القصة القصيرة

صديقي الحسون

لولا أن صديقي عيسى بشارة لا يزال حيا يُرزق، و يعاود تذكيري بالحكاية بين فترة و أخرى، ما تجرأت على الإفصاح عنها. فأنا ما زلت حتى يومي هذا بين مصدقٍ و مكذب لما أبصرته عيناي من وقائع تلك الحادثة، التي مرت بي أيام فتوتي الأولى. و مع أنني قد ذرفت اليوم على الستين إلا أنني ما حدّثت بها أحدا غير نفسي في يوم من الأيام، بل إنني أكاد أشك في نفسي، و أميل إلى عدم تصديقها لولا تشجيع صديقي عيسى الشاهد الوحيد، و رفيقي في مشاهدة أحداث ذلك اليوم.
فرغم أنني قد سمعت في حياتي الطويلة حكايات عجيبة عن ذكاء الحيوانات و الطيور، و قوة حدسها و بالغ قدرتها في تقصي الأثر و تتبع المسالك و الدروب، و إمكانياتها الغريزية الفائقة في الاهتداء إلى طرق العودة إلى مواطنها الأولى، و تعرفها على أصحابها الأولين و وفائها لهم، و في ذلك قصص لا حصر لها، تُروى عن وفاء الخيل و الكلاب و تعلقها الشديد بمالكيها. وكم سمعت عن جمل اشتراه شخص من بلدة بعيدة، و انتقل به بالشاحنة مسافة مئات الكيلومترات، ثم ما لبث في أول فرصة سانحة أن يمم وجهه عائدا أدراجه سيرا على قوائمه إلى موطنه الأول، و لو استغرقه السير عدة أيام في طريق لم يسلكها على قوائمه من قبل.
و لست أنسى حكايات الأرانب و الحمام الذي كنا نبتاعه من مزارع الفلاحين البعيدة عن مساكننا عدة كيلو مترات، أيام كنا نعمل مدرسين في منطقة فزان بجنوب ليبيا في سبعينيات القرن الماضي، و نعود بها إلى مساكننا في كرتونة مقفلة داخل صندوق السيارة، فما إن يلوذ أحدها بالفرار و يولي هاربا خلسة أو علانية، حتى نجد أحد تلامذتنا – الذي يكون ابن صاحب المزرعة – و قد أحضره إلينا مخفورا في اليوم التالي، ليخبرنا أنه قد عاد إلى جحره أو عشه في المزرعة.
كل ذلك و غيره كثير مما يدلل على قدرة الطير و الحيوان على تتبع الأثر، و على عميق حدسه في الاهتداء إلى موطنه، و قدرته على العودة إليه مهما أبعدته عنه. و في عالم الأسماك و البحار مثل ذلك كثير.
لكن ما حدث بيني و بين صديقي الحَسُّون أمرٌ مغاير و يفوق ذلك كله. فقد كنت في أيام صباي مغرما بصيد العصافير و الحساسين خاصة، و هي الطيور التي يؤثرها عامة الصيادين و المقتنين، لجمالها و غلبة اللونين الأصفر و الأحمر على سائر ريشها، و لأن سعرها عند البيع كان هو الأغلى، فهي تشترى للزينة و الاقتناء في الأقفاص، و ليست لوجبات الطعام كغيرها من سائر العصافير. و مع أن ثمن الزوج منها ما كان يزيد عن قروش معدودة يومها، و ليس عشرات الدنانير كما هو شأنها اليوم، إلا أن سوقها كانت و مازالت الأكثر رواجا بين سائر الطيور.
و كانت وسيلتي لاصطيادها شبكة من خيوط أتفنن في صنعها و هندستها، و ما زلت أتقن رسمها حتى يومي هذا. أثبتها بالعيدان من جهاتها الأربع، ثم أجمع خيوطها من أطرافها بخيط واحد أشده بيمناي، و أمد له مسافة مناسبة أبتعد بها إلى المكان الذي سأكمن فيه منتظرا صيدي الثمين، مبتعدا مسافة مناسبة حتى لا أنفر العصافير برؤيتي و اقترابي من مكان الشبكة، و أترك لهذا الخيط مسافة تتلاءم و وصف طرفة بن العبد حيث يقول:- ( لكالطِوَلِ المُرخى و ثِنياهُ في اليدِ ).
أما يدي اليسرى فلها نصيب من خيط آخر متصل بالعصا المناسبة التي أصنع لها من وسطها جناحين خشبيين عن يمين و شمال، و أربطهما من طرفيهما بخيطين يجتمعان في ملتقى واحد. أثبتها وأحركها عاليا و سافلا حركة خفيفة عند اللزوم، و يقف على رأس هذه الخشبة الحسون المُعدُّ لهذه المهمة، و الذي سبق أن تم تدريبه عدة أيام حتى بات يتقن عمله، فيقفز فور أن تطلقه من يدك ليقف فوق الخشبة، و كنا نسمي مثل هذا الحسون المُدَرَّب ( الغماز)، لأنه يغمز أي يومئ لبني جنسه من الحساسين و سائر العصافير الطائرة في البرية لتقترب منه، و تشاركه التقاط الحب، و هو بذلك إنما يشارك في خداعها و إيقاعها في الشرك، لكن عذره أنه لا يدري، و ربما ظن أنه يصنع لها خيرا.
إن الحسون هو الطائر الوحيد الذي يمكن تدريبه على القيام بهذا العمل، فلا يقف على الخشبة بعد طول تدريب إلا طائر الحسون وحده دون سائر الطير.
يُربط هذا الغماز بخيط مشدود من تحت جناحيه و أعلاهما قريبا من عنقه، و هو راضٍ مغتبط بهذه الوقفة التي تدرب عليها حتى أتقنها. فيمنايَ تمسك بخيط الشبكة لتشده عندما تقع العصافير أمامها، و يسرايَ تمسك بخيط الغماز لتحرك الخشبة و الحسون الذي فوقها عند اللزوم لإثارة الحساسين المحلقة و لتشجيعها على الاقتراب.
لم يكن يناسب شباكنا من مكان تُنصب فيه إلا جوار عيون الماء و الينابيع الجارية، التي تردها العصافير الظامئة في البرية لتنهل من مائها، و قد ألفت في بحثي الحثيث وراء الصيد كل عيون الماء و الينابيع الجارية في القرى المجاورة للمدينة من كل جهاتها، حتى حفظتها عينا عينا، و تعرفت على جيرانها من المزارعين و المزارعات و بت وجها مألوفا لديهم، يسأل بعضهم عني إن طال غيابي عنهم.
استمرت رحلاتي العديدة بين صيد وفير مرة و قليل مرة أخرى، حتى كان يوم قصدت فيه نبع ( الفوار ) الذي ألفته كثيرا، و اصطدت فيه صيدا وفيرا في مرات عديدة. لكنني في ذلك اليوم ما إن أكملت نصب شبكتي و تثبيت خشبة الغماز، و أخرجت الحسون الغماز من قفصه الصغير، و ربطته كالعادة من تحت كتفيه، و أطلقته ليقفز فوق الخشبة كعادته، حتى أفلت من خيوطه و حلق عاليا، و تركني و شبكتي وحيدا دون غماز، فما كان مني إلا أن لملمت شبكتي و خشبتي و عدت أدراجي خائبا دون صيد.
و إلى هنا ليست الحادثة ذات بال، و ليس فيها ما يُحير أو يُستغرَب أمره. حتى كان عصرذات يوم بعد أشهر معدودات، كنت أجلس في ساحة بيتنا في قريتنا الوادعة الصغيرة التي كانت يومها تحيا هانئة تحت إبط المدينة ملاصقة لها من ناحية الغرب، و ليس كما غدت اليوم في قلب المدينة و وسط ضجيجها و صخبها، و باتت في عين العاصفة، و فارقتها وداعة و سكينة تلك الأيام الجميلة.
و كان شاهدي الوحيد صديقي عيسى يجلس بجانبي، عندما حام فوق رأسينا طائر حسون، ثم خفض جناحيه و اقترب مني و خفق جناحيه برفق و سكينة حتى صار في متناول يدي، فمددت يدي نحوه غير مصدق أن عصفورا بريا يسلم قياده طائعا مختارا ليد بشرية دون جهد أو محاولة صيد أو اقتناص بذلتُها.
هالني الأمر الذي رأيت، و تعجب صاحبي مما رأى، و العصفور مطمئن بين يديّ، فبادرت فورا لتفقد رقبته، حيث موطن الشعر الذي أعهده منتوفا من أثر الخيط أثناء شده خلال قيامه بدور الغماز، فوجدته قد كسا قليلا لكنه لا يزال دون ما جاوره من شعر، فأيقنت أنه حسوني الذي فارقني عند نبع الفوار على بعد بضعة كيلو مترات منذ عدة شهور. جزمت بذلك لصديقي فلم يصدق، و اعتبرني أسرح في عالم من الخيال، و قال لي:
– نجربه، أطلقه فلو كان هو فسيستقر على الخشبة فورا، ليقوم بدور الغماز، و إن كان غيره فلن يفعلها، إذ إن تدريب الحسون على القيام بهذه المهمة يستغرق عدة أيام على أقل تقدير.
نصبنا الخشبة وربطنا الحسون الزائر بالخيط و أرخينا له العنان، فقفز من فوره فوق الخشبة . و تركني حائرا مندهشا متعجبا مصدقا و غير مصدق حتى يومي هذا!.

السابق
ثورة الأمواج
التالي
قارورة العطر

اترك تعليقاً