القصة القصيرة

سيرة خروف

كنت احلم في أن أكون يوما ما كبشا أقرن أملح يخطف انظار الباعة والمشترين في تلك المناسبة الدينية التي يحتفل بها كل مسلم.
كنت أذهب مع أمي للمروج وأنا لا زلت حملا أرضع مرة وأتذوق العشب الأخضر تارة أخرى.
الراعي يعزف على الناي حتى يغفو ويغفو كلبه، ونبتعد شيئا فشيئا حتى ينقض الذئب على إحداها ويسمع لها ثغاء مبحوح ثم يقوم مهرولا يركل الكلب حتى يعوي وينطلق مسرعا نحو مصدر الصوت..
لم يجد الراعى سوى الصوف المتوغل في أطراف الغابة. سب ولعن الكلب ونسي أنه المسؤول عن رعيته..
عاد الراعي مهموما إلى بيته يشكو لزوجته ما أصابه فلم تزده إلا لوما وتوبيخا..أما أنا فقد افزعني هذا الانفلات الأمني وأيقنت ان ناقوس الخطر قد دق وربما تأتي ساعتي في أية لحظة أكون فيها لقمة صائغة في فم ذاك الذئب الشرس..
فارقت ثدي أمي رغم عني فطمتني بركلات موجعة ، لم تعد تحتملني .بدأت أعتمد على نفسي في اكل العشب والبلوط.. وأحمي نفسي بنفسي لأنني لم أعد أثق في وفاء الكلب فهو يجلس قرب سيده الراعي.. يظل نائما كسيده ينتظر كسرة خبز او بقايا طعام.
أتى فصل الصيف واشتدت الحرارة وقل الماء والمرعى وكبر الصوف على ظهري وقرناي برزا قليلا..موجة الحر مع هذه الظروف أصابتني بصداع في الرأس وانسداد الأنف من كثرت ما اشم من غبار متطايرا اثناء سيرنا للمرعى كل صباح..
بدأت أتخطى هذه الفترة لأصير كبشا صغيرا مرغوبا فيه..لكنني مرضت يوما فلم أعد آكل جيدا وبدأت أتخلف عن القطيع فلم يجد من يعتني به في البيت حتى كاد المرض يقضي علي، ثم تداركتني يد الراعي وبها بعض الاسعافات الأولية والحمد لله أن اليد الأخرى لم تكن بها شفرة. قلت متأسفا :
حالتي كالراعي الذي يرعاني إذا مرض لا يذهب للطبيب ولا الطبيب يأتي إليه كأننا في المنفى بلا مستشفى.. يلف على رأسه البصل والبطاطس ويدق الأعشاب ويشربها فهو لا يطمع في طبيب يقطع كلمترات ليخدمه ويقدم له العلاجات فكيف بي أنا! لا أحلم يوما بأن يأتيني طبيب الحيوانات فيفحصني او يقدم لي الدواء ليعالجني..
ما كان لي إلا أن فتحت فمي للراعي رغما عني وتجرت كأسا من اللبن الحامض وكان بفضل الله كافيا شافيا.
..أصبحت كبشا أشحذ قروني في الأكباش الصغار وأتعلم المبارزة والدفاع عن النفس.. ولو صادفت ذلك الذئب الوقح لبقرت بطنه وشربت من دمه.
رافقت أمي والقطيع إلى أرض يبس عشبها إلا على حافة الخطر جنبات الوادي يوجد عشب مغري.
الراعي مسرور بي لاني بدأت اكبر في عينيه وقريبا يبيعني وأفر له دخلا مهما. ثم يشتري ما شاء ويستطيع لأولاده من الملابس..أخذني في سيارة مع خليط من الجديان والخرفان حتى ظننت أنني في رحلة إلى مرعى حضاري يكثر فيه العشب الأخضر والماء..
خاب ظني عندما حشرت بين مئات الأكباش في رحبة السوق نتصارع من أجل صاع من شعير مغبر ومحشو بالروث والتراب..
فجأة طلع علينا الطبيب يحمل أذواته في المحفظة..بدأ يتحسسنا ويفتح أفواه بعضنا ليتأكد من سلامة جسمنا..
تعجبت كثيرا وتأسفت حين راجعت ذكريات الطفولة في مراعي البادية النائية التي عنيت فيها وعان الرعاة كلهم
فلم نر طبيبا لا للإنسان ولا للحيوان. فياترى ما الذي اتى به الآن؟
لا شاك أن هناك مصلحة ملحة. كم أنتم مصلحيون!! تذكرت ما كانت تحكيه لي امي يوما ما فقالت : ما إن يأتي هذا الوقت بالضبط حتى يجمعوننا في الأسواق ويتظاهرون باعتنائنا وحسنهم ورفقهم بنا اكثر من اعتنائهم بأولادهم.. هكذا روت لي أمي النعجة..
كنت من نصيب أحد البسطاء .اخذني بقوة من رجلي يجذبني اليه. كان يرى بين الأكباش كالقط الضائع عن مسكنه، ورغم ذلك كنت افرض وجودي بين الأكباش ذوا القرون الملتوية اتبارز معهم حتى احظى ولو بقليل من الأكل والعلف وأقوى على الزحام وكثرة ما يحملني هذا وينزلني الآخر بقوة لقلة وزني ونحافة جسمي وما اغراهم سوى صوفي الكثيف..
باعني الراعي في اخر لحظة وفارقت رحبة السوق وكلي أمل في ان اصل للمرعى المنتظر..
لأول مرة اصعد الدرجات المبلطة .تلقت حفاوة كبيرة ..كل أهل البت يقولون لي مرحبا بك جئت اعلا وحللت سهلا ..اقعد فانت الطاعم الكاسي.
..تبن وشعير وبقايا الفواكه وذكريات ألتقطها مع الصغار والكبار والفرحة تعلو وجوه الجميع..
ظنت أنني حققت حلمي وبلغت مطمحي وسأعيش مكرما معززا لا اشكو الجوع ولا العطش ولا المرض..
حل يوم العيد ثم حلوا عقدة الحبل التي في رجله وهم بالخروج فاذا بالأسرة تجتمع حولي وتنقض عليه وتشتد وثاق ارجلي بإحكام..قلت في نفسي أهذا مزاج أم انني وقت بين ذئاب أخرى تمشي على رجلين ولها طريقة مختلفة في الافتراس؟
داعبني ذلك الرجل المسكين في عنقي على اكف عن حركاتي ومحاولتي في الفرار، وما هي إلا لحظة حتى سمعته يبسمل ويكبر فايقنت الرحيل

السابق
مناجاة
التالي
دُخان

اترك تعليقاً