مقالات

سوق عكاظ

أسجل دخولي، وأنا عازم على الإبحار في مجاهيل هذا العالم الأزرق، الذي ترقص أعمدته على الشاشة كلما حركت أزرار حاسوبي، فلا تستقر على حال٠ وقتها، تحملني ذاكرتي المجنونة إلى الماضي، إلى ماضي العرب، إلى صحراء العرب، إلى سوق عكاظ العرب٠
أهيم على وجهي متسكعا بين خيامه، فأجدها تعج بكبار المبدعين العرب في مجالات إبداعية مختلفة: شعراء …نقاد فلاسفة… نحاة … بلاغيون… لغويون …كلهم كبار سجلوا حضورهم بدم القلب والروح في عالم الأدب والشعر٠
أغفو لحظة، ثم أعود أتصفح أعمدة عالمي الأزرق على الحاسوب، فأجده أشبه بسوق عكاظ الزمن الماضي، هو أيضا منصوبة فيه الخيام، منعقدة فيه المجالس، ولكن، كل من يدخل خيمة من خيامه، يلصقون على ظهره لافتة تحمل لقبا، أو اسما أو كنية، وبخط عربي جميل مضغوط، لكنها لا تخلو من أخطاء٠ فهذا فارس فرسان القصة، وذاك ملك ملوك النقد، وتلك خنساء القصيدة، هذا عندليب الشعراء وذاك رائد الكلمة، توزيع عشوائي لا يخضع لمقاييس معينة، بل يخضع للحظ فقط. أتساءل: هذه ألقاب جديدة، ربما لا توجد إلا في خيام عالمنا الأزرق، لأني تجولت في سوق عكاظ طولا وعرضا، فوجدت خيامه تخلو تماما من هذه الألقاب، وحتى إذا وجدت، فإنها تكون ألقابا مستوحاة من حدث أو من حالة اجتماعية لصيقة بحياة الشاعر، ولا علاقة لها بإشعاعه في عالم الفكر والإبداع، فهذا الملك الضليل، وذاك ذو القروح، هذا شاعر الصعاليك، وذاك جميل بثينة، هذا عروة عفراء، وذاك كذا أو كذأ أو كذا. لكني لم أجد أحدا تربع على عرش مملكة الشعر، أو اعتلى صهوة فرس النقد وامتشق حسامه، ربما لأنهم يعرفون قيمتهم أكثر من غيرهم في أجناس الأدب في ذلك العصر، الذي استحقوا فيه فعلا هذه الألقاب والأسماء، لكنهم ترفعوا عنها وتركوا هذه المهمة للتاريخ، فهذا حكيم الشعراء بقدره وقدراته الإبداعية في فلسفة الشعر والحكمة، كان يرضى بأن يعرف بين الناس برهين المحبسين لا بملك لمملكة الشعر٠ فتساءلت : هل أصبحت هذه الألقاب المجانية أرقاما ترتيبية تطرز على صدريات شعراء، أو نقاد، أومبدعين مفترضين؟ أم أنها مجرد خواتم خطبة، لا بد من حملها؟
رأيت عالمنا الأزرق يعج بهذه الأسماء والألقاب، التي لم أجدها ولو في خيمة من خيام سوق عكاظ وجلساته الأدبية، وصراعاته ومقارعاته النقدية. فأقسمت برأس أمي، وبشرف أبي أن ألج هذه الخيام على امتداد زرقة عالمنا الأزرق، فربما أجد فيها ما لم أجده في سوق عكاظ العرب، فقد يوجد في بحر عالمنا الأزرق ، ما لا يوجد في بر سوق عكاظ.
قررت أن أقتحم عالم اللغة، وأغوص في مجاهيل الإبداع والمعرفة، علني أبحر في هذا العالم المتخم بالتناقضات، دون أن أحتاج إلى مراكب أو مجاديف، فربما أجد ما يبرر كل هذه الألقاب والأسماء التي خبا بريقها في سوق عكاظ، فأبصم بالعشرة لحامليها، أوأقر بأنهم فعلا يستحقون أن يكونوا ملوك شعر، وفرسان نقد، ورواد لغة٠ لكن بمجرد اقتحامي فضاء لغة عالمي الأزرق، وفي حدود ما تسمح به قدراتي المعرفية، فوجئت بالجملة العربية تستغيث، وتطلب النجدة، لأنهم لم يؤلفوا بين ما اختلف من عناصرها كما دعا إلى ذلك الجرجاني ، بل فاقموا الاختلاف، ولم يعرفوا للائتلاف سبيلا، وبعبارة أخرى، كانت الكسكينة تذبح من الوريد إلى الوريد بسكاكين ينقصها الصقل والشحذ٠ ولكن بمن كانت تستغيث؟ أتستغيث بي- أنا القاريء البسيط – فأنا لا أحمل على ظهري ألقابا، ولم أتوج بتيجان مملكة الشعر، ولم أوسم بوسام النقد، فما أنا ملك شعر، ولا رائد قصة، ولا فارس لغة، ولا من جهابدة نحو.
أرق لحال لغتي المقهورة في زمن الإقصاء والقهر، فأحاول أن أتدخل، فربما أرمم ما انهد من نحوها وتركيبها وفق قدراتي المعرفية، لكن تنهال علي الشتائم من كل الجهات في هذا العالم الأزرق الغريب غربة لغتي بين أهلها وذويها٠ فمن أين أتتني هذه الشجاعة الوهمية ؟ كيف تجرأت -بالنقد والانتقاد- على عظماء عظموا أنفسهم، وتبادلوا بينهم العظمة، واقتسموا وزيعة الألقاب، وكأنهم يتبادلون باقات الزهور أو أطباق الحلويات في أعياد الميلاد٠ كيف لي -أنا الصعلوك – أن أخدش كبرياء هؤلاء الذين شرفتهم خيام سوق عكاظ هذا العصر الأغبر الأقفر بهذه الألقاب التي يختارونها حسب الذوق والمزاج، وتفصل على المقاس كما تفصل السراويل، فيمارسون اغتصاب اللغة باسم الإبداع. كلنا نغتصب اللغة، وقد نغتصبها جهلا بقواعدها ومقوماتها النحوية، ولكن بدون تزكية أو مباركة أو دعم باطل من أمراء وملوك خيام سوق عكاظ عرب الضحالة والفقر٠
فالويل لكل غريب اقتحم خيمة من خيامهم، وتجرأ على تغيير منكر، أو طاوعته نفسه للنهى عن جريمة ترتكب في حق هذه اللغة الغريبة في أوطانها، لأنه سيكون، لا محالة ، مثار سخرية بينهم، فهو القزم الذي يتطاول على أسياده من فرسان وملوك ورواد، لذا يفتى بالإجماع في حقه بالإقصاء والتهميش والحرمان من ولوج خيام سوق عكاظ المزيف٠
في سوق عكاظ هذا، تراودني أفكار تصب النار على زيتي، فهؤلاء العظماء الذين يستحقون أن يختم منهم على الجبين بخاتم هذه الألقاب، ترفعوا عنها تخلصوا منها تواضعا، فاستغنوا عنها، واكتفوا بأسمائهم العادية (فلان بن فلان بن فرتلان )، وفي أحسن الأحوال، بلقب معلم، أو شاعر، أو ناقد، دون امتطاء صهوة فرس النقد، أو اعتلاء عرش مملكة الشعر، فيتركون تلك الألقاب الرنانة والأسماء البراقة لمن يدعيها دون أن يستحقها، يتركونها لعشاق البريق والشهرة المزيفة، ليعيثوا في اللغة فسادا٠
فماذا سأفعل يا ترى؟ لقد أصبحت جزء لا يتجزأ من هذا العالم الأزرق بما له من إيجابيات وما عليه من سلبيات، فأنا ملزم بالتسوق من سوق عكاظ هذا، إذا أردت مواكبة العصر: أتسوق شعره وأدبه ونقده وإبداعه بصفة عامة، رغم أني أدرك حق الإدراك أن الفوارق شاسعة بين عكاظ الماضي وعكاظ الحاضر. بين عصرهم وعصرنا، هذا المحكوم بالتكنولوجيا والمعلوميات٠ والفرق بين وواضح، فهم كانوا يلبسون العمامة ويحترمون اللغة احترام أنفسهم، ونحن نلبس البدلة المكوية وربطة العنق المزركشة، ولا نحترم لغتنا، هم يتميزون بالصدق في ألقابهم وأسمائهم، ونحن نمارس لعبة التزوير وانتحال الشخصيات وتزييف الواقع، ونحن نعلم أن هذه التسميات والألقاب أصبحت توزع مجانا محاباة أو نفاقا، وليس حسب حياة أدبية عريضة يحياها منتحل اللقب، أو حسب إشعاعه الإبداعي والفكري، هم كانوا أكثر صدقا مع أنفسهم، ونحن أصبحنا نعشق ممارسة الكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، ونجري لاهثين وراء سراب أسماء مزيفة٠ فما أقسى أن تكون على وعي بأنك تكذب على نفسك! هو الضمير سيصحو في يوم من الأيام، وسيحرقك كحمم البركان الخامد إلى آخر عظمة٠
هم كانوا يتحكمون في مغاليق اللغة فتطاوعهم، يدفعونها فتتدافع أمامهم سلسة عذبة كالماء الزلال يتسرب بين الأصابع٠ نحن نمارس عليها العنف، فتتمرد علينا، وتهرب منا الحروف، فنلحن كالأعاجم، فتخلق في قواميسنا فوضى اللغة وتخرج عن طوعنا نطقا وكتابة، نضرب الأخماس بالأسداس، ويختلط علينا الحابل بالنابل٠
هم كانوا حكماء وفلاسفة لغة ورواة، كانوا بحارا من الدرر والجواهر، فاستحقوا ألقابهم عن جدارة، لكنهم ترفعوا عنها لأنها كانت في نظرهم من الصغائر٠ استحقوا لقب الشاعر لأنهم كانوا شعراء، ولأنهم نظموا الشعر، فجعلوه يخرج عن حدود الزمان والمكان، ويكسر حواز الجغرافيا، ثم ينحى منحى العالمية٠ أما نحن، فماذا فعلنا حتى نستحق إلصاق هذه الألقاب بظهورنا، وكأنها شارات تعريف، أوأوسمة مزورة توسم بها صدور جنود جبناء في المعارك ، شجعان أوقات السلم والسلام؟ ماذا فعلنا حتى نستحق هذه الألقاب؟ والله، إنك تستطيع أن تقبض على الجمر، ولا تستطيع القبض على لقب وشح به صدرك قراؤك٠
أدخل – في بعض الأحيان- صفحة قاص، أو شاعر، أو ناقد، تطفلا أوحبا في المعرفة، فأجد منشورات خجولة، لا تفلت – أبدا- من تمرد لغوي وضحالة فكرية، وهناك من لا تجد في جعبته شيئا يذكر وصفحته تحمل أعتى الألقاب٠
اللقب عنوان العطاء والترفع عن الدنايا والصغائر، اللقب بحر بلا شطآن، نهر بلا ضفاف، ربع بلا تخوم، فهذا هو اللقب الحقيقي، ماعدا ذلك فإنه مجرد اغتصاب، أوانتحال شخصيات، وربما سيحاسبنا أبناؤنا في يوم من الأيام، لأننا كذبنا عليهم وبعناهم الوهم، وتظاهرنا بالعظمة، ونحن لا نساوي حبة بصل٠ والله أهون علي حمل الجمر في يدي من حمل لقب يطلقه علي قرائي لأني أخاف أن أخذلهم، فتظهر حقيقتي غير تلك التي خلقوها في أذهانهم٠

السابق
عشتُم!
التالي
عقد

اترك تعليقاً