القصة القصيرة جدا

سيجارة وشيفون…

…عند عودته كانت كلّ حقائبه مكتنزة بالشيفون الفرنساوي، وليس في جيبه إلا بعض الفرنكات وعلبة سجائر توشك على النفاد، كانت أمنيته ألا يعود في هذه الفترة إلى زوجته وأولاده إلا بعد أن يشتري هدية ثمينة لهم، وليس شيفونا. يشعر بشيء من الاحتقار، والإهانة عندما يتذكر غرفته الباريسية وأصدقاءه المغتربين وموسيو فان الذي أحسن معاملته، ورغم ذلك لم تكن الإقامة مريحة والشغل عزيزا، يتذكر الوالد الذي مات لما كان يقيم في البادية ويعلّمه «الصرحة» ويتركه أحيانا وحده يرعى الغنم التي لم تكن ملكهم، مالكها في الحقيقة سي بن طبال المعروف بنفوذه الفرنساوي، والحظوة التي نالها من «قياد» المدينة، ويحذّره من اللصوص والذئاب ولذلك لا يبتعد كثيرا عن البيت الهرم والحوش الذي يحشر فيه الجميع، بما في ذلك الشياه والحمار والكلب والدجاج… عندما يتفقده سي بن طبال يسأله عن راحة الشياه وصحتها، بينما لا يستر عورته إلا قندورة رثة خاطتها له أمّه قبل أن تصاب بالسل الذي ضرب المدينة وأودى بحياة كثير من أبناء الريف، ثم تموت في زاوية من زوايا البيت الخرب، ليجد نفسه في أحضان باريس بحثا عن السعادة…
…الشيء الوحيد الذي كان يطمئن إليه بعد فراغه من الشغل سيجارته التي يحسن امتصاصها لساعات بحرفية كبيرة، تعلّمها من موسيو فان الفرنساوي الذي أحسن إليه وأوكل إليه بعض أسرار الشغل بعد غيابه، حتى عملية الارتشاف لم تكن عادية، تعلّم كيف يحتسي جرعات كأسه أنتظام، واكتشف بها أسرار بقاء النكهة ولكنها نكهة فرنساوية على الأرجح… عندما يستهلك كل سجائره ذات الأعقاب الطويلة والمعالَجة، كما حاول موسيو فان أن يقنعه بذلك، لكن ذلك لم يصرف نظره عن سجائر السوفي التي ارتبطت بأحلامه لما كان صغيرا، ويشدّه فضول قوي لمعرفة سرها وحبّ مشايخ الحي لها، الحي الذي ترعرع فيه، وكان من حين لآخر يسترق السمع إليهم وأحيانا يقضي ساعات طويلة بالقرب منهم ينتظر بقايا سجائرهم ليتذوق نكهة السوفي التي توشك على الانتهاء، ويشبع نهمه في النظر إليهم وهم يبرمونها بحرفية كبيرة وأحاديثهم تمخر ذاكرة الأحياء والأموات باستمرار… وفي نفسه رغبة شديدة للعودة إلى الأسرة والبيت والحي وسماع صياح الديك ونباح الكلاب، وهو يهش بعصا أبيه النعاج ومعزات قليلة في الحي. تذكر ذلك لحظة تقلّبه في فراشه ولسعات الناموس المحرقة تقتات من دمه أيضا.

السابق
انحراف
التالي
تعلق

اترك تعليقاً