القصة القصيرة

شهادة للبطالة

يرتمي في حضن فراشه رمية اليتيم المنبوذ في حضن أمه.. يشعر وأن كل شيء يهتز تحت قدميه.. لم يعد قادرا على الوقوف.. تكتنفه رعشة باردة لا يدري لها سرا..
تتوالى النكبات لتحيط به من كل جنب يخال لك وأنت تراه لأول مرة وكأن كل خلجة في أعماقه تشتهي الصراخ.. ينقلب في سريره ذات اليمين و ذات الشمال تقلب رجل ضرير محتضر على سرير الموت..
يغمض عينيه محاولا الغرق في غفوة طويلة، لكن هيهات فالأرق يفرض سلطانه عليه.. كيف يأتيه النوم وقد تجرع في غمرة يومه هذا كؤوسا علقمية لو وصل طعمها أحشاء الجمال لبجها..
يتطلع بعينين حمراوتين يؤكلهما الحزن والقلق .. يستقر بصره على المكتبة .. ينهض من سرير الاحتضار يتناول كتابا تآكلت جوانبه واسود غلافه بعدما اتخذت منه الصراصير منتجعا للعيش والتكاثر..
يقلب الصفحة تلو الأخرى، تشده شياطين الحيرة والوساوس، يضع الكتاب جانبا ثم يدير جهاز التلفزيون.. فيلم مصري.. يغير الموجة.. حفل سهر بالقناة الثانية.. يغير الموجة ثانية .. أخبار سياسية عن صراعات دامية وحروب أهلية وكوارث طبيعية .. يغلق الجهاز ويتمدد محاولا استرداد أنفاسه من جديد.
العينان تنكمشان من شدة الألم.. رشق سيجارة بين شفتيه.. أشعلها ثم صنع سلاسل من حلقات الدخان ليغرق في حالة شرود محاولا قطف رياحين الذكريات من رياض الصبا وأيام الدراسة عساه يصد عن نفسه سيول الأحزان والمحن ولو ليلة واحدة..
يستحضر متذكرا: ” كنت أنجب طلاب الجامعة على الإطلاق” كم من الجوائز والأوسمة استلمها تحت تصفيقات وتهليلات ومباركات الأساتذة والمسؤولين ..
لكن ما الذي يحدث الآن؟ لماذا هو غريب عن هؤلاء؟ لماذا ينكرون معرفتهم له كلما قصدهم؟ هل هي بوادر إخطبوط البيروقراطية والمعارف والأكتاف؟
سكن الليل نحو الهزيع الأخير … يتذكر بأنه غدا على موعد مع أحد معارفه كان قد كلمه عن إمكانية توظيفه بأرشيف إحدى الشركات..
مع أول خيوط الفجر وصوت المؤذن يدوي الأرجاء يغادر داره في الشارع حبات البرد و زخات المطر بللت وجهه ومعطفه الخشن.. يعرج نحو المقهى وينزوي في ركن قصي. يفصله على الموعد ساعة واحدة، يطلب قهوة ويستعير من جالس على يمينه جريدة. يفتحها على صفحة الإعلانات فربما يجد ما يبشر بتوظيف حاملي الشهادات العليا، لا جديد يذكر.. يترك المكان ويرحل باتجاه الشركة.
يستقبله البواب بوابل من الأسئلة: ما اسمك؟ وما حاجتك؟
رجل ثرثار يحاول إيهام الناس بأنه محل حل وربط أمور الشركة.
بعد لحظات وجد نفسه أمام شابة ذات جمال صارخ.. عيناها سبحان المعبود
فمها كالعنقود وشعرها ذهبي مردوف على أكتافها .
بابتسامة طرية ونابضة سألته: هل من خدمة أقدمها؟
رد قائلا: هل سيادة المدير موجود ؟ .
تسأله مرة أخرى: هل من موعد سابق؟
أخرج من جيبه بطاقة صغيرة فكانت تلك بمثابة تأشيرة لدخول مكتب المدير.
لم يطل سيادته المقابلة كثيرا، ليطلق ابتسامة باردة قائلا: ” آسف فالشركة لا تستطيع توظيفك حاليا، لكن لا تقلق فملفك قيد الدراسة وسوف نشعرك بالجديد مستقبلا !.
كانت هذه الكلمات مثل دوي قنابل خرقت مسامعه فانبعثت من عينيه دمعتين خانته الإرادة في مدراتهما..
وهو يعود أدراجه يلوذ حزنا نساءل: كيف يتحول كل شيء ليسير في غير الطريق الذي رسمته وبذلت لأجله دمي ونبضي. داخل غرفته وأمام إطار علقت به الشهادة العليا انفجر مرددا:
“ليتني اختصرت الطريق مثل عبد القادر.. إنه اليوم صاحب محل كبير وسط المدينة. ليتني هاجرت مثل عبد الناصر انه يملك سكنا كبيرا و سيارة آخر طراز.
بعد رحلة مد وجزر ما بين السؤال والجواب أطلق قهقهة دوت الأرجاء وأمسك إطار شهادته العلمية رماه أرضا ثم داس عليه بقدميه صارخا..
إنما الأمم المعارف ما بقيت…… فإن هم ذهبت معارفهم ذهبوا.

السابق
اصطياف
التالي
يبحث عن النهاية

اترك تعليقاً