القصة القصيرة جدا

طفولة مغتصبة

دأبت كل يوم أن تكنس وتطهو وتوضب الأسرّة والأفرشة،غصبا عنها وفي خضم عناء انشغالاتها اليومية المضنية لعبت الطفلة الصغيرة دور الأم،حرصت على إرضاع الصغير وتغيير حفاظته المبللة باستمرار،تهدهده إذا ما بكى وتطبطب عليه لينام.مثقلة بأعباء “فيلا”،ﺧﺮجت للحديقة تبدد القليل من التعب الذي هدها علها تستعيد جزءا يسيرا من ﻧﺸﺎﻃها. ﺑﻴﻨﻤﺎ تتمشى على العشب الأخضر أغرقت التأمل بشكل مفاجىء في تلك الشجيرات المشذبة بشكل مبالغ فيه والمعتنى بها كطفل مدلل،أحست بالغبن واﺟﺘﺎﺣﺘها ﺭﺯﻣﺔ ﻣﻦ الأﻓﻜﺎﺭدفعة واحدة لم يتحملها عقلها الصغير وكاد ينفجر من شدة ضغطها وتواترها.مهيضة الجناح جلست القرفصاء تنعي جسدا نحيفا انحنى صعودا.إذ ﺑﻬﺎﺗﻒ ﻳﻨﺎﺩﻳها ثلاثا من وراء حجاب :
” ﻳﺎ امرأة ..!
ﻳﺎ امرأة..!
ﻳﺎ امرأة ..! ”
ﺗﻮﻗفت مذعورة ﻭﺇﺳﺘﺪﺍرت،فلم تجد ﺃﺣﺪﺍ ﺳﻮﺍها.ﺃﺩﺭكت حينها ﺃﻥ ﻣﺒﻠﻎ ﺍﻟنساء ﻟﻴﺲ في المكاحل والمجاسد والطيب والحلي. ومن يومها لم تعد كما كانت تلك الطفلة البريئة التي كانت تلعب ذات يوم لعبتي الغميضة والعرائس.لم يكن في الحقيقة ذلك الهاتف غيرصوت طفلة بريئة انبرت من عدم تتأبط محفظة أضاعتها وهي تتلمس طريقا غيرالطريق كما يضيع الصوت في الفراغ ونفقده.أضاعتها ولن تستعيدها أبدا وفي خلدها بقية من القلم والدواة.كان وقع النداء قويا في أذنيها لم تشعربه قط من قبل ولم تعه مثلما وعته لحطتئذ.كبرت الطفلة قسرا بدواخلها. تخلّصت من طفولتها المشاكشة واللعوبة مبكرا ورمت بها بعيدا,نزعت عنها رداء الأماني الحالمة والحياة الناعسة المخملية وتدثرت بلبوس الجد والعمل.هناك دوما أسر تنتظر من يعولها وأفواه صغيرة بحاجة إلى من يطعمها.هكذا تموت الطفولة لتحيا أخرى.وخلف الجدران عيون ترقب الوضع عن كثب وآذان تسترق السمع وتحصي الخطوات.لا تفعل شيئا لكنها مستعدة للتدخل في أية لحظة.تغض الطرف مرة وتتدخل لتلميع الصورة أخرى .وبين الحينين تبقى الآمال معلقة والطفولة تغتصب في ظل قوانين محتشمة تحمي ولا تجرم.

السابق
دحرجة
التالي
جرافيتي

اترك تعليقاً