القصة القصيرة

صَرْخَةُ أُمٍّ فِي مَوْكِبِ الرَّحِيلِ

يَنْدَلِقُ الْبَوْحُ شَلاَلاً، يُمِيطُ أَطْرَافَ اللِّثَامِ عَنْ وَبَاءٍ يَسْكُنُ الْكَبِدَ، تَنْدَهِشُ الزَّوْجَةَ لأَحَادِيثِهِ الصَّامِتَةِ، تَجِفُّ الأَجْوِبَةُ وَتَتَوَارَى، يَسْتَوْطِنُهُ التَّوَتُّرُ سُحُبًا مُظلِمَةً، يَزَدَادُ الأَلَمُ حِدَّة، وَمِنْ قَبْلُ كَانَ خَجُولاً كَتُومًا
1- هُوَ شَابٌ وَسِيمٌ، يَفِيضُ نُبْلاً وَأَنَاقَةً، دَخَلَ رَبِيعِهِ الْخَامِسِ وَالثَّلاَثِينَ، تَزَوَّجَ فَأنْجَبَ، سَكَنَ بَيْتًا جَدِيدًا، فَتَحَ مَحَلاً لِبَيْعِ الأَدَوَاتِ، رَبِحَتْ تِجَارَتُهُ، تَألَّقَ نَجْمُهُ، وصَارَ لَهُ بَيْنَ أتْرَابِه حُضُورٌ، فَجْأْةً تَلاَشَتْ أحْلاَمُه فِي مَهْدِهَا وَتَشَتَتْ هَبَاءً، تَدَهَوَرَتْ صِحَّتُهُ وأَخَذَ جَسَدُهُ يَذْبُلُ، يَنْطَوِي عَلَى نَفْسِهِ ذَاهِلاً مَشْدُوهًا يُقَلِّبُ نَظَرَهُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، تجْتَاحُهُ عَوَاصِفَ هَوْجَاءَ مِنَ الْيَأْسِ وَالإِحْبَاط، فَيَهْرَعَ إِلَى الأَطِبَّاء مَتَلطَّفًا، يتَظَاهَرُ بِالسَّعَادَةِ الْغَامِضَةِ حِينًا، ويلْتَزِمُ الصَّمْتَ الأَخْرَسَ أَحْيَانًا أُخْرَى، يرْكَبَهُ هَاجِسٌ الغُمُوضِ وَالْكَآبَةِ وَيُعَرْبِدَ بِهِ الشَّوْقُ، طَعَنَات فِي الصَّدْرِ يَزْفَرُهَا، لَهِيبٌ يَغُوصُ فِي شِغَافِ الرُوحِ، شُّعُورُ غَامِضٌ بِعَدَمِ الارْتِيَّاحِ، زَوَابِعَ تلُفُّهُ بِأًوْجَاعِ رَهِيبَةٍ، تتَغيَّرُ مَلاَمِحُ وَجْهِهِ ويَتلوَّنُ، يَحُسُّ بِمَرَارَةٍ فِي حَلْقِهِ، يَشْكُو ألَمًا حَادًا، يُلاَزِمِهُ الْيَأْسَ والإِعْيَاء، يَحْتَرِقُ بِنَارِ السُّؤَالِ، تُدَاهِمُهُ مَوَجَاتِ الْهَلَعِ وَالْخَوْف، يَنْدَلِقُ الْبَوْحُ شَلاَلاً، يُمِيطُ أَطْرَافَ اللِّثَامِ عَنْ وَبَاءٍ يَسْكُنُ الْكَبِدَ، تَنْدَهِشُ الزَّوْجَةَ لأَحَادِيثِهِ الصَّامِتَةِ، تَجِفُّ الأَجْوِبَةُ وَتَتَوَارَى، يَسْتَوْطِنُهُ التَّوَتُّرُ سُحُبًا مُظلِمَةً، يَزَدَادُ الأَلَمُ حِدَّة، وَمِنْ قَبْلُ كَانَ خَجُولاً كَتُومًا، يَسْتَسْلِمُ لِرُعْبِ الْهَوْلِ، يَدْعُو اللهَ ضَارِعًا: رَبِّ قَدْ مَسَّنِي الضُرُّ وَأنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. يَجْلُدُهُ الوَجَع الصُّبْحَ، يُرْهِبُهُ الضيْق مَسَاءً، يَتَعَاظَمُ حَجْمُ المُعَانَاةِ، يَتَصَنَّتْ.. يَتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ..َيتشَبَّثُ بِخُيُوط ِالأَمَلِ، يَتَمَنَّى.. وَالتَمَنِّي أَرْضٌ مُشَاعَةٌ، يَرْضَخُ مُتَصَالِحًا مَعَ الأَلَمِ، يَبْحَث عَنْ كَهْفٍ يَقِيهِ مِنْ عَوَاصِفَ هَوْجَاءَ تَتَرَبَّصُهُ، يَقِف صَابِرًا مُحْتَسِبًا أَمَامَ جَبُرُوتِ مَرَضٍ خَبِيثٍ لاَ يَرْحَمُ، صَوَاعِقَ تـُلْزِمُهُ الْفِرَاشَ وتُدْخِلُهُ الْمُسْتَشْفَى صَاغِرًا وَمَا غَمِضَتْ عَيْنَاهُ، حَشْرَجَةٌ تَهِيمُ فِي صَدْرِهِ، آهَاتٌ وَأَنِينٌ وَحَنِينٌ وَخَوْفٌ وفَزَعٌ ألِيمٌ.

02- أُمٌّ مُعَذَّبَةٌ أَضْنَاهَا الانْتِظَارُ، مَهِيضَةُ الْجَنَاحِ، تقِفُ مُتَوَدَّدَة إِلَى السَّمَاءِ بَاكِيَّةً، وَهَلْ دَمْعُ الْقَلْبِ يَجِفُّ؟هي فِي هُدَنَةٍ مَعَ أَحْزَانِهَا، تَلْتَمِسُها فِي خَجَلِ الْمَسَافَاتِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْغَضُونِ مسْحَةٌ مِنَ الأحْزَانِ تُخَضِّبُهُ، صَوَاعِقَ مِنَ الأَسْئِلَةِ تَنهَالُ عَلَى الرَّأْسِ، دُمُوعٌ خَرْسَاءُ سَابِحَةٍ عَلَى الْوَجْنَتَيْنِ الْمَكْدُودَتَيْنِ، يَخْرُجُ مِنَ الْمُسْتَشْفَى يُرَاوِدُهُ الأَمَلُ، يُسَلِّي النَّفْسَ وَالْحَنِينُ صَارَ فِي غَمْضَةٍ عَيْنٍ حُطَامًا، مَسَّهُ الضُرُّ وَصَارَ صَوْتُهُ أَنِيناً يَتَحَشْرَجُ فِي الْحَلْقِ، تَفْزَعُ الأُمُّ مُهَرْوِلَةً تَسْألُهُ بِدَمْعِهَا، تُفْرِشُه جُفُونَ عَيْنَيْهَا الراعشتين لِيَسْتَرِيحَ، تَنْحَدِرُ مِنْ جَفْنِهِ دَمْعَةٌ فَيَشِيحُ بِوَجْهِهِ، تَفْزَعُ وَالدَّمْعُ يَنْطِقُ بِمَا يَخْفِيهِ، تَسَأَلُهُ فيَهْمِسُ مَتَى يَنْقَضِي عَنَائِي وَيَخْمُدُ بُرْكَانَ أَوْجَاعِي؟أُمَّاهُ.. إنِّي تَعِبْتُ تَعِبتُ وَأَتْعَبْتُكُمْ مَعِي..وَينْفَجِرُ بَاكِيَّا أَبِي.. إنِّي أَدْنُو مِنَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ يَدْنُو مِنِي..سَامِحْنِي.. لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أُمُّهُ وَلاَ أَبُوهُ أنَّهُ جَاءَ لِيَرْحَلَ مِنْ بَيْتِهِ عَلَى عَجَلِ، أجَل.. يَمُدُّ يَدَهُ فِي رِفْقٍ مُودِّعًا، وَاللَّيْلُ قَدْ عَسْعَسَ وَأَرْخَى سَتَائِرَهُ، يَا حُزْنَاهُ.. لَمْ يَكْتَرِثْ بِتَمْتَمَاتِ الرَّاقِي، وَلاَ بالْعُيُونِ الشَّاخِصَات، ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ مُتَمَلْمِلاً، اصْطَكَّتْ أسْنَانُهُ مُقَاوِمًا، الْتَفَّتْ السَّاقُ بْالسَّاقِ وَكَانَ الْفْرَاقُ،آهٍ.. تَعَاظَمَ الْهَوْلُ وَالأَسْئِلَةُ لَحُوحَةٌ، يَرْحَلُ طَارِقٌ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ فِي لَمْحٍ مِنَ الْبَصَرِ، فِي هَجِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَلَّلُ الأبُ مُتَرَنِّحًا، وَا حَسْرَتَاهُ! أَوْهَمُوهُ بِأَنَّ وَلَدَهُ اسْتَسْلَمَ لِنَوْمٍ عَمِيقٍ، وَمَا هُوَ بِنَائِمٍ، إِنْ هُوَ إلاَّ فَرِيسَةٌ هَامِدَةٌ، فيَنْظُرُ إِليْهِ بِلَهَفَةٍ، وَالْحُزْنُ يَطْمَسُ يَنَابِيعَ قَلْبهِ، تَسْرِي رَعْشَةٌ بَيْنَ أَنَامِلهِ، َيَرْمِي بِجَسَدِهِ فَاقِدًا وَعْيَهُ، ويُجْهِشُ بِالبُكَاءِ جَاهِرًا صَوْتَهُ: وا لَهْفَتاهُ!، يُنَادِي وَلَدَهُ بَاسْمِهِ نِدَاءً يُشْبِهُ الاسْتِجَدَاء: يَنْحَنِي عَلَيْهِ يُقَبِّلهُ والدَّمْعُ هَطُولٌ، يَسْألُه مَبْهُوتًا مَسْلُوبَ الإرَادَةِ..أنَا وَالِدُكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ..أتَسْمَعُنِي..؟!

3- هِيَّ ذِي أمُّكَ ياطارِق أَقبَلَتْ فَزِعَةً، تَتصفَّحُ الوُجُوه، تَهْتِفُ بِاسْمِكَ صَارِخَةً مُعْوِلَةً، كُلُّ مَا فِيهَا يَرْتَعِشُ، حَافِيَّةَ الْقَدَمَيْنِ، حَاسِرَةَ الرَّأسِ، تَضْرِبُ عَلَى صَدْرِهَا بِقوَّة، تَصُكُّ وَجْهًا نَحِيفًا أَغبرًا، تترجَّاك أَنْ لاَ تَرْحَلْ، تَنُوحُ بِحُرْقَةٍ نَوَاحاً يُفَتِّتُ الأَكْبَادَ، وَيُمَزِّقُ نِيَّاطَ الْقُلُوبَ، وَتَسْقُطُ مُكِبَّةً عَلَى وَجْهِهَا، تَهْرَعُ نِسْوَةَ الْحَيِّ بَاكِيَّاتٍ مُتَسَائِلاَتٍ وَجِلاَتٍ يَنْثُرُنَ اللَّوْعَةَ، يَبْكِينَ وَالدَّمْعُ مِنْ أَعْيُنِهِنَّ هَتَّانُ، شَرِيفَة مَعْذِرَةً وَقَدْ هَمَعَتْ الْعُيُونُ، وَاهْتَزَّتْ بَرَاكِينُ الأَحْزَانِ، لَهِيبًا كَالْمُهْلِ مُنْسَابًا عَلَى الأَجْفَانِ، صَرَخَاتٌ احْتَبَسَتْ لَهَا الأَنْفَاسُ وَلاَ يُنْجِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، نِسْوَةُ الْحَيَّ تَنَادَيْنَ الصُّبْحَ مُتَضَامِنَاتٍ، لَكِنْ مَا بَالُهُنَّ يَتَنَاجَيْنَ؟ شَرِيفَةَ مَهْلاً..طَارِقٌ رَحَلَ..أَجَلْ.. وَإِنْ غيَّبَهُ الْمَوْتَ فَمَا ذِكْرَاهُ عَنَّا تَغِيبُ..هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ نَنْسَىاهُ، هِيَّ ذِي الْجَدَّةُ..تَزْحَفُ فِي مَلاَءَتِهَا، تَبْسُطُ بَطَانِيَّتِهَا تُدَثِّرُهُ، تَخَالُهُ حَيَّا.. تَهْمسُ إِلَى النِّسْوَةِ مَنْ حَوْلَهَا: دُعُوهُ يَنَامُ، مَهْلاً جدَّتِي..أَمَا تَعْلَمِينَ؟!..رِيّاحٌ هَوْجَاءَ اجْتَاحَتْ الْبَيْتَ، اقْتَلَعَتْ رُوحَ حَفِيدَكِ!..الْخَبَرُ الصَّاعِقَةَ أَصَابَهَا با رْتِعَاشَةٍ ومَوْجَةٍ مِنَ الذُّهُولِ، صَارَتْ مَبْهُوتَةٌ، تُبَحَلِقُ فِي الْوُجُوهِ فَاقِدَةٌ لِوَعْيِهَا، رُوَيْدَكِ جَدَّتِي اصْمُتِي طَارِقٌ مَاتَ.. فِي صَدْرِ أمِّهِ الحَنُونٍ أَجِيجٌ جَمْرٍ؟ يَا كَرْبَاهُ.. مَتَى سَيَبْقَى صُرَاخُهَا صَلْبًا؟ مَتَى سَيَبْقَى صَمْتُهَا شَفَافًا؟ سَتَبْقَى كُلُّ الكَلِماتِ الَّتِي تُرَدِّدُهَا جَمْرًا فِي بِئْرِ عَمِيقٍ، يَا طَارِق كُنْتَ مِفْتَاحَ بَيْتِي الْمُعَلَّقُ فِي رَقْبَةِ الصُّبْحِ! كُنْتَ قِنْدِيلاً يُضِيءُ دَرْبَ أَحْزَانِي، فَمَا بَالُكَ أَغْمَضْتَ عَيْنَيْكَ الْجَمِيلَتَيْنِ وَالأَشْجَارُ تَفَتَّحَتْ؟ والأَزْهَارُ الَّتِي غَرَسْتَ بِأنَامِلِكَ النَّاعِمَتَيْنِ تَبَرْعَمَتْ! أَيُّها الصَّبَاحُ الْبَائِسُ إنِّي تَحْتَ سَمَاءِ ذَلِكَ الْمَسَاءِ الْمَاطِر الْحَزِينِ، غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى تَذَوُّق طَعْمَ الْفَرَاقِ الْمُرِّ، سَيَبْقَي نَظَرِي مُصَوَّبًا إِلَى عَيْنَيْكَ الْمُبْتَسِمَتَين يَاوَلَدِي، إِلَى حَرَكَاتِكَ الدَّافِئَةِ، وَأنْتَ تدْخُل وَتَخْرُج، مَغْمُورًا بِسَعَادَةِ طِفْلَيْكَ.

04- تَلْمَحُ طَائِرًا فِي أَعْلَى الشَّجَرَةِ يُغَرِّدُ، لاَشَكَّ أَنَّهُ جَاءَ يُشَارِكَهَا أَحْزَانَهَا وَالْبُكَاءَ، وَلَدِي..أُرِيدُكَ كَلِمَةً مَسْموعَة غَيْرَ مُزيَّفَةً تُضِيءُ عَتَمَة دَرْبِي،آه.. الْكَلِمَاتُ تَبَخَّرَتْ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءُ، لاَ أُرِيدُكَ كَلمَاتٍ تَتَكَسَرُ فِي الْفَمِّ، وَلاَ حُرُوفًا مُتَنَاثِرَةً نَازِقَةً تَتَطَايَرُ، َيَقْطُرُ مِنْهَا الْحُزْنُ فِي الأَزِقَّةِ شَلاَلاً . أَسْمَعُكَ يَا طَائِرِي كَلِمَاتٍ بَارِدَةٍ تُطْفِئُ نَارَ لَوْعَتِي وَاسْتيَّائِي، وَأَنْتَ تَرْفُلُ فِي غُلاَلَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ مَحْمُولاً عَلَى الأَعْنَاقِ، يَمْشُونَ بِكَ الْهُوَينَى، رُويدَكَ يَا وَلَدِي.. السَّمَاء مُضَاءَةٌ بالدّعَاءِ، وَهَذَا الْحَشْدُ يُودِّعُكَ، أَقِفُ خَلْفَ النَّافِذَةِ أودِّعُكَ بِعَيْنَيْنِ آسِرَتَيْنِ أَرْعَبَهَمَا الْفَقْدُ، وأنْتَ مُسَجَى فِي الأكْفَان، أحدِّق مَبْهُوتَةً فِي عيُون الضَّجَر، وعَيْنايَ تَذْرِفُ الدُّمُوعُ، رَكْبُ الْمُشَيِّعِينَ قدْ رَحَلَ، يَا وَيْحَتَاهُ.. أَنَادِيكَ.. مَرَايَا الْبَيْتِ مُكْتَظَّةٌ بِالْغَضَبِ، أَقِفُ هُنَاكَ أرْهِفُ سَمْعِي إِلَى حَسْحَةِ أَوْرَقٍ تَنَاثَرَتْ لَعَلِّي أَسْمعُكَ، هَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفَةً اقْتَلَعَتْ أَوْرَاقَ عُمْرِكَ، عَبَثَتْ بِزَهْرَةِ فُؤَادِي، مَسَارِبَ أحْزَانِي غَرِقَتْ.. أَصْغِي إلَى صَوْتِكَ النَّدِيِّ ..أَفَتِّشُ عَنْ صُورَتِكَ، أُبْحَثُ عَنْ مَلاَمِحَ وَجْهِكَ الصَّبُوحِ، هِيَّ ذِيَّ الأَعْيُنُ الدَّامِعَاتُ تَرْعَاكَ، أُرِيدُكَ أَنْ تَسْمَعُنِي.. يَا وَلَدِي ، أتَرَجَاكَ أَنْ تَفْتَحَ لِي قُضْبَانَ أَضْلُعِكَ لأَسْحَقَ الدَّاءَ الْخَبِيثَ، هَلْ تَعْرِفْ عُمْقَ حُزْنِي وَحُبِّي إلَيْكَ..أنَا انْتَظِرُكَ؟ إنِّي أنْصِتُ لِلسُّكُون..أنْتَظِرُ طَيْفَكَ.. لَكِنْ مَحَطَّتِي خَالِيَّةً مِنْ الانْتَظَارِ ..وَاخَيْبَتَاهُ! أَفلَ نَجْمِي وَلَمْ يَعُدْ لِي مَعَ النُّجُومِ حَدِيثٌ، اصْرُخُ وَهَلْ فِي الصُّرَاخِ أَمَلٌ؟ دُمُوعِي غَاصَتْ فِي أَحْشَاءِ الأَرْضِ، سَكَنَتِ مَعَكَ الرَّمْسَ! أبُوكَ يَبْكِيكَ مَهْمُومًا مُقَوَّسَ الظَهْرِ هَائِمًا، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِي هَمْسٍ: ينْتَظَرُ عَوْدَتَكَ هَذَا الأَسْبُوعَ، فَهَل تَعُودُ ؟ هَذِهِ رِحْلَةٌ أُخْرَى غَيْرَ الَّتِي غَادَتْكَ إِلَى الْمَشْفَى، هَذِهِ رِحَلَةٌ حَمَلُوكَ فِيهَا عَلَى الأَعْناَقِ! هَلِ الْمَيِّتُ مِنْ رِحْلَتِهِ يَعُودُ؟ أُمَنِّي النَّفْسَ وَأَنَا فِي هُدَنَةٍ مَعَ الأَحْزَانِ.
فبَعْدَ أنْ كُنْتَ يَا وَلَدِي تَجْلِسُ بِجَانِبِي عَلَى الْفِرَاشِ الْوَثِيرِ، وَقَهْوَتِي تَتَشَاهَا ها أنَذَا أَجْلسُ بِجَانِبِ قَبْركَ صَامِتَه أرْتَشِفُ مُرَّ أَحْزَانِي، يَا سُبْحَانَ اللهِ ! رُوحُكَ سَاكِنَةٌ بِدَاخِلِي، أَنْتَ أَنِتَ فِي صَمْتٍ مُطْبَقٍ لاَ تُجِيبُ..! والْعَبَرَاتُ تَخْنُخُنِي؟ أنَا هُنَا أنْتَظِرُكَ يَا وَلَدِي! لَعَلَّنِي اظْفَرُ بِرُؤْيَتِك أَوْ برِؤْيَةِ طَيْفِكَ فِي مَوْكِبِ الرَّحِلِينَ. !

السابق
بَعيرُ الرصيف
التالي
همس الاقمار

اترك تعليقاً