القصة القصيرة

صه إنهم يغنون

كنت الشاب الجديد الذي أوفدته الوزارة كمساعد لعميد الوكالة، لكن قبل أن أصير مساعدا كان لا بد لي من أن أمر بفترة تدريبية مدتها عام أكون فيها مجرد مساعد للمساعد نفسه. هو تعقيد و أي تعقيد.
و انتظرت قدوم يوم التوظيف بفارغ الصبر، و كنت فتى طموحا لا توقفني العقبات مهما صعب مرتقاها. انتظرت الرسالة التي سيسلمها لي ساعي البريد..و حينها كان لي هواية غريبة هي أبعد ما تكون عن المألوف.. كان بحوزتي بوق دقيق من طرف يتسع و يتسع ليصبح مثل صور.. شكله شكل صور بدائي مصنوع من خشب مبطن بشيء كالجلد.. لا أدري..
الذي أعلمه علما يقينا أنني وجدته بهري بيتنا الطيني القديم عندما زرت القرية سنوات الدراسة في الجامعة.. ألفيته معلقا في مسمار حديدي مسمر بالجدار الطيني.. مكتوب عليه : ينفخ فيه من يقدر الغوص فيه.
كانت عبارة عجيبة مكتوبة بحروف كادت أن تختفي.. استهلكت أياما أبحث لها عن معنى و أسأل الناس و أريهم الصور و قد علقته بخيط في عنقي.
شككوا في قدرتي العقلية، قال بعضهم : هذا البوق الخشبي لم يحمله أحد قبلك و لا سألنا مثل هذا السؤال الغريب.
لكن “هودة” و هي معمرة أزورها بين الفينة و الأخرى كما يفعل ذلك كل أهل القرية، خالفتهم في الرأي.
كان الوقت أصيلا، دخلت مسلما بالجهر قبل أن أدخل إلى فناء الدار.. قبلت رأسها كما يفعل صغار القرية و أنا واحد منهم. جلست بقربها على الحصير البالي بقرب الحوض الذي غرست فيه أنواعا من الحبق و النباتات العطرية..
أجفلت عندما رأت الصور.. قالت في شبه همس و كأنها تخشى أن يسمعها الصور:
– لا يحمل هذا الصور إلا من يستطيع أن يحمل على ظهره أحمالا.. هل تظن ظهرك قويا بوسعه الصمود؟؟
أردت أن أنبس لكنها رفعت سبابتها المرتعشة في وجهي و كأنها تحذرني من النبس. صمتت مترقبا كلمات أخرى توضح لي بها ما قالته.. بعينها العمشاء بدأت تنظر إلي و كأنها تراني لأول مرة، كانت ترى و تقيس ما ترى.. سألتني:
– أنت ابن صاحب الأصداف بائع “البابوش “؟؟
أشرت برأسي أن نعم دون أن ألفظ خشية أن تطردني و كان هذا ما تفعله عندما يتحدث الزائر دون أن تأذن له..
دقائق طويلة من الصمت مرت و هي تتأملني، قالت بعدما أشبعت بصرها من ملامحي:
– صدف الكون غريبة، أتعرف لمن كان هذا الصور؟؟
أشرت برأسي أن لا وتابعت شفتيها باهتمام مشوب بنوع من الفضول اللاإرادي المصاحب لكل البشر. تفوهت بكلمات أدارت رأسي :
– لا شك أنك سمعت عن “معد” المجذوب صاحب الخيمة؟
هذه المرة أجبت بفمي قلت : نعم..
أحسست أنني وقعت في خطإ جسيم إذ لم أجب بالإشارة كما فعلت سابقا، رأيت في قسماتها بعض الضيق، لكنها تجاوزته بسرعة و حلت مكان العبسة بسمة أنارت وجهها المغضن. قالت بعد برهة:
– كان “معد” هو من يحمل الصور، قال إنه جاب كل المدن و القرى و المداشر و الموامي بحثا عمن يقدر النفخ فيه فلم يجد.. أتراك أنت خليفته؟؟
كلام عجيب..صور يحمله مجذوب يبحث له عمن ينفخ فيه و يقول إنه لا أحد يستطيع أن يفعل. و أكثر من ذلك أنه قلب الدنيا بحثا دون جدوى.. أفلتت مني ضحكة تلتها أخرى .. هي لم تضحك، لما سمعت ضحكتي أدارت لي ظهرها.. وهذا يعني أمرا واحدا: انصرف..
لما هممت بالرحيل رأيت نباتا له ورود حمراء جميلة تتحاشاه النحلات إلى ما عداه.. أحسست بالفضول و مددت يدي لأقطف وردة… أجفلني صوتها المباغت آتيا من خلف ظهري:
– لا تضحك، لا ينفخ في ذلك الصور أحد إلا بلغ المرتقى و نال المبتغى، لكنه مع ما سيكسبه سيموت وحيدا طريدا شريدا.. و الأدهى أنك لن تستطيع التوقف و النظر إلى الخلف.. إنه لعنة.
و امتدت يدها تمنعني من القطف.
فكرت طويلا في ما قالته الجدة “هودة” لكنني لم أجده منطقيا ولا يفيد في أمره عقل.. شرعت أسأل عن المجذوب ” معد ” صاحب الخيمة حامل الصور من قبلي.. ضايقت أبي بأسئلتي الكثيرة و شددت على واحد منها:
– من أين أتى هذا الصور إلى الهري الخاص بتخزين التبن؟
قال لي أبي كلاما كثيرا استفدت من زبدته النهائية أنه لا يعرف، لذلك انتقلت إلى عمي .
عمي هذا الذي أتحدث عنه رجل أحدب له قصة طريفة ليس هذا أوان الخوض فيها، المهم أنه شخص لطيف صادق يشعرك بتفاهتك بمجرد الدخول معه في مناقشة ما. طرحت عليه السؤال و أصخت السمع.. بقي كتمثال ينظر إلى الصور المدلى من عنقي.. قال :
– ألق هذا الشيء بعيدا عن عنقك يا بني، هو شيء ملعون دخل قريتنا الآمنة فحولها إلى جحر للأفاعي.
قال ذلك و انصرف عني دون أن يجيب عن سؤالي.. لاحقته مسافة طويلة دون أن يفيدني بشيء يذكر..
لم أحظ بجواب أفضل مما قالته الجدة “هودة”، و استغربت أن يتحاشى كل أناس القرية الخوض في أمر الصور.. لذلك أردت أن أعبر عن سخطي من هذا الإجماع الغريب.. أخذت الصور بين يدي و تأملته طويلا قبل أن أدفع بطرفه الدقيق إلى فمي و نفخت… صدر منه صوت أشبه ما يكون بنعيب البوم.. و خرج الناس تباعا ينظرون إلى ابن صاحب الأصداف رافعا الصور إلى أعلى ينفخ فيه و هم يحوقلون..
مر عام و الصور بحوزتي مذاك، لم أستطع أن أفارقه ولم اقدر أن أتوقف على النفخ.. كان شيئا ساحرا أو مسحورا.. في الليل يأمرني أميري أن أنفخ فأنفخ.. وكم من عمارة طردت منها بسبب إزعاج الناس و إخافتهم بالليل. سرى ذلك السحر الذي تحدثت عنه الجدة “هودة” في أوصالي فلم أستطع أن أتوقف و لا أن انظر إلى الخلف..
تخرجت من الجامعة بامتياز و لم ألبث إلا أشهرا حتى جاءتني الرسالة المنتظرة مختومة بختم الوزارة.
التحقت بالوكالة.. يومها جئت نافخا ريشي كطاووس، ذهبت إلى مكتب العميد مباشرة دون أن ألتفت للسكرتارية أو حتى للمساعد.. مكتب العميد في الطابق الثالث. هذا كل ما احتجت إليه.
استقبلني كالوزير، تصور أن يقف شخص بأبهة عميد الوكالة لمصافحة شخص متواضع مثلي؟ لا بد أن للصور دخلا.. شكرته في دخيلة نفسي و تمنيت أن يدوم سحره.
أوكل المدير أمري إلى مساعده السمين، قال لي إن الأستاذ مصطفى يعرف الوكالة و يحفظ كل شيء يتعلق بها و سيكون خير من يعلمك المسير أيها الطفل. تقبلت الأمر رغم كونه لا يخلو من تدمير لنبوغي و موهبتي التي تسير دون حاجة إلى من يعلمها المسير..
عرفني المدير بالأستاذ مصطفى و نسي أمري تماما ..
مرت أيام و الأستاذ السمين يعرفني على مكاتب الوكالة المختلفة و أصحابها و لم تمر ساعة دون أن يطلبني على مكتبه ليطلعني على أمر جديد..
قلت له في إحدى جلساتنا الثنائية و قد لفت نظري بناء غريب الشكل موسوم بنوع من الهندسة لم أر لها مثيلا فيما رأيته من البنايات :
– ما هذا البناء الغريب الشكل و كأنه بيضة مفقوسة تناثر قشرها؟
نظر إلي نظرة بلهاء، جمع شفته السفلى ماصا إياها و كأنه طفل محروم. قال بعد برهة صمت:
– نظر ثاقب، سؤال لن أجيب عنه الآن.. لكل شيء أوانه، ربما بعد مرور مدة لك عندنا..
كان ذلك اعتذارا أنيقا و هربا من الجواب، و تدفقت الأسئلة على لساني بعد ذلك عن كل الجوانب، و كان حقا يجيب و لا يتركني إلا على بينة من أمري.
ومرت لي مدة و أنا بالوكالة لا أقوم إلا بما يأمرني به الأستاذ، أشياء تافهة في أغلبها.. ضجرت من الجو المحيط بي و أنا الذي كنت أتوقع منصبا لا مكان فيه للملل و لا للكسل. لاحظ ذلك هو بنفسه و انتظر مني مبادرة من نوع ما. لذلك عندما سألته عن البناء الشبيه بالبيضة المفقوسة المتناثر قشرها أجاب:
– ذاك هو مجلس الإدارة المتحكم بالوكالة.
أنزل بصره يقرأ في ملف للحظات دون أن يعيرني اهتماما ثم ندت عنه تنهيدة بسيطة قال عقبها:
– يبدو أنك فضولي كالآخرين و لا تقدر على الابتعاد، هل تريد إلقاء نظرة، لكنها نظرة قد تدوم؟
قلت دون تريث:
– طبعا..
نهض من مكتبه و أغلق النافذة و أمرني باللحاق به بعد أن أحكم إغلاق المكتب..
تصورت رجالا و نساء مجتمعين على طاولة الاجتماعات يناقشون أمور الوكالة الخطيرة و تخيلت نفسي بينهم و أنا أرفع سبابتي مبينا و شارحا لنقطة الاجتماع مفندا لآراء الآخرين بما لدي من ذكاء و حصافة..
تبعته إلى البناء البيضاوي و عقلي يخوض في مثل هذه الخيالات التي استبدت بي و أبت أن تفارقني. دخلنا إلى البناء بعد أن أولج بطاقته في التجويف الخاص بها بجوار الباب مشيرا إلي أن اتبعني.
دخلنا إلى مكان فسيح فارغ أبيض و طرق سمعي صوت يأتي من بعيد ظننته صوت غناء لذلك أردت أن أطرح السؤال على الأستاذ، لكنني ما نطقت إلا بكلمة واحدة حتى قاطعني بجفاء وفي سحنته تبدى غضب مباغت:
– صه، إنهم يغنون.
ثم صمت و اتجه ناحية الصوت مشيرا بأصبعه إلى كتابة كبيرة منقوشة أعلى القوس الذي سندخل منه و كانت:
” لا ينفخ فيه إلا من يقدر الغوص فيه”
و سقط قلبي بين قدمي مما خلفته الكتابة من هلع في نفسي و تسمرت مكاني لحظات، وكأن دافعا يدفعني من الخلف تماديت أقتفي أثر الأستاذ معتمدا على أذني و هي يأتيها صوت الغناء من بعيد…

السابق
ذَاتَ سَفَرٍ تَوَسَّدَ رَغْوْةَ حُلمِهِ
التالي
أمنيته

اترك تعليقاً