القصة القصيرة

صراخ منسي على أرصفة الخواء

كلّ يوم تحلّق أوهام الكائنات حول عينيه كما كان يحلّق بطائرته فوق سماء المدينة، يتراءى للعابرين حدود صمته أنّه شريد أبله يغرز أنفاسه في لقمة عيش أو تجوس كفّه حفنة خردة من النقود يسد بها رمق الجوع الذي ينتابه كلّما مرّوا به ،افترش رصيف خرائب المدن والتحف زرقة سماء الوجع ، هكذا كان مأواه منذ أكثر من عشر سنيين لايملك غير وحدته، ولم يكن له سوى صديق واحد، بائع الشاي الذي اتخذ من الرصيف مصدراً لرزقه ، كان رجلاً كهلاً طيب القلب يهتم به أيما اهتمام ، جاوره منذ فترة طويلة يعرف طباعه وكوامن سرّه الدفين ، كانا يحتسيان الكلام بفرح ، بائع الشاي مستمع جيد لحديثه ويقدر كل مايقوله منبهراً بما يتكلم به ، يرسم بحديثه مآسي الزمن بالدمع ، مآسي خريف السنيين ويمنحه مشعلاً من الأمل في لحظات احتضار العابرين مدن الأوغاد ، كان يعتنق تخوم الصمت ليصف بها حدود المدينة التي لفظته يوماً لأنه لم يستجب لنداءها في قتل الأبرياء أثناء الحرب التي مرّت بها، صرخ متمرداً في وجه القتلة :
– لايسعني أن أقتل بريئاً واحداً ، كيف لي أن أقصف مدينة بريئة بقنابل حقدكم ،هذه ليست أخلاق الحرب ، لايسعني إلا أن أحتفظ بأنسانيتي.
لم يكن نادماً على رغم الجراح التي نقشت بوحشية على جسده وروحه في زمن اللعنات ،زمن فقد بريق أيامه عند حافة وطن غابت عنه الشمس إلا أنه كان يشهق بأنفاس تتأرجح بين ملامح ارهاب جلاد يسحق أهداب زوجته المسكينة وبين قطف ابتسامة وليده البريئة بأقدام رصاصات حقد ليجثو فوق وهنه وانكساراته بضحكات فتحت أبواب الجحيم للقادم من الأيام، فلبث في زنزانة الليل يدقّ نوافذ المتاهة والرعب والضياع لعلّه يرى من يوقد مصابيح الغد قبل موته ،أسئلة حائرة تدور في وجدانه :
– كيف يتسنى لي أن ألجم صراخي ؟. في تلك الليلة كنت كمحاربٍ مرتعش بهزيمته مستسلماً للردى، محموم بالدهشة والحيرة وأنا ألمح وجه جلادي المستوحش برغبة القتل:
– سأطلق سراحك كي تموت ألف موتة في كل يوم يمر بك.
اختبأ سنيناً طويلة في جيب نافذة ينكسر الضوء عند حافاتها بوجل ليمنح روحه وطناً من الأمنيات، دوّن على ضفاف الفراغ زمن العاهات والقتل والتشريد وآهات المحرومين ورسم على أسوار جنون الطغاة دمعة طفل وأشلاء تبحث عن أجسادها، ورحلة الأغاني المقتولة عند قلاع سفر أتعبه المحظور. ذات ليلة تذكر أول خطواته تحت رغبة جامحة للإقلاع في أول اختبار له، كانت روحه متعلقة بالنجاح والتحدي، كانت عيناه تحلق بفرح في الفضاء الشاسع، رغبته تتمرغ بنهر من الغيوم، كان كلّ شيء جميلاً فوق قبة السماء، رسم فوق أرصفة الخواء طائرته التي حلّق بها حول سماء العمر، دندن بشوق الذكرى ، غفا على سحرضفافها ليعبر فضاءات تشبه ألق الفجربعيداً عن أسر عزلته الشاهقة بأنفاسه اللاهثة نحو المجهول .منذ أن هام في قفار أرصفة الضياع كان جثة تخفق بالصراخ ، تناهض العراء،لايدري بماذا يفكر وكيف يحبس أنفاسه ؟ لكنّه كان متربصاً بوجه الجلاّد ويهفو لِلَيله المسكون بالوحشة والآه كي يتسلق نافذ أحلامه لعلّه يرى وجه الحبيب أو يسمع وقع خطوات ابن لم تكتمل دورة ابتسامته فوق شفاه مجفّفة بالدمع والدم .وحين أفصحت السماءعن رغبتها بهطول أمطارالثأرعلى وجه هجعة وطن مشنوق ببقايا بَرْقِ أحبّته، ظلّلته سحابة بيضاء ، فأينع الرصيف رغبة عطشى لأنكشاف مجاهل سجون تعجّ بالظلمة ،وبزوغ أفق جديد، لقد هَمَت أيام الجنون بدمع أحرق جفون الأرض وشبّت حرائق الأمل في عيون غادرها الفرح حين أتى الى عالمٍ ضاجٍ بالغربة والخوف والقلق. راح يفتش بلهفة الحنين في ثنايا المقابرعن بقية دمع ، كان يحاول أن يخدع مساءات منهوكة بالظنون، إنها ماتت منذ زمن وإن لوعته ترافقه في كل الأوقات ، ثم تسكن في ثنايا أحداقه مثل غفوة نهر، ويبقى مشدوداً لخواطر ولهى للقادم من صباحات تبرق بسرّه الدفين ،لكنّ الغفوة ما كانت إلا غفلة تجنح بالأثم ، ينبجس الخداع من عثرة شوق هائم بصبوة الحمقى، كان الشارع يعصف بالقتل وكان الرصيف يتلوى قهراً بأنين الوحشة وعويل شجر تأهب للجفاف،كان بينه وبين الفجرقِطَعٌ من انتظار يرتدي صدى وطن يتدبر أشياءه المفقودة، وفي غفلة من نباح الهزائم أصابته دهشة ممزوجة بالرعب حين رأى الأمس يزيّن جدران المدينة بصور جلاده فرحاً بأمل أن يمتطي صهوة العودة :
– أترى ياصاحبي ما أرى ؟
– نعم إنّها ذات الوجوه ، تتلألأ ظلمة .
لاشيء سوى خفقة جنون تترنح خلف صراخ منسي تولّى عنه الصدى، هَمت روحه بصراخ سؤالٍ يندى له جبين الألم :
– لِمَ تنسجني جوقة الصعاليك أسلاكاً شائكة ؟ ولِمَ تنخر معبد جنوني أظفار من حجر الكراهية ؟ أ لأنني سئمت معابد الشهوة أم لأني كرهت أن أصلب على شبق ممالك هذا العالم المتجمّل بالنهيق ؟. وما كان منه إلا أن يطوي مفازات الأقدار وينسلّ حريقاً من أرصفة الوجع ، مختنقاً بالرفض والأستنكار ، يجرجر خوفه ،لكنّه ظلّ نزوة سحاب تترقرق بنكهة الظلّ، وحين يستفزّه شجون الليل وسكونه يزهر حريقاً ليستحمّ بدمه غصنٌ جفّ صبراً، غصنٌ يشجي لوعته ويطوي أذيال صراخ ما تبقى من عمره ليظلّ على أهبة الموت.

السابق
سمكة
التالي
هكذا حكم الجن اليهود البلاد

اترك تعليقاً