القصة القصيرة

طيف الكلمات

أيتها الكلمات ما أنا بنبي ولا المتنبي، على رسلك لا تقذفيني في فم هذه السهاد الممتد ، أنا لا أحب الكهوف المظلمة والطرق الحائرة التي تاهت فيها العقول والقلوب من قبل، أنا لست الرحالة الأوحد الذي سيكتشف البقاع الجديدة التي لم يطأها بشر .
بربك أأنت من أيقظني من مرقدي الدافىء في هذا الزمهرير ؟ جسدي النحيل لا يقوى على مفارقة الفراش ،أنا بحاجة لهذا الدفء ولهذا الغطاء ولمدفأة برونزية مصقولة الجوانب تشع بالدفء أيضا ،تقيني من البرد وتريح عظامي المتعبة ،لتقوى على نصب عودي للأخذ بيدي ،ليوم عمل ينتظرني في الصباح .
أيتها الكلمات التي تدافعت تدافع المخاض لزوجة تنتظر مولودها البكر، من أيقظك من حلمك الجميل ؟واسترسالك في التيه المحلق الجميل والدافىء ، لتقذفيني في هذا الوضع الذي لا أحسد عليه .
أناأطمئنك أيتها الكلمات ،أنك في الصباح ستنبرين تتجمعين ،لتعبري عن هواجس وخواطر،
لكن ليس في هذا الليل البهيم .
أما لهذا الأمر من آخر ؟أليس الصبح بقريب ؟، فتخرجين وتؤلفين قصيدة محبوكة الفكرة ،ورنانة جرس الكلمات ،تتلاعبين ببيانها وألفاظها ، أو تتكدسين في قصة أحكمت حبكتهاالمشوقة ،وتتابعت أحداثها ،وزينت شخصياتها ،لك ما أردت ،بربك لكن ليس الآن .
أراك هذه الليلة تتفلتين من عقالك وتسبحين في فضاء غير فضائك،بلا ضابط ولا رابط ،انطلقي أنت وسيحي في عالمك لكن بربك اتركيني الآن لأنام ،فأنا متعب ، أنا من لحم ودم ،وأنت من نور ومن روح ،اتركيني أنا من صلصال هذه الأرض، دعيني بربك لأضع خدي علي صدر أمي الأرض ،لأناجيها أطماعي ومخاوفي وتعبي وكدي وطموحي وغضبي ،وكل أوزاري التي أحملها على كاهلي علها تأخذ بيدي ،وتنقذني مما أنا فيه من انغماس وانصهار مع هذه الام الكبرى.
لكني اسألك ايتها الكلمات المربكة، ما قيمتك إذا لم تظفري بمعنى يريح الناس ؟ويعبر عما يختلج في أعماقهم اذهبي وتكاتفي لتعبري عما بداخلنا من وساوس وهواجس وأطماع وطموح وفضول ،حتى تقتربين منا أكثر فنحن عالم الطين ،نرقص على هذة النغمات ،وتجمعنا طبول السطوة والنفوذ ،وتفرقنا قوة السلطان .
لك عالمك أيتها الكلمات ولنا عالمنا .
أفهمت الآن ؟لماذا استأذنتك أن تفارقيني ؟وتتركيني وشأني لأنام ،أنا من مادة ،وأنت من روح ،أنت كلمات الكتب السماوية وهدي الأنبياء ،وأنا الطين المشدود للارض ،والمصلوب بالعراء، أنت الإيحاء والظلال ،وأنا المباشرة والضحالة والسطحية ، فكيف سنلتقي وكيف سنتفق ، تمني لي أحلاما هانئة ،واتركيني وشأني ،أعبث بقدري السرمدي ، أيتها الكلمات ،امضي محلقة في الفضاء عن معنى يليق بك وبقدرك وبرسالتك ،اطلب العفو منك والمغفرة واستأذنك الى لقاء،علنا نحط يوما ما على قاسم مشترك بيننا ،أما الآن فلا… اعذريني الى لقاء غير قريب …

السابق
ذيل
التالي
صفعة القرن

اترك تعليقاً