القصة القصيرة

سذاجة

تستلقي على سفح الجبل ، و تغسل رجليها المخضبتين بالحناء في النهر ، تاركة جدائلها الخضراء تداعبها نسائم الربيع ، قرية آمنة مطمئنة ، خرجت من صمتها و هي تتأهب لاستقبال حجاجها الميامين.
أول ما يواجهك و أنت داخل إلى القرية قوس من سعف النخيل الأخضر، و على جنبات الطريق الترابي ، ترفرف الأعلام الوطنية ، و بجوار مقر الجماعة نصبت خيمة كبيرة .
هاهم الحجاج الثلاثة يترجلون من السيارة ، عليهم ثياب بيضاء ناصعة ، رؤوسهم حليقة عارية ، أمارات الرحلة بادية على وجوههم المتعبة ، تتدلى من أكفهم سبحات ملونة ، تعالت الزغاريد و تناثرت عبارات التهنئة : حج مبرور و سعي مشكور …
في المدخل ، كان يقدم ماء زمزم في فناجين نحاسية صغيرة ، مع التمر الأسود للزوار. عندما أخذوا أماكنهم ، أديرت صينيات الشاي المنعنع ، و أطباق الحلوى ، انهمكوا كلهم في الارتشاف و المضغ .
بعد صلاة العشاء ، مدت السفرات فوق الزرابي الحمراء ، طواجين مليئة بلحم الغنم مقببة بالبرقوق و الزبيب و البيض المسلوق و حبات الزيتون ، كانت شهية أهل القرية مفتوحة عن آخرها ، أجهزوا على الطعام و الشراب والفواكه في دقائق معدودات .
بعد ذلك ، تحلق الناس حول الحجاج ، و الشوق يهزهم لمعرفة أحوال الديار المقدسة ، و التبرك بنفحات بيت الله الحرام والمسجد النبوي و باقي المزارات الشريفة . تدافعت المناكب و تدفقت الأصوات ، تدخل أفصحهم لسانا :
– حدثنا يا الحاج بلعيد عن المناسك التي أديتها حتى تعم الفائدة .
– ماذا عساني أقول لكم! بصراحة .. بصراحة ، لقد شبعت النوم و الراحة و الاستحمام ، كنت هنا في هذه الحفرة اللعينة مثل حمار الطاحونة أعمل باستمرار دون أن أذوق طعم الراحة ، فكانت فرصة سانحة لتلبية ما كنت محروما منه .
– لا حول و لا قوة إلا بالله ، ما هذا الهراء ؟
تدخل آخر مستفسرا الحاج الثاني :
– أما أنت يا الحاج عيسى ما حصيلة رحلتك المباركة إلى المشرق ؟
– أقول لكم الحق دون لف و لا دوران ، لقد كنت منشغلا طيلة إقامتنا هناك بملء معدتي و إشباع نهمي ، فالحليب الطري بمشتقاته متوفر بكميات وفيرة ، و الدجاج المحمر ، و الأرز المسلوق اللذيذ ، و الماء البارد الزلال .
– أ لهذا تجشمت المتاعب و أنفقت الملايين ؟ قبح الله سعيك .
اخترق رجل قوي البنية جموع المتحلقين ، و بصوت أجش استفسر الحاج الثالث :
– أما أنت يا الحاج سليمان ما ذا جنيت من سفرك ؟ نتمنى ألا تخيب رجاءنا كما فعل صاحباك .
– كانت الحرارة مفرطة تجاوزت الأربعين درجة ، جهنم سوداء تنفث نيرانها فنتلظى بها ، يا لطيف ! كنت لا أغادر غرفتي المكيفة بالفندق إلا لماما ، لأنني لا أطيق حر القيظ .
كان الثلاثة ، من شدة سذاجتهم ، يضحكون ببلاهة كأنهم لم يجدفوا ضد التيار .
تدخل فقيه القرية و وضع حدا للغط المتزايد بصوته الحازم الرزين :
” هؤلاء الرجال ، أبناء بلدتنا ، ما حجوا و لا أدوا مناسكهم ، انساقوا وراء الشهوات و ملذات الدنيا ، لم يكن خروجهم طلبا للمغفرة و محو الذنوب ، و إنما هاجروا للسياحة و الاستجمام ، و لكل امرئ ما نوى . “

السابق
أنا وأنتم وليل الشتاء
التالي
ضاوية

اترك تعليقاً