القصة القصيرة

سطح .. أملس

أحسَّت أن الدنيا تفتح ذراعيها من جديد !
وتلفها بنسمات طرية .. تضمد الجراح النافذة للعضو الضخاخ إلى حد بعيد .. وتنشلها من حياة عابسة ، عاشتها فى بلاد غريبة على مدار أربعة عقود كاملة .
وكأنها أضحت تنظر عبر لوح من الزجاج الشفاف الأملس الصافى .
فاليوم يوافق يوم ذكرى تخرجها من مدرسة (السيدة خديجة الإعدادية للبنات) والتى لم تكمل دراستها من بعده لليوم .. لعادات بالية قابعة فى عقول كثير من الآباء والأمهات ، فى ريف الوطن بشطريه البحرى والقبلى .
لا تدرى أى ريح طيبة هلت عليها فى هذه الساعة!
فعيونها الجَعْدةُ *1 أدركت شعاع الفجر الذى ظل غارقاً بين أنياب الليل لسنين طويلة فى غربتها تلك .. والذى ظل يتململ فى وقفته محاولاً الفكاك من براثن الظلمة الضاربة حولها من كل اتجاه ، والوثوب فوق (شواشى) الشجر السارى ناحية الصباح القادم من بعيد .
ينشرح صدرها ببطء شديد .
تفرك بكلتا يديها الرقيقتين ، ما بقى عالقاً بعينيها من آثار السكون الطويل .. بالرغم من أنها لم تحمل فى يوم من الأيام وثيقة سفر داخلية أوخارجية ، ولم تستخرج بطاقة الرقم القومى حتى الساعة .
ــ تتفتح أوردتها وكل شرايينها عن آخرها على غير العادة .. يرتد إليها شريط ذكريات الماضى البعيد بأكمله فى لحظة ، وكأنه يقف بين يديها زنهاراً .. كبطل الفانوس السحرى ، وهو يموج بصوت يجلجل بالمكان .
(شبيك .. لبيك .. عبدك ملك إيديك) .
ينقلب الماضى على الحاضر فى مشهد واحد .. للحد الذى لم تستطع فيه تبيان أيهما السابق على الآخر .
= ها هو والدها يتأهب لاستقبال زقزقات عصافير الحى ، التى تجوب مدى قريتها النائية من بعد انبلاج الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الليل ، بشوق حسيس وآذان موسيقية واعية .
قريتها التى لم تعُد إليها ، منذ أن غادرتها فى رِحْل زوجها وهى بنت السادسة عشر عاماً ، قاصدة دارها الجديدة بمدرية التحرير ، بالبر الثانى للبحر (الغربى)*2.
ووالدتها تسرع الخطى ، بإعداد حبوب القمح والذرة الـ (دشيش) وتخلطهما مع ما بقى من فضلات طعام الأمس ، لتضعه فى موضعه الثابت على حافة شباك (المندرة) كعادتها منذ دخولها لهذه الدار ، ومن بعدها يخرجا ليتوضآ سـوياً بماء الترعة الجارى أمام الدار .. ثم يؤديان صلاة الفرض الحاضر ، قبل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الجَعْدِةُ : نبات أخضر والمعنى ( ذات العيون الخضراء) . 2 ـ البحر الغربى: فرع رشيد
شروق الشمس جماعة .
ــ تتطاير من بين جوانحهما الملتاعة زخات الشوق اللاهثة ، خلف نداء السعى الواجب لكسب لقمة العيش الحلال .
ــ يبتهلان لله شكراً على نعمائه ــ
ــ يصل إلى مسامع (سلمى) الرهيفة جملة يلوكها أبوها برويّة زائدة على الحد ، وكأنه يحفط سورة من القرأن الكريم ، ولسوف يسمعها إمام المسجد وهو ينادى :
(سلمى .. سلمى .. إصحى .. يا سلمى( .
ــ شدت مفردات الجملة التى كان يلوكها أبوها شدة انتباهها .
(الاستغراق فى المحلية .. هى البدايات الأولى والصحيحة للوصول إلى العالمية) ــ لم تبالِ ــ
ــ يدور الأب فى دورانه المعتاد على القاعات والمقاعد وحظيرة المواشى ، وعشش الطيور المنزلية ومغازل الحمام ، لتنبيه الكل بقدوم اليوم الجديد .
ــ يستيقظ الجميع على دبيب خطواته الوقورة ..
ــ يقاومون خطوط كسل الليل البهيم بصعوبة ــ
= تمتد يد أبيها نحو مفتاح المذياع الثابت فى مكانه من قبل مولدها ، يدير مؤشره فى اتجاه ثابت برفق .. يثبته على مكان معلوم .
ــ يأتيه صوت الشيخ (محمد رفعت) رخيماً .. الصوت يرطب القلوب الوجلة. ويجلى ما ران عليها من صدأ.
ــ أصوات دبيب الحياة خارج الدار ترتفع وتيرتها شيئاً فشيئاً .. فى مثل هذا التوقيت تحرص معظم الأمهات فى الريف المصرى ، بإعداد وجبة خفيفة للإفطار قبل انطلاق أفراد الأسرة سعياً وراء الرزق .
ــ يلتقط (أحمد) شقيقها الأكبر بعض اللقيمات القليلة مع كوب اللبن الدافئ على عجل .. بادئاً بالبسملة ومنتهياً بحمد لله .. مخافة أن ينهره أبوه .
طرقات متتابعة (ترزع) على وجه باب الدار الخارجى .
ــ تهب (والدتها) واقفة زنهار .
.. تنطلق ناحية الباب..
اللقيمات الجافة تتحشرج فى حلقها وهى تلبى النداء. .
ترد بصوت (مشروخ) :
ــ خش ياللى بره .. شد السقاطة .. وخش .. الباب مفتوح .
ــ يعلو الصوت بخارج الدار أكثر فأكثر .
(أحمد .. أستاذ أحمد .. ياللا ..الوقت راح .. إتأخرنا .. عاوزين نروح المدرسة قبل الجرس ما يضرب ، ولو ليوم واحد).
ينطلق أحمد مسرعاً لتلبية دعوة المنادى ..
كلمات أبيه التى كررها قبل سماعه للطرقعات المتتابعة على وجه باب الدار ، تدور دورتها فى عقله .. تفعل فيه الأفاعيل .
ــ في لمح من البصر يُدخل (أحمد) قدميه الضخمتين ، فى الحذاء الجديد الضيق بأعجوبة.
{أيووووووو… يا /عزت .. خلاص أأهو .. أنا جاى أأأهوه} .
ــ تخترق الكلمة مسامع (سلمى( للمرة الثانية .. تحاول تحليل كلمة (الاستغراق) التى نطق بها أبوها وكررها عدة مرات .. تقدح زناد فكرها كى تصل إلى معناها الحقيقى .
ــ لا تقدر ــ
عليها أن تسأل (أحمد) أخاها مدرس اللغة العربية ، وخريج كلية دار العلوم عن معناها اللغوى .
ــ فجأة ــ
تصرخ (سلمى) بصوت عالٍ :
يا نهااااار .. النهارده السبت ..
ــ لاتفهم والدتها .. ماذا تعنى بالسبت .
ــ تهرول (سلمى) لحجرتها ، تاركة اللقمة التى كانت على وشك أن تدور فى طبق البيض المقلى (الأومليت) .
ــ الحمد لله ..
تُجِرى المشط (المْتّرم)* على شعرها )الملبك) وتسحب شنطتها بخفة من فوق الترابيزة ، وهى تكمل ارتداء زيها المدرسى .. تسرع الخطى خارج الدار .. لم تعبأ بنداءات أمها كى تأخذ (السندوتشات) .
تقطع المسافة بين الدار والمدرسة فى دقائق معدودات .
ــ تصل لفناء المدرسة .. تقف وحيدة بأرض الطابور المحدد لفصلها .
تنظر حولها كالمغشى عليه يميناً ويساراً .. لا أحد يقف بجوارها .. كل الفصول مكتملة العدد .. عدا فصلها لم يحضر منه سواها .. تتواتر الأفكار برأسها الصغير .. لابد وأن زميلاتى دخلن فصل الأشغال ، ولم يحضرن للطابور .
ــ فاليوم يوم السبت أول ايام الأسبوع .. يوم (الأشغال) .
ــ يأتيها الرد من داخلها سريعاً .. مستحيل يحدث هذا!
ــ تتابع ــ
معنى هذا أن أُحرم من مجاورة الأستاذة (ولاء) مدرسة المجالات ، (مش ممكن) كيف أُحرم من مشاهدة أناملها وهى تنفذ (عقدة) صناعة السجاد اليدوى؟
ــ قبل أن تتمادى فى فروضها الجدلية ، وجدت من يهـز كتفها النحيل وينادى (سلمى) .. يا سلمى .. إنت يا بنت .
ــ تفيق (سلمى) من شرودها اللحظى ، وتستجمع شتات ذاتها المنفرطة كحبات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتّرم .. المكسور بعض أسنانه

الرمال المتناثرة على بلاط سطحه أملس .
ــ أستاذ .. أين زميلاتى؟
ــ سيارتا الرحلة تقفان خارج سور المدرسة .
ــ تصرخ (سلمى) بأعلى صوت :
أنا متأسفة (نسيت .. نسيت .. الرحلة) .
ــ أطلقت للريح ساقيها الضعيفتين ناحية باب المدرسة .. قذفت بنفسها داخل إحدى السيارتين والابتسامة لا تفارق ثغرها الصغير ، وعيونها الجَعْدةُ تتسع لتحتوى الجميع فى حنو عجيب.
ــ يطلق سائق السيارة الأولى سارينة الانطلاق لتملأ الفضاء من حولها بالضجيج ، معلناً بداية الرحلة بعدما أخذ إشارة الإقلاع من مدير المدرسـة .
ــ تتعالى صيحات التلاميذ (بنين وبنات) بالأناشيد المعتادة فى مثل هذه الرحلات ، والمأخوذة من التراث الشعبى المتوارث ، مع جينات وجودهم على ظهر هذه الدنيا بالفَرحة .
ــ بعد ما يقرب من الساعة والنصف يتوقف الأتوبيس بحوار ضفاف ترعة كبيرة ، ومن ثم وقف مشرف الرحلة على رأس الطابورين (البنين والبنات) بعد اصطفافهما فور نزولهما من السيارتين ، ليقول بصوت أجش :
نحن الآن أصبحنا فى منتصف الطريق ..
بإذن الله سوف نعبر هذا المانع المائى بواسطة هذه (المعـدّية) على فوجين , الفوج الأول مخصص لتلميذات مدرسة السيدة خديجة الإعدادية للبنات ، والفوج الثانى مخصص لتلاميذ مدرسة المساعى المشكورة الإعدادية للبنين .
ــ الكل فى نفس واحد :
تمام يا أستاذ …
ــ وقت نزول التلاميذ من السيارتين ، وقبل الاصطفاف شاهدوا (المانع المائى) وسرعة جريان الماء فيه .. زاغت الأبصار وكثر شرودهم اللحظى ، وجرى على كل الألسنة تساؤلات عديدة .
ــ هل هذا نهر النيل؟
ــ وما هذه (المعـدّية)؟
ــ وما اسم البلدة التى نقف على شاطئها؟
ــ وأين نحن ذاهبون؟
= (سلمى) كل حواسها معـطلة .. لا تنطق بكلمة واحدة (كمن أطبق بيديه على فم (زكيبة) مليئة بالقمح ، وكتمها عند حافة قادوس مكنة الطحين! فلا هو ترك القمح ينزل من فم (الزكيبة) ولا أبعدها عن حافة القادوس ، ولا ترك غيره يلقى بما فى جرابه .
(وطالما حجر الطاحون لم يقف عن الدوران .. لابد من لطه) .
ــ عيونها الضيقة تتحرك بلا إرادة منها فى كل اتجاه .. تنتقل أتوماتيكياً كالكاميرا .. ترصـد وتدون كل ذبذبة وهمسة تحدث ، وتحفظها فى (ديسكات) عقلها الواعى.. تستمع فى شغف إلى مشرف الرحلة فى إجاباته القاطعة على الأسئلة المثارة من زملائها وتعـيها جيداً .
ــ هـذا ليس بنهر النيل .
فنهر النيل أكبر من هذا اتساعاً وعمقاً!
ــ هذا.. (الرياح المنوفى) والذى تم شقه فى عهد (محمد على باشا) .
وهذه البلدة التى نقف على ضفاف شاطئها تسمى قرية (سنتريس) تتبع مركز أشمون منوفية محافظتنا .. وعلى الجانب الآخر تقع قرية (ساقية أبو شعـرة) التابعة لنفس المركز ومقصد وواجهة رحلتنا .
ــ هذه القرية تعد أكبر تجمع (أهلى) لصناعة السجاد اليدوى فى مصر .. بل فى الشرق الأوسط كله .. علاوة على شهرتها العالمية بين صناع السجاد اليدوى على مستوى العالم .
ــ فهذه (المعـدّية) أقرب وسيلة أمامنا حتى لا يضيع النهارعلينا فى المواصلات والكوبرى ، الذى يربط هذه القرية يقع عند (القناطر الخيرية) على مسافة ثلاثين كيلو متراً ذهابا وإياباً .
ــ وإذا التزمنا بالتعليمات والهدوء كانت الوسيلة آمنة ، وقصرنا المسافة والزمن .
= هبطت التلميذات منحدر الشاطىء لركوب (المعـدّية( وكلهن فى كامل الهدوء.
وجلست البنات على مقاعد (المعـّدية) بهدوء أشد ، وما أن بـدأ (المعداوى) بجذب الجنزيرالمعلق والمثبت على بكرة الغارب فوق ظهر (المعدّية) والمشدود بعرض الرياح برواسى راسخة على الشاطئين .
اهتزت )المعدّية (يميناً ويساراً على صفحة الماء ، والبنات يكتمن صرخاتهن المدوية داخلهن ، مخافة الخروج على التعليمات ، ومخافة أن ينطلق الرعب الكامن بصدورهن الصغيرة ويحدث مالا يحمد عقباه .
ما هى إلى دقائق معدودات ورست (المعدّية) على الجانب الآخر ، وصعدوا مطلع الشاطىء الثانى ، وعادت (المعدّية ( للإتيان بالفوج الثانى ، والجرأة والشجاعة لباس الجميع .
ــ اصطف التلاميذ بنين وبنات فى طابورين كالمعتاد .. ثم انطلق الركب ليقطع المسافة الباقية سيراً على الأقدام .
ــ الطريق على قدر كبير من الرقى .. أرض الشارع مغطاة بطبقة سميكة من الأسفل ..الأشجار الدائمة الخضرة صيفاً وشتاء متراصة على جانبى الطريق فى نسق بديع .. علامات إرشادية تنتشر هنا وهناك .. تهدى كل السالكين بلا عناء .. الظل يكسو كل بقعة على امتداد النظر .. صفحة الماء فى الرياح المجاور تعكس كامل المشهد كلوحة فنية ، يصعب على أعتى فنان رسم بعد واحد من أبعادها .
ــ على مشارف (القرية) شدت مظلة عملاقة تحتها ظل ظليل ، ومدرجات بكراسى من الجلد تستقبل الوافدين .
ــ عمدة القرية وأعضاء (الجمعية الأهلية للسجاد اليدوى) دائماً فى شرف استقبال الضيوف بابتسامة عريضة ووجوه سمحة .
(سلمى (تحلق فوق السحاب بأفكارها البريئة .. تستعجل مرور الثوانى كى تحظى بدخول الصرح الكبير ، وكأنها سوف تلتقى بحبيبها الغائب منذ زمن بعيد ، وتشاهد بأم رأسها القلعة العملاقة .
كلما رفعت قدماً ووضعت الآخر ، تتخيل بنايات المصنع والآلات والمعدات المتطورة والتكنولوجيا المتقدمة .. تحلم وتطير فى ملكوت بلا حدود .
ــ تطرح الســؤال على نفسها ، ثم تعقبه بسؤال آخر ، وتسمح لعقلها الصغير بالإجابة كيفما تشاء .
ــ لابد وأن هذا المصنع مشيد على أحدث طراز هندسى ومعمارى فى الوجود كله .
ــ ولابد أن جدران المصنع مطعمة بالرخام المرمرى .. رخام يفوق الرخام المطعم به قصر (أحمد باشا عبد الغفار) المقام فى بندر مركزها منذ أيام الملكية ، ولابد أن العاملين بهذا المصنع على درجة عالية من الكفاءة والتدريب الراقى ، والثقافة العالية وأن مواصفاتهم غير المواصفات التى نعهدها فى البشر الذين نعرفهم .
ــ ولابد أن طعامهم غيرالطعام الذى نطعمه ، وملابسهم من حرير وإستبرق ، ورواتبهم أعلى من رواتب كل العاملين فى القطاعات الأخرى بالدولة!!!
هكذا يقول العقل الرشيد!
= تتكاثرالتخيلات والأحلام والأفكار برأس (سلمى) مع ازدياد طرقعات أقدام التلاميذ الصغيرة على أسفلت الطريق .. التى يقطعها نداء مشرف الرحلة :
ــ قف ــ
لقد بلغنا ما كنا نبغى!
من هذه النقطة يبدأ الجزء العملى للرحلة .
= وقف الجميع وعيونهم تقلب المكان (من تحت لفوق ، وكل ناحية) لعلهم يخرجون من بعد هذا الرنو بعبارة واحدة وإجابة قاطعة تستريح معها العقول السارحة والهاربة فى هذا الجو الجديد .
ــ على مقربة منهم كانت منازل الفلاحين متراصة فى طابورين مثل استقامتهم ، لا يفصلهم عن بعض سوى ترعة مياهها ضحلة ، وموازية إلى حد بعيد للرياح (المنوفى) الذى عبروه منذ دقائق .
بينما الديار لم تكن فى كومة واحدة كأغلبية قرى المحافظة ، بل كانت كل دار منفصلة عن الأخرى بمسافات متفاوتة .
ــ لمح مشرف الرحلة الأسئلة تكاد (تندلق) من أفواه التلاميذ والتلميذات ، عن المسافة المتبقية للوصول إلى مصنع (السجاد اليدوى) ذى الصيت والشهرة العالمية الذى حدثهم عنه منذ قليل .
ــ صوت الأستاذ /عــز يشرخ صوان الوجود ، ويكسر حاجز الصوت أحياناً ، وتعليماته لا تقبل (الفصال) وتنفذ للعقول التواقة للوصول إلى هدفها المنشود .
= حسب ترتيب الطابور .. سنمضى فى نفس الاتجاه .. عند كل باب دار من تلك الديار المصفوفة يميناً ويساراً .. يدخل تلميذ وتلميذة سوياً الى أهل هذه الديار ، لتنفيذ برنامج الرحلة مباشرة .
ــ فى نهاية اليوم نتجمع تحت المظلة فى طريق عودتنا .
ــ سقطت الكلمات على رؤوس التلاميذ (بنين وبنات) كالصاعقة ، وبالأخص (سلمى) وكأنك نزعت من بين ضلوعها (العضو الضخاخ) وتحشرجت الأنفاس بين طيات صدرها الصغير ، وحل بكيانها حالة لا تبقى ولا تزر .
= فى ثانية واحدة تبخرت الأحلام والأفكار ، وكأن شيئاً خر من سقف السماء ، وأكل الأخضر واليابـس بلا مقدمات .
ــ كانت الصدمة أكبر من احتمال الأولاد .. وسرى على ألسنتهم العجب :
ــ بيوت ريفية .. كبيوتنا؟!
ــ هل هذه المصانع العملاقة التى وعدونا برؤيتها؟!
ــ هل هذه أكبر مصانع للسجاد اليدوى فى الشرق الأوسط؟!
ــ بيوت فلاحين متراصة على الصفين؟
كل دار واقفة بطولها .. باب الدار مفتوح على (مصطبة كبيرة) بمحاذاتها (مندرة) بنفس المساحة ، ومن بعد باب الوسط .. وسط دار جوانى .. يضم فرن وقاعة و(زريبة) ثم سلم مبنى بالطين .. يفضى للسطوح ، وتحت حنية السلم (الكنيف) .
الجميع يحفظ هذه الديار عن ظهر قلب من سبعة آلاف عام .
أتكون حقاً هذه الديار الريفية المصانع التى حدثنا عنها كل أساتذة الأشغال ، وذكرتها كتب وزارة التربية والتعليم؟!
ولكن كيف؟!
= قبل أن يتسرب الجذع والقنوط لعقول التلاميذ ، نطقت (سلمى) بصوت حاد تختلط به الدموع أو تكاد .
أستاذ / عـز….
ــ نحن لا نرى رخام ولا مداخن ولا بوابات حديدية ، ولا شئ من قبيل هذا!!
ــ فكيف تكون كما تقول ، أنها تعد من أكبر مصانع السجاد اليدوى فى الشرق الأوسط بل فى العالم؟!
ضحك الأستاذ / عـز بملء فيه.
ــ نعم يا (سلمى).. هذه أكبر منطقة تنتج السجاد اليدوى بهذه الجودة والمهارة ، على مستوى العالم!
ــ ليس من ناحية الخامات المستخدمة فحسب ، بل من الناحية الفنية ، والتى تعود للفطرة الإنسانية ، والتلقائية التى تتم بها الصناعة .
ــ فمثلاً نجد أن عدد (العقد) فى السنتيمتر المربع بكل سجادة تخرج من (قرية ساقية أبو شعرة) يقترب من تسعمائة ألف عقدة!
هذا بخلاف أنه يصنع .. بيد ….. ثم صمت .
هذا ما سوف تعرفونه بأنفسكم ، وتشمله تقاريركم فى نهاية برنامج الرحلة .
ــ انفتحت طاقات النور أمام التلاميذ من جديد .. فالحديث الآن أخذ منحنى غير الذى كان ، واشتموا فيه رائحة البهجة والخصوصية التى تلتصق بالإنسان المصرى على مر العصور .
= عند باب إحدى هذه الديار ، انبرت (سلمى) بصحبة )حسين) أحد زملائها ، واجتازا الـ (قنطرة) المشدودة على ظهر الترعة الصغيرة .
ــ وقفت (سلمى وحسين) أمام باب الدار العملاق .. صفقت بيديها الصغيرتين .. ولما لم تجد أحداً يلبى نداءها ، على الفور شدت سقاطة الباب ودخلت ..
ــ وما أن دخلا وسط الدار البرانى .. تسمرت أقدامهما فى مكانهما ، ولم يستطيعا تحريك ساكن لديهما ، وكأنما نزل عليهما سهم من السماء أفقدهما القدرة حتى على النطق فور مشاهدة المنظر!!!
كان على (مصطبة) الدار الداخلية (نولان) كبيران مشدودان رأسياً بزاوية قائمة .. يكاد عوارضهما الأفقية العلوية يلامسان سقف الدار ، وعرض كل منهما يقترب من المترين .
ــ النولان معـصوبان بخيوط (قطنية) بيضاء غليظة لحد ما رأسياً (السداة) .. و(اللُحمة) تخرج من بين أنامل قصيرة بألوان كثيرة ، وكأنها رؤوس الشياطين .. وهذا لم يدهشهما .. بل الذى أذهلهما وربط عقدة لسانيهما رؤياهما للجالسين أمام (النولين)! .. طفلان لايزيد عمر كل منهما على عشر سنوات ، كل واحد منهما يمسك بيده اليمنى (صنارة) بآخرها شفرة حادة ، واليد اليسرى تتناول بخفة (خصلات) الخيوط الصوف ذات الألوان المختلفة ، والمعلقة أمامهما على قائمى النول .. يغرزها برشاقة ومهارة فائقة بأنامله بين (السداة) الحريرية لتكون (العقدة) أو (اللحمة) .
بعد الانتهاء من خمسة صفوف أفقية .. ينهال عليها دقاً بـ (مشط حديدى) بمستوى واحد ، ثم يعـود ليقرعها مرة أخرى بـ (المشط الحديدى) ثم يلف (يبرم) على العامود (الفتيل) الأفقى المشدود بعرض (النول) فى الأسفل .
… وهكذا… وهكذا…
حتى تنتهى السجادة حسب الرسم الذى يختاره الأطفال بأنفسهم .. لتخرج لوحة فنية من خيالهم على الفطرة ، وبدون رسم يملى عليهم مسبقاً أو لاحقاً .
= بعدما ذهب الروع عن (سلمى وحسين) إستأنسا بأهل الدار (المصنع) ودار بينهم أحاديث كثيرة عن مراحل الإنتاج وطرق التسويق ، وكذا الدور الذى يلعـبه أعضاء (الجمعية الأهلية للسجاد اليدوى) بالقرية ، فى مساندة هذه الصناعة وتسويق منتجاتها و… و… و…
عندها استوعبت (سلمى) عبارة والدها التى كان يلوكها فى الصباح ، وتأكد لها صدقها مائة بالمائة .
(الاستغراق فى المحلية .. هى البدايات الأولى والصحيحة للوصول إلى العالمية)
= دمعت عيون (سلمى) عندما شاهدت على شريط الأخبار المبثوث على شاشة التلفاز نبأ تجميع كل الحرف اليدوية فى قرية واحدة ، من أجل التطوير وتعظيم الانهيار المؤكد لا محالة .
وتأكد لها أنه نهاية التفوق والخصوصية التى حادثها عنها أبوها ذات يوم .. قبل سنين من زواجها الذى مر عليه اليوم قرابة أربعة عقود .

السابق
ما بعد التعميد
التالي
كدٌّ

اترك تعليقاً