عمرها .. وتتذكر جيدا أن جدتها جواهر هي من أخذت بيدها حتى تجاوزت مرحلة الطفولة المتعبة هذه .. لتدخل مرحلة الصبية اليافعة التي تربي طفلا تكبره بستة اعوام فقط .
شربت أمي من جدتها كل الحكمة .. وتعلمت كل فنون الحياة التي تجعلها زوجة ممتازة وأم صالحة .. حتى توفت أمها وأعقبتها جدتها جواهر ..
تزوج جدي من إمرأة أخرى لترعى إبنه الصغير مع أمي وأختها الأخرى بعد أن تزوج خالي الكبير وهاجر ألى القاهرة بحثا عن الرزق بعد أن ضاقت بهم الحياة في بلدهم الصغير . .
كل هذا علمته من حكايات أمي لي .. وقد بدأتها أمي من البدايات المبكرة جدا .. ولفترة طويلة من الزمن كنت أنتظر الساعة التي تنتهي فيها أمي من عملها الدؤوب الذي لاينتهي في المنزل .. وتجلس تشرب قهوتها على الريحة.. التي تعلمت شربها من جدتها وبنفس الطريقة .. ويمكن في نفس توقيت شرب جدتها للقهوة .. كأنها مواعيد الشاى الانجليزي . .
أجلس مشدوها وأمي تحكي لي أشياء كان عقلب الصغير لايستوعبها في حينه .. وحينما كبرت وبدأت أمارس الحياة وأواجهها وحدي .. وجدت لدي مخزون كبير من الحكايات والحكمة والأمثلة .. لم أكن قد إكتشفتها بعد .. ووجدت أنني أجيد الحديث مع الناس بالرغم من صغر سني .. وقد غبطتني قريبة لنا مرة وقالت لي .. إن كلامك أكبر من سنك دائما ..
وبالرغم من إني فرحت بهذه الجملة إلا أننى عانيت منها كثيرا .. بداية من مرضي بعد مقولتها هذه .. ومرات بسبب أنني كنت ودائما أجلس بين كبار السن في بلدنا أكثر مما أجلس بين أقراني .. لأنني أحب حديثهم جدا .. وأحيانا كنت أرد عليهم بمثل حديث ستي جواهر .. وأحيانا لايكون في موضعه بسبب نقص الخبرة لدي .. فأقع في بعض المشاكل الصغيرة .. لكن سرعان ماتنتهي بان يغفروا لي زلة لساني هذه .. أو يشكوني أحدهم لوالدي وينالني منه بعض التوبيخ الخفيف . .
ستي جواهر وأمي هما الكنز الذي نهلت منه رحيق الحكمة والكلام الجميل الذي أعشقة للآن .. وأرجو ان يستمر حبي لكل الجمال الذى علمتني إياه أمي وستي جواهر
خلصت حكايتي مع ستي جواهر فهل تجدونها تستحق الكتابة ؟
مين عارف

السابق
مغالطةٌ
التالي
سندريلا وزمن الحواديت

اترك تعليقاً