القصة القصيرة

صدمة حب

عتدت أن أسجل نصوصي صوتا على هاتفي قبل أن أنقلها للأوراق ثم للحاسوب.. لذلك أغلب ما أكتبه يبدو كمجرد خطابات أحدث بها نفسي، أو كمجرد سرد شفهي أؤنس به وحدتي قبيل النوم.. ونصوص كثيرة سجلتها وسط الأزقة، بين زحمة الناس لحظة ينشغل الجميع بنفسه، لحظة لا يهتم أحد بأحد لأن في الذات أشياء كثيرة تمنعنا من الانتباه للآخرين وإن كانوا مختلفين.. نصي هذا لم يكتب له أن يسجل.. هكذا وجدتني أخط بدايته على خلفية ملف أصفر، هاتفي تركته في البيت، لم أجد سببا يجعلني أضعه في جيبي ككل يوم فما عاد أحد يتذكر رقمي الذي لم أغيره لسنوات عشر، مازال هو نفسه كما أزال أنا نفسي.. اكتفيت بحمل قلمي وبعض الأوراق وسط هذا الملف الأصفر وغادرت..
أكتب نصي هذا وسط موقف سيارات هنا في قلب المدينة.. في انتظار من لم أقابله قبلا ولا أظنني سأقابله بعد لقائنا هذا.. هكذا هي بعض اللقاءات في حياتنا، تحدث مرة واحدة وبعدها نتألم للأبد أو قد نسعد للأبد.. قد يكون اللقاء الذي يغير حياتنا وقد يكون اللقاء الذي يجعلها أكثر سوادا..
ما كان لقاء مدبرا، لا عرفتها من قبل ولا هي.. كاتب وقارئة.. هكذا كانت العلاقة صامتة على صفحات الفيسبوك وموقع “رقيم”.. لم أنتبه لها يوما للحد الذي قد يجعلني أكاتبها، كانت تعليقاتها عادية، لا تحتاج حتى لتعقيب.. تجاملني وتعبر لتنتظر نصا جديدا.. في الحقيقة كانت تجامل نصوصي كما يفعل أغلب القراء..
فجأة وجدتنا نتفق على لقاء بعد نصف ساعة..
– لا أعرفك لكني حلمت بك.. أعرف نصوصك فحلمت بك..
– بالضبط.. ما كان حلمك..؟
– التقينا صدفة وسط مكتبة ما بمدينة نسكنها معا.. تحدثنا وكأننا صديقين منذ زمن..
– مكتبة ما.. لنجعلها مكتبة باسم الفجر.. سأنتظرك هناك.. بعض الأحلام يجب أن تتحقق..
– قادمة إليك.. ربما نصف ساعة أو أقل..
في انتظار وصولها كتبت ما تقرؤونه لحد الآن على خلفية الملف الأصفر..
– ملف أصفر..؟ كنت أعتقد أنك تكره الأصفر بالمطلق..
كان هذا أول ما قالته تلك التي وقفت على بعد خطوتين مني.. رفعت رأسي باندفاع.. شبيهة “باريس هيلتون”.. كان هذا أول ما فكرت فيه وأنا أنظر للواقفة أمامي للمرة الأولى.. ربما للأمر علاقة بشعرها الأشقر الذي يتجاوز كتفيها بقليل، أو ربما للأمر علاقة بوجهها الدائري وعينيها الصغيرتين.. أقصر بقليل من “باريس هيلتون” وأطول بقليل من تلك الأنثى في حياتي، تلك التي تحدد مواعيدنا عبر إغماض عينيها وحط إصبعها بعشوائية على يومية هاتفها وأينما حطت إصبعها يكون ذاك تاريخ لقائنا، لا يهمها إن كان بعد شهر، شهرين أو حتى ثلاثة وأربعة أشهر.. شبيهة باريس هيلتون التي تقف أمامي اكتفت بحلم لتلاقيني بعده بنصف ساعة.. أما هي فلم تكتف بواقع نعيشه معا منذ ثلاث سنوات..
– الأصفر كالحرام.. نضطر أحيانا لفعله.. فلا شارب الخمر عطشا يدخل النار، ولا المفطر في رمضان مرضا يحتاج لكفارة..
– لك من حياتي ثلاث ساعات.. لنفعل خلالها ما تريد..
– لنحقق حلمك أولا.. دعينا نلج المكتبة تلك..
– لو أن كل الأحلام تتحقق بهذه البساطة..
– سيء أن نعتمد على الآخرين في تحقيق أحلامنا..
– ليس إن كانوا جزء من حلمنا.. كما أنت اليوم..
كانت المكتبة فارغة، لا أحد يقصد المكتبة عند الواحدة زوالا، فربما لا أحد تغريه الكتب وقت الغذاء.. لإغراء الخبز سطوة أكبر.. اكتفينا بخمسة دقائق داخل المكتبة، كان الغرض فقط أن نعكس الحلم ونتوهم أنه صار حقيقة..
– لماذا تكتب..؟
– لأحيى..
– لماذا لم تختر شيئا غير الكتابة..؟
– فشلت في أن أحترف كرة القدم.. ثم أني لم أختر الكتابة..
– لماذا كل كتاباتك حزينة..؟
– أعيش الفرح وأكتب الحزن.. أبحث عن التكامل في حياتي..
– سعيد إذن..؟
– ماذا بعد المكتبة..؟
– لنأكل شيئا..
أخذنا “ساندويتشين” من المطعم خلف مكتبة الفجر.. اختارت أن نتناولهما ونحن نمشي في اتجاه اللامكان، لحظة تعبنا أخذنا من عتبة باب إحدى العمارات مقعدا، جعلنا من ظهري بعضنا سندا للآخر بطريقة ينظر كل منا في اتجاه.. بين لقمة وأخرى كنا نتحدث كثيرا ونضحك كثيرا، بالضبط وكأننا صديقين منذ زمن.. حققت لها الجزء الثاني من الحلم..
– لم تسألني عن اسمي..
– سأسألك من تكونين..؟
– مروى.. 21 سنة.. طالبة هندسة.. فشلت في أن أحترف التايكواندو، رفضت أمي أن تسمح لي بالعودة للنادي بعد أن كسرت ذراعي في إحدى المواجهات..
– نتساوى في الفشل.. فشلت في الكرة وفشلت في التايكواندو..
– لم أفشل في الحب.. على عكسك..
– لنشرب كوبين من الشاي.. سيساعدنا الشاي على هضم ما أكلناه..
قصدنا المقهى الأقرب.. طلبنا كوبين من الشاي.. لم نحتج لنجلس، احتسينهما واقفان وعلى عجل بجانب كونتوار المقهى..
– ماذا الآن..؟
– مازال أمامنا ساعتين.. فلنمشي قليلا..
– في اتجاه..؟
– لنمشي فقط..
كنا نمشي فقط.. لا شيء آخر نفعله لذلك لم تكن خطواتنا ذات اتجاه.. نمشي متكاسلان.. نتحدث في كل شيء وعن اللاشيء..
– كيف كان عامك الذي يغادرنا بعد يومين..؟
– لم يختلف كثيرا عن الذي سبقه..
– يزعجك الزمن..؟
– لا أنتبه له حتى.. مجرد أرقام.. ماذا عنك..؟
– يزعجني الناس يا صديقي..
– الناس..؟
-لا يهم أنهم لم يفعلوا شيئا من أجلنا.. لا يهم أننا نحن من نفعل كل شيء من أجلهم.. لا يهم أنهم يكذبون طوال الوقت.. لا يهم أننا نصدقهم غصبا عنا.. فلا قدرة لنا أن نحيا دونهم.. لغ يهم كل ذلك لكن لماذا لا يرحلون وفقط..
– ما يهم يا صديقتي أنهم في النهاية سيكونون لنا.. هذا ما أطمئن به نفسي كلما أزعجني غياب احداهن..
– تحب..؟
– ربما..
لحظة انتبهت.. وجدتنا نقف على بعد خطوات من المنزل حيث أحيا وحدانيتي.. نظرت اليها برغبة وربما بتمني لو أنها ليست هي.. اقتربت منها ببطء.. تنفست بعمق:
– ما رأيك..؟
نظرتي وتنهدي كانتا كافيتين لتفهم مقصدي.. نظرت إلي.. ابتسمت ببراءة..
– هل لك أن تعانقني..؟
كان عناقا مشابها لذاك على مقربة محطة القطار ذات أبريل.. لم يطل العناق.. ضمتني إليها لثواني.. أحسست بنفسها يقترب جدا من أذني اليسرى.. لم أتوقع أنها ستقول شيئا.. لكنها نطقت بما تركني صامتا متسمرا لثواني قبل أن أعي رحيلها..
– أنت لا تستحق شقيقتي.. لقد أخطأت هي بحبك..

رحلت..

السابق
نهج
التالي
رعشةُ الوهم

اترك تعليقاً