القصة القصيرة

صــفـــــــــــاء

ــ عجبًا للعقل البشرى !!.
هذا ما نطق به (حامد أبو ريه) عند استقباله لابنته (وعــد) و زوجها (سالم) و ولديهما (غازى و مهند) عند عودتهم فى الزيارة الصيفية المعتادة من البلد الخليجى حيث يعملان هناك منذ ما يقرب من عشر سنوات .
لم تنتبه (وعــد) للعبارة التى نطق بها أبوها ، و لا لعلامات الدهشة التى علت كامل وجهه ..
تبسمت (وعــد) و بشت فى وجه أبيها و سارعت ناحية (الشنطة) الكبيرة تفض حزامها لتخرج ما فيها من هدايا .. فى حين كان (سالم) زوجها يتطلع إلى وجهِ حَمِيه و يدقق النظر مليًّا في ملامحه ..
لم يفصح (سالم) عما كان يساوره فى تلك اللحظة تجاه حَمِيه ..
بينما كانت (رئـيفة) والدة زوجته ترقب عن كثب الانفعالات التى اعترت وجه زوجها الحبيب و الذى انبرى عن الجميع و انزوى فى ركن و جلس على الأريكة فى آخر (الريسيبشن) منفردًا وحيدًا ، و قليلا ما كان يفعل .
العبارة اخترقت آذان الجميع ، و مدارك الحِسِّ عندهم ، كانت غير مألوفة من الرجل !.
لم تقاطعه (رئيفة) أو تتدخل لتقض عليه خلوته ..
تركته إلى حين .
غاب (حامد أبو ريه) عن الجميع و سرح بعيدًا ..
يفرك عينيه و كأنه يخبِّئُ شيئًا ذو قيمة كبيرة داخلهما ..
بينما الذكريات تتكاثر حول رأسه و تحيله لشىء مملوء عن آخره ، و بدا أنه يحاول الفكاك و النجاة من النهر المتدفق نحوه و الذى يكاد أن يغرقه ..
تمسك (حامد) بآخر بارقة أمل تمر من أمامه ــ كانت صورة قديمة له معلقة على الجدار المواجه لجلسته ــ تأمل فيها من خلف نظارته الطبية ذات العدسات السميكة رأى شبابه و كامل هيئته الرياضية و عنفوانه القديم .
أخذ يقذف يمينًا و يسارًا و على طول ذراعه فى كل اتجاه كل الذكريات التى تحوم حولــه و تهد وكر فؤاده وتجرده من كامل وقاره أمام الأولاد …
لم يبقَ من كل ما هجم عليه من ذكريات سوى طيف وحيد يحمل صورة قديمة تتربع وسطها ملامح (صفاء) .
تسائل في نفسه :
ــ لماذا ذكرى (صفاء) بالذات ؟
صورتها و ملامحها تثبت و تطفو على السطح و لا تتململ خطوة واحدة من أمامه ..
ماهو الرابط بينها و بين عودة وحيدته (وعــــد) من السفر الطويل ؟
لم تَأْتِه إجابة شافية …
لم يظل كثيرًا واقفًا فى مكانه للبحث عن خلاص من هذه الأسئلة التى أثارت حفيظة انتباه من انتبه إليه ممن كانوا حوله .
راح يعض (حامد أبوريه) على أسنانه و يتطلع ببصره فى الثريا الفاخرة المعلقة فى سقف {الريسيبشن} الكبير النظرة تلو الأخرى ..
وقف أمامه سؤال واحد …
ــ ما هو السبيل للخروج من هذه الورطة ؟
و بماذا يجـيـب (رئيفة) شريكة حياتى إذا تساءلت عن سر شروده ؟
ماذا يقول لها عن الابتسامة الغامضة التى كست وجهه حينًا ليس بالقصير ؟
لابد أن يجد مبررًا مقنعًا يسوقه لها لتفك عنه خناقها إن سألت …
انتفخت أوداج (حامد أبوريه) و عاد لعينيه بريقهما المتألق كسابق عهده .

ــ لقد وجدتها .. لقد وجدتها ــ
لن أعجز عن قص رواية محبوكة الأبعاد إن سألت ..
فهذا أمر هين ، و لن يكلفنى الكثير .. فأنا القاص المشهود له بالعديد من المواقف المماثلة .
كان كل ما يشغل بال (حامد) فى هذه اللحظة من أعماقه الرابط بين بزوغ ذكرى (صفاء) و ظهورها على سطح عقله الواعى و الباطن ، و حالة الشرود التى تملكته عند عودة ابنته الوحيدة و زوجها ..

فلقد مضى ما يقرب من نصف قرن من الزمان على هذه الواقعة لم ير فيها حتى طيف (صفاء) و لو لمرة واحدة ، و علاقته بها كانت لا تتعدى كونها علاقة طفولية فى العموم …
كانت (صفاء) فيما مضى مجرد جارة ككل الجيران ، و لكن كانت دار أبيها ملاصقة لدار أبيه و فى نفس الحارة الطويلة التى درج فيها صغيرًا ..
كان والد صفاء (حلاقاً) ، و كان صاحب هذه المهنة يدخل كل بيوت القرية و له علاقة حسنة مع الجميع من أجل (الميسانية) أجره السنوى الذى يتقضاه عند كل موسم حصاد ..
أما أبوه فكان فلاحًا يزرع فى ثلاثة أفدنة ورثها عن أبيه محمد أبو ريه .
أهـل القـرية كانوا يطلقون على هذه الحارة (شارع الحب) .. ليس تخليدًا لذكرى الأديب الكبير الأستاذ يوسف السباعى و روايته الشهيرة ..
و لا محبة فى أبطال الفيلم السينمائى الذى كان يعرض فى دور العرض وقت نشأته صغيرا …
و لكن لأن عرض الحارة كان ضيقا جدا .. لا يسمح بمرور حمارين محملين يسيران متعاكسين .. إلا و حدث تصادم ، و انقلب حمل أحدهما و سد عرض الحارة ..
من هنا أظن كان الاختراع المصرى الخالص للشوارع المصرية المزدحمة بالمركبات فى العواصم الرئيسية على امتداد رقعتها و تحويلها إلى اتجاه واحد .. قد دخل حيز التنفيذ .

كان الشيخ عبدالعظيم البنا مؤذن الجامع يضبط إيقاع المرور بالحارة من بعد صلاة الفجر حتى مطلع الشمس حيث تكثر حركة الخروج و الدخول للدواب و البشر معًا .
أما الليل فحدث و لا حرج ..
ففى صباح اليوم التالى تتناقل الألسنة الحكايا حول (فلان الفلانى) الذى عبط فلانة الفلانية عند عودته من مشواره بالأمس ، و حدث بينهما ما حدث (شتائم و سباب و ضرب و خبط و أحضان ساخنة و قبلات مسروقة ، و ما إلى ذلك) .
المهم ….
(صفاء) هذه كانت زميلته فى المدرسة الإلزامية لفترة قصيرة من عمر الزمن ، و كانت تلك الفترة فى مقـتبل العمر و بالتحديد كانت فى أيام المدرسة الابتدائية .
ــ لا يذكر عددها ــ
كانا يترافقان فى الغدو و الرواح من و إلى المدرسة حتى برز نهدها و علا عن بطنها و رفع ما كانت ترتديه من ثياب ..
هنا خافت عليها أمها من الأيام و مخالطة الشباب و ما يحدث فيها ..
فآثرت والدتها السلامة و أقعدتها عن الدراسة ، و كانت منذ القدم تعتقد (لواحظ) أمها كسائر نساء القرية أن البنت مسيرها للزواج و لا غير الزواج .. فهو سترة للبنت ..
أما التعليم و الاختلاط يفتح عقل البنات إلى حاجات كثيرة ممنوع عليهن معرفتها بعيدًا عن حضن والدتها و كنف أبيها حتى لا تجعل منهما حكاية يتم تعاطيها على كل الألسنة ..
منذ ذلك التاريخ انقطعت علاقته (بـصفاء) إلا من مرة أو مرتين على الأكثر رآها فيها فى الحارة و سلم عليها فى واحدة منهما ..
كان هذا عند عودته للقرية فى الإجازة الصيفية بعد أن التحق في جامعة القاهرة بـــ (كلية الآداب) .
كان (حامد) وقتها يحضر حلقة (ذِكْر) أمام دار الشيخ عثمان عبد الله الواقعة فى نهاية الحارة كعادة أهل العزبة عند الاحتفال بالمولد النبوى الشريف سنويًا ..
تلك الدار التى كانت تسد عرض الحارة من نهايتها و تغلقها على من فيها من الجهة البحرية ..
فى طريق عودته كانت (صفاء) تقف أمام باب دارهم تنتظر عودة أبيها ..
حياها (حامد) و مد يده و سلم عليها ، و لم يبادلها بأكثر من كلمات التحية و السؤال عن الصحة و الأحوال ، ثم هرول على الفور إلى دار أبيه و أوى إلى فراشه البارد ، و هو غير مصدق أن التى سلم عليها و حادثها هـى البنت صفــاء (المفعوصة) التى كان يوسعها ضربًا بالأمس القريب .. أصبحت الآن ست البنات (فشر نجمات السينما) قوام ممشوق و عوارض مذهلة و أوداج يبك منها الدم و أرداف بضة تطلق لنفسها العنان لتنطلق فى كل اتجاه و شرطة عين تسبى من يطل عليها .. و .. و .. و ..
لا يدرى كيف أكمل ليلته من بعد هذا التصافح الساخن ؟!!

ــ والمرة الثانية ــ
كانت عن غير قصد .. كان (حامد) قادمًا توًا من السفر فى إجازة خاطفة للعزبة استعدادًا لامتحانات نهاية العام ، و كان وصوله قبل مغيب الشمس بقليل ، و كان أبواه لم يأتيا من الغيط بعد .
صعد لسطح داره كعادته وقت الأصيل لمراقبة خيوط الشمس الذهبية و هى تتسلل من خلف الأمطار المملوءة بخزين العام من القمح على الأسطح القريبة من داره ، و فروع الشجر المنتشرة فى الحقول البعيدة لتوزع آشعتها على كل بقعة من البقاع دون فواصل أو موانع كالتى تتواجد فى المدن الكبيرة بمبانيها المتلاصقة ببعضها البعض .
كانت (صـفاء) بالصدفة فى (مقعدها) المجاور لدار أبيه تغتسل تاركة باب (المقعد) مفتوحًا لعلمها بأن دار (محمد أبو ريه) لا يوجد أحد فيها فى هذه الساعة .
كانت عارية كما ولدتها أمها فى (طشت) الحموم ، و باب (المقعد) لا يجرحه سوى سطح دار(محمد أبو ريه) .
رآها (حامد)عن غير قصد كما هى .

هبط من فوق السطوح غير مصدق لما رأى .. عود سمهرى صب .. تضاريسه متناسقة الأبعاد من غير زيادة و لا نقصان ، و حمرة ممزوجة بكثير من البياض ينافس خيوط الشمس الذهبية التواق لرؤياها دائمًا .. كن فى نفسه أمرًا ، و خاف أن يفصح عنه لأحـد فينفضح أمره ، و يصبح حكاية تتناقلها الألسنة بالشماتة و الخسة و الـوضاعة فى محيط العزبة .

بعد غفوة قصيرة تملكت من تلاليب (حامد أبو ريه) و هو فى انزوائه على الأريكة فى نهاية (الريسيبشن) عاد من ذكرياته القديمة منهك القوى ..
يبتسم تارة و يتقطب جبينه تارة أخرى ، و (رئيفة) زوجته تحصى عليه كل سكناته و حركاته و تتنمر له ، و لكنها تتحين الفرصة لتـنـقـض عليه و تسائله عما كان يفكر فيه و أخذه منها طيلة هذه المدة .
بينما هو لم يصل بعد للرابط الحقيقى بين توارد ذكرى (صفاء) التى هجمت عليه رغمًا عنه ، و عودة ابنته (وعــد) و زوجها و ولديها .
قــبل أن يقوم (حامد) من مكانه طاف فى خياله سؤال واحد :
ــ هل يمكن له أن يقص على زوجته حقيقة ما رآه فى شروده هذا ؟

فهو طوال السنين الماضية التى تتعدى الخمسة و الثلاثين عامًا .. عاشا سويًا حبيبين متفاهمين لم يخبِّئْ أحدُهما عن الآخر شاردة أو واردة ، حتى أبطال روياته و قصصه القصيرة عاشاها معًا بكل تفاصيلها ..
فهل (رئـيفة) رفيقة عمره ستتقبل هذه الذكرى و تغفر له نظراته الزانية ؟
لم يَقْوَ (حامد أبو ريه) على ذكر ما خطر بباله لأيٍّ ممن كانوا حوله .
ذهب يطرح على نفسه الأسئلة المتعاقبة :
لماذا ؟
و متى ؟
و كيف ؟
لابد من إيجاد علاقة وثيقة و قوية لهذه الرابطة ؟
ثم علق كل الأجوبة إلى حين …
ربما لأن السن تقدم به و أحيل للتقاعد مؤخرًا ..
أم أن أيام الطفولة تطفو على كل الذكريات …
أم أن سمعه ضعف ، و أصبح يتسمع فقط لدقات الأجل القريب ؟
و انطلق من بعد هذه الافتراضات يهدر بصوت مسموع للجميع :
ــ حمدًا لله الذى جعل للعقل البشرى الحرية و الاستقلالية التى لا يجروء أحد أن يتعدى عليها و يحتلها أو يستعمرها مهما ضرب على جسده الأغلال و القيود و أحاطه بالحواجز و السدود ، و تحكم فى لقمة عيشه و منامه و يقظته إلى يوم الدين .
لم يعقب أحد عليه ممن كانوا فى شقته الفاخرة لأنهم ببساطة شديدة لم ينصتوا إليه ، و لم يسمعوا منه حرفًا واحدًا .

ظل (حامد أبوريه) ليال طويلة بعد انتهاء إجازة ابنته (وعـد) و عودتها برفقة زوجها و ولديها لبلاد الخليج .. يفكر و يفكر فى العلاقة بين ذكرى (صفاء) و عودة ابنته ، حتى طفى على عقله فى صلاة ركعتى سنة الفجر ، و عند قراءته لسورة }الكافرون} تهلل وجهه بشرًا و نضارةً .
.. حقًا ..
إن صفاء القلب و النوايا الحسنة من شيم الكرام .

السابق
خلف
التالي
أحـــلام

اترك تعليقاً