القصة القصيرة

سكوت إننا نتألم

الإهداء : إلى ذوي الاحتياجات الخاصة في يومهم العالمي .. كل عربي مشروع معاق ، لأنه يعيش داخل وطن يترصد أحلامه أينما كان

عندما ركبت الحافلة ، كانت أجساد قليلة تتوزع في أماكن مختلفة ، ومتباعدة وأنامل الصباح تداعب وجوههم التي تدفع النعاس بصعوبة كبيرة ، وتجعلهم يتثاءبون من حين لآخر حسرة على فراش دافئ ، ” لا شك انهم نهضوا باكرا من أجل أن يحجزوا مقعدا في حافلة متهاوية ” .
اتخذت لي مكانا وسطا ، فأنا أمقت المؤخرة ، وترهبني الأماكن الأمامية .. جلست إلى جانب فتاة تبدو في غاية الأناقة والجمال ، ألقيت عليها تحية الصباح ، فلم تكلف نفسها عناء الرد ، وربما لم تسمعني لأن تفكيرها كان مشدودا إلى أناملها الرقيقة وهي تعبث بأزرار المحمول الذي كان ينام في راحتها كطفل وديع ، خمنت أنها منشغلة بإرسال رسالة قصيرة ولكنها مترددة ، التفت عنها حتى لا تعتقد أني أتلصص على ما تريد أن تكتبه في بداية يومها .
لم يمر وقت طويل حتى بدأت الأجساد تتدافع إلى داخل الحافلة ، وكأنه أطلق سراحها من مكان كانت مقيدة فيه .. امتلأت كل الأماكن ومع ذلك ظل الباب مشرعا يطلب المزيد ، وظل السائق غائبا يرتشف قهوة الصباح على مهل في مقهى قريب ، ولم تمض ربع ساعة حتى كان الواقفون أكثر من الجالسين من النساء والرجال .. ابتسمت في سري وانا أتذكر عبارة ظلت تتردد على ألسنة الناس وفي وسائل الإعلام وخاصة المرئية والمسموعة ” رجال واقفون ” لم يعد الوقوف قضية تخص الرجل ، المرأة أيضا أصبحت تمارس الوقوف كعادة يومية .
بدأ التذمر يظهر على الوجوه ، وقد تاخر السائق كثيرا .. لكنه ظهر فجأة وهو يحمل في يده فنجانا بلاستيكيا ما زال يرتشف منه قهوته .
وانطلقت الحافلة .. كان الصمت يرفرف بجناحين على كل الوجوه ، لكن صوت جنية ساحرة انطلق من جانبي وجعل الجميع ينتبه إليه ويشرئب بعنقه ليعرف مصدر الصوت : ” حبيبي …” كان الصوت ناعما ودافئا يدغدغ المشاعر ، و تفطنت إلى أنه من الهاتف النقال للفتاة التي تجلس إلى جانبي ، وأنه مجرد رنين لهاتفها الذي جاء على شكل أغنية لنانسي عجرم .. لم أكن أنوي أن أتلصص على هذه الجميلة التي تجلس إلى جانبي لكن همسها وصل إلى سمعي : ” وصلنا إلى طريق مسدود ، أبي لن يتراجع عن موقفه .. ” ثم أغلقت هاتفها كأنها تريد أن تقطع خط التراجع . كنت أشم رائحة حكاية عاطفية توشك على نهايتها … وعدت أغرق في صمتي كما الآخرين ، لكن الشاب خالد بصوته القوي مزق صمت الحافلة ” أدي .. دي .. “أحسست صمت الجميع يتمايل على هذه الأنغام الراقصة التي جعلت العالم يرقص لكلمات لا يفهمها . لم أفاجأ – هذه المرة وانا أرى الشاب الذي يقف في رواق الحافلة يمد يده إلى جيب سترته ، ويرد دون تحية : ” انتظرني ، لقد وصلت ، دقيقة واحدة ” لم يمهلني حتى أقيس نبض هذه الدقيقة كم تساوي عندما ، ربما تمتد إلى ساعة ، واستطرد : ” الملف كله جاهز ، أتمنى أن يكون وعدك لي بالوظيفة هذه المرة صادقا ” أثار هذا الشاب انتباهي ، فلم يكن في مظهره ما يدل على أنه من غير وظيفة .. كان في كامل أناقته ، عطره المتميز أباد كل رائحة كريهة تنبعث من أرجل تتزاحم على شبر أمل ، والمحمول الذي في يده يبدو باهظ الثمن . وانا أحاول أن أجد تحليلا لهذا الشاب الذي تبدو عليه الرفاهية وهو عاطل عن العمل ، ارتفع صوت رجل يحتل مقعدا خلف السائق ، حسبته يتشاجر مع جليسه : ” قلت لك ألف مرة ، ما نقدرش نشري الزيت والسميد والسكر والقهوة مع بعضهم ، هذو لا زمهم شهرية كبيرة ونا جيبي فارغ .. ”
عرفت أن الشجار مع زوجته القابعة في البيت ، وأنها تملي عليه قائمة الطلبات التي يعود بها مساء . كان الرجل غاضبا وساخطا ، ولكن هذا لم يمنع الركاب من أن يبتسموا لشجاره مع زوجته الذي رأوا فيه نكتة صباحية تلقى عليهم بالمجان ..
” قسما بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات ”
كدت أقف تحية للعلم ، فقد علمني جدي كيف أقف معتدلة ، ساكنة وخاشعة عندما أسمع النشيد الوطني لأن الوطن قطعة قدسية ، لكني تفطنت إلى أنه رنين هاتف محمول لكهل يجلس مجاورا السائق، كان يتحدث همسا فلم نتبين كلامه ، لكن لا أنكر أنه جعلني أستحضر ذاكرة جدي وحكاياه عن ثورة علمت العالم كيف يثور ، وملامحه التي تغريك بالجلوس إليه والاستماع له …
يا لهذا المحمول الذي جعلنا نقول أوجاعنا وأسرارنا على المكشوف ، لم يعد لنا ما نستره أو نخفيه عن الآخرين : قلوبنا ، جيوبنا ، أفكارنا ، مشاعرنا ، أصبحت كلها على المكشوف .. على المحمول ، ولم يقطع حبل تفكيري إلا قهقهة السائق الذي كان يقود الحافلة بيده اليسرى وهو يحاول أن يتجاوز سيارة أمامه ، ويده اليمنى تقرب المحمول من أذنه ليعيش لحظة فرح مع صديق له في الطرف الاخر ……….. وقطع قهقته دوي عاصف هز الحافلة وهزنا معها إلى فوق ، إلى تحت ، لا ندري ، ولا ندري أصاعقة نزلت من السماء ، أم بركانا خرج من رحم الأرض .. دوي هز الحافلة بمن فيها ورمى بها إلى فراغ مجهول …………..
إلى أي نفق يدخل الإنسان عندما يخرج من عالم الأحياء ويرفض أن يستقبله عالم الأموات ؟ هل يبقى ممددا بين بابي الموت والحياة يقتات من فراغ لا لون له ؟ أم يظل معلقا بخيوط واهية بين الأرض والسماء في انتظار سقوطه ؟
لا أدري كم مر من الوقت وأنا داخل هذا النفق المظلم ، بل وأنا معلقة بين الأرض والسماء ، كل ما أدريه أني أفقت على لساني يابسا ، وكأني لم أذق الزاد شهورا ، وشفتي متشققتين بحاجة إلى قطرة ماء تلملم ما تشقق منهما .
ـ ماء .. ماء .. قطرة ماء …….
لا أحد سمعني ، أو لا أحد يريد أن يسمعني .
فتحت عيني فرأيت من وراء ضباب بياضا يتضح شيئا فشيئا ، وسمعت صوتا دافئا يأتي من قريب :
ـ حمدا لله على سلامتك ، كتب لك عمر جديد .
عرفت أنها الممرضة ، واني داخل المستشفى ، وقبل هذا …….. وقبل هذا كنت داخل الحافلة متجهة إلى عملي في المستشفى حيث ينتظرني كثير من المرضى والجرحى في قسم الاستعجالات ، وحدث….. أي رأسي ثقيل ، ويؤلمني ..
وبعد ان خرجت من غرفة زجاجية المنافذ ، عرفت أن الحافلة التي كانت تنقلني إلى عملي اصطدمت بشاحنة كبيرة كانت تسير في الاتجاه المعاكس وتحولت إلى حطام ..
أردت أن أتحرك ، فما استطعت ، مددت يدي وحركت رجلي اليمنى وأردت ان اتبعها باليسرى فإذا بيدي تذهب في فراغ رهيب يشبه الفراغ الذي كنت أراه في جسد جدي عمار …
جدي كان يملك قدرة عجيبة على سرد الأحداث ويجعلك تجلس إليه وتستمع لحكاياه وذكرياته المحفورة في جبال جيجل وغاباتها الكثيفة المتشابكة . بعد صلاة العشاء كنا نلتف حوله ، وأحرص على أن اكون الأقرب إليه ، وكاني أريد أن أملأ فراغ رجله المبتورة . كان ينظر إلينا الواحد بعد الاخر ويقول مبتسما :
ـ رجلي تركتها على الحدود بين تونس والجزائر ، ولا أدري أي تراب واراها . حينما كنت شابا يافعا كانت الحماسة تاخذني لتضعني في مقدمة كل عملية فدائية يقوم بها المجاهدون ، وكانت آخر عملية قمت بها مع الإخوة هي إدخال السلاح من تونس إلى الجزائر ، العملية كانت كبيرة لأنها تستهدف ثكنة عسكرية وكنا بحاجة إلى السلاح في أقرب وقت ، لم أرجع إلى البيت ، لم أقبل ولدي كما تعودت عند الاقدام على عملية الموت فيها أقرب إلى الحياة .. والأوامر أن ندخل الأراضي التونسية ونعود بالسلاح الذي يكون زادنا في العملية .. الأسلاك المكهربة كانت تفصل بيننا وبين العبور ، مر الجندي الأول ، والثاني .. وكنت في كل مرة أعمل المقص العازل لأوسع لهم فتحة العبور حتى تتسع لأكثر من جندي ، لكن الرصاص الذي كنت أسمعه من بعيد بدأ يقترب مني شيئا فشيئا ، حتى لم يبق مجاهد واحد لم يعبر.. رميت كل ما في يدي ، وحاولت العبور لكن الرصاص كان أسرع فأصاب رجلي اليمنى ، وقعت وانا أشير إلى إخوتي أن يتابعوا سيرهم ولا يلتفتون إلي ، فالعملية أكبر من من الالتفات إلى جسد يتهاوى .. ودخلت في غيبوبة لأستفيق وانا في الأراضي التونسية داخل مستشفى .. حاولت أن أتحسس رجلي المجروحة فإذا بيدي تذهب في فراغ رهيب .. تألمت كثيرا ، ليس لأني فقدت رجلي ، بل لأني تمنيت لو أني سقطت شهيدا ، فالوطن أكبر من أن نفديه ببعض جسد ………….
وانتبهت من حكاية جدي لأراه يدخل غرفتي يسبقه عكازه الذي رافقه لأكثر من نصف قرن .. اقترب مني ، جلس إلى جانبي وقد هرب منه كل الكلام الذي يواسيني به .. أجهشت بالبكاء وانا ألقي برأسي في حجره ولسان حالي يقول له : عندما كنا نسألك عن ساقك المبتورة ، كنت تشمخ برأسك وانت تروي قصتك لأنها عربون محبة للوطن ، وأنا ، ماذا سأقول لأولادي واحفادي .. بل ، لن يكون لي ولد ولا حفيد لكي أروي له مأساتي التي صنعتها حماقة جعلتني أفقد ساقي اليسرى ، وأفقد معها قدرتي على التفاعل مع الحياة بشكل طبيعي .. سأعيش عمرا مبتورا ومفرغا من كل الأحلام …..

السابق
حظ
التالي
الوصول إلى ناصية الحذاء

اترك تعليقاً