النقاش العام

شعريّة البناء

كان الكاتب قديما، الذي نسميه اليوم بالمثقّف، عامل بناء لا معول هدم، لم يغادر واقعه ولم يفكّر في برج عاجي يسكنه لوحده، إذا حرّك مشاعره مثير أو استفزّ ذهنه ظرف ينتج أثرا جميلا أو فعلا مفيدا، أو سلوكا نافعا، بعيدا عن رواسب جهله وعقد نفسه، يلغي حينها حقده الأعمى وطيش أفكاره…
فقد ساهم زهير بن أبي سلمى على جاهلية عصره في غرس روح الأخوّة وتشجيع مبادرة فعل الخير والصّلح والسّلام…فأنتج حكما لا تزال الألسن العربية وغير العربية تردّدها بحبّ وإعجاب، يعمل بها الكبير والصغير، العالم والمتعلّم…السياسي والحكيم…ولا تزالت أشعار أبي العتاهية في شتى الأغراض والمواضيع، تعبق منها روائح الصدق وحبّ البساطة، فما كتبه لا يحسنه شعراء عصرنا؛ لأنّه وعى الحياة والخَلق والطبيعة، فأبدع في وصفها وأنصف ذاته دون مغالاة، والتفت إلى غيره بسخاء في السّرّاء والضرّاء، وما أضافه المتنبي أذهل العالمين، لحسّه المرهف، وشعره المتعالي وعمق أفكاره ونظرته الفلسفية لكلّ شيء، وهذا عبد الحميد الكاتب، تمكّن من ناصية اللّغة العربيّة فأضاف إلى المدوّنة العلمية في الكتابة والتقويم والتحسين ما جعل أجيالا بعد أجيال تغرف من معينه بانبهار…وأمّا البشير الإبراهيمي والكواكبي والعقاد والرّافعي…فإنّنا نقف مشدوهين أمام ما أنتجوه من أدب وفكر وعلم وبلاغة وإبداع ونقد فيجعلك جميعهم مقلّدا، لقوّة التعبير لديهم وذكاء تفكيرهم، وحضورهم اللّغوي العجيب…

السابق
يوم بلغنا الأربعين
التالي
احباط

اترك تعليقاً