القصة القصيرة

ظمأ

….
– نسائمكَ ضمّخت خفقي، وأريج حرفكَ غدا يسري في محارات عروقي… اِسمك أشرق أنوارا في حياتي بتلاوين كل الجمال والبهاء، بدّد الظلمة على مساحات روحي…
– لا أكاد أصدق…
– لا تصدق ماذا؟؟
– كيف لهمسكِ الليليّ المرصع بأنفاس شِعرك يداعب في نبضي مناطق ظننتها في عداد الموتى، هاهي الآن وبسحر حرفك تُبعث من ترابها، تلملم شظايا الروح بعطرك الذي تنسمته من خدك أول لقاء…
– والله خائفة من شلالات عذوبتك، قد تضمر قتلي
– لامسي حرفي وجسّي نبضه تدركين الحقيقة، لكن احذري أن يوقظ بصوته الصاخب النائمين حواليك…
– الأمر أصبح الآن فوق طاقتي حبيبي، أفقدتَني البوصلة…
– هل تسمح لي مولاتي بالمغادرة
– تعبتَ مني إذا…
– مولاتي، لم يبق على انبلاج الصبح من صبحك إلا لحظات، وأشغال كثيرة تطرق بابي هذا اليوم…
– لا بأس مولاي، أنا في انتظار مكالمتك أو على الأقل رسائلك. لا تنس مسح المحادثة
Bye –
Bye –

لم أكن أصدق ذات يوم أن يتفتّق في نبضي وفي سرعة قياسية هذا العبير الذي غدا يلامس أنفاسي بالسعادة والجمال وردّ الِاعتبار لسنوات عجاف، تبدو حالة استثنائية في محطات عشقي، صحيح أني مرهف الإحساس، لكن ليس إلى درجة التدفق من حيث لا أشعر في اتجاه حدائقها الغنّاء وضفافها الغانية الرنّاء منذ اللقاءات الأولى والاِتصالات عبر الهاتف والفايس.
ذات صباح وصلتني منها رسالة على الخاص، وكنت قد اعتدت قراءة قصائدها على صفحتها، أعلّق عليها بما جادت به حروفي، وبين الفينة والأخرى تعلق هي الأخرى كغيرها من القراء على ما أنشره على جداري… إنها صديقة افتراضية أكنّ لها كل الاحترام والتقدير:
– صباح الخير
– صباح الأنوار
– سأكون سعيدة بحضورك توقيع ديواني الثالث… بالمكتبة الأندلسية في مدينتك نهاية الأسبوع المقبل…
– يشرفني ذلك، هنيئا لك ومزيدا من العطاء
– هدية ديواني تنتظرك
– عميق شكري وكل الاِحترام والتقدير
لم أتوقع أن تراسلني ذات يوم على الخاص أو لم أكن أهتم بذلك نهائيا… توقفت عن التصفح، تصاعدت أنفاسي قليلا، لامست في دعوتها الجميلة نسائم الِاحترام والتقدير لما أكتب، أحسست بمسؤولية الكتابة، ألفيتها في هذه اللحظة جسيمة وأكثر. عدت لأقرأ دعوتها من جديد، راقتني حروفها كثيرا، شكرتها في نفسي مرة أخرى، بينما ألفيت يراعي قد تقوى بشحنة إضافية استعدادا لفتوحات البياض. عدت من جديد للإبحار وكانت صفحتها المحطة الأولى.
رغم زحمة أشغالي، قررت حضور حفل التوقيع أو ربما التعرف إليها صديقة محترمة. فمنذ مدة طويلة لم أحضر حفل توقيع، فوجدت في دعوتها مناسبة أجدد فيها صلتي بهذه الطقوس الجميلة من خلال صديقتي الشاعرة.

– مساء النور
– أهلا وسهلا
– تأخرتَ في الاتصال بالشبكة، وهذا يقلقني…
– ها هي حروفي الآن تتنفس بجوارك
– لهيب الشوق إليك يلهبني، أريدك بقربي أرتمي في أحضانك، تضمني حتى تكسر ضلوعي، تخنقني… لا يهم إن مت في حضرتك، ستكون للموت بين أنفاسك نسائم الحياة، لم أعد أطيق بُعدك، أنت تعذبني…
– أنا أيضا اشتقت إليك… أنهارك تروي ظمئي، تغزو جدبي، تسري في شرايين نبضي ربيعا أخضر…
ولكن…
– ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
– أرى مشاعرنا جامحة، تركض بلا لجام في ضباب المجهول… ربما يجب التروي قليلا غاليتي…
– ما هذا الكلام… تلقي الكلام على عواهنه، رماحك مسنّنة، كلااااامك يجعلني قِدرا تغلي، ريحا صرصرا تنفخ في أعصابي… هل تريدني أن أصرخ في عزّ هذا الليل الفحيم…
أجبنيييييي
– اِهدئي غاليتي، اِهدئي…
– ورطتَني في عشقك وتتحدث عن لجاااام…. يا سلاااااااام….
– اِهدئي غاليتي
– أنت جبان، جبااااااان، لا تعرف للعشق دربا…
– أنت تدرين وضعنا، فكري قليلا…
– اُتركني لحالي يا جبان… ولا تتصل بي أكرهك أكرهك أكرههووووووووك…

لم يكن الحضور كثيفا، غالبا ما يكون السبب العطلة الصيفية، حيث ينزح المثقفون والمهتمون بالفكر والإبداع الى الشواطئ والجبال يداعبون إلهامهم، يشحذون أقلامهم ويرتاحون من ضوضاء الروتين. بدت نجمة متوهجة أمام الميكرفون، يصدح صوتها بإيقاع الجمال والعذوبة والرقة… تثاقل خطوي في اتجاهها، تصنعت النظر إلى بعض اللوحات المثبتة على الجدران، وقع نظرها علي، تصفحتْ عيناها هيأتي، تفتح ثغرها بابتسامة مضيئة، مدت يدها تصافحني وهي تقول:
– أستاذ رامي… أليس كذلك، قاصّنا الجميل
– سعيد بلقائك على الواقع حدائقَ الشعر
– أهلا وسهلا
– لي كل الشرف وأنا في حضرة بهائك الشعري، عذرا إن لم أحضر الزهور والورود، ليس ذنبي، فهي تغار ممن يفوقها عطرا وبهاء…
وفي غفلة من الزمن، تعانقت نظراتنا، لكنها تجاوزت اللحظةَ بذكاء:
– رجاءً، اِمنحني لحيظات ثم أعود إليك أمنحك هديتك.
بعد أن انفضّ الجمع، كانت تعي وجهتها، وبدون مقدمات سألت عن أحوالي، عن تجربتي القصصية… أثرنا وبفوضى عارمة موضوع الأجناس الأدبية، التقاطع بين الشعر والقصة… بدت في سعادة عارمة نطق بها انشراح تقاسيمها ورقصات حركاتها وتموجات صوتها. وقفنا عند الباب الخارجي، ساد صمت مفاجئ كسرته بقولها:
– لم أوقّع بعد هديتك.
لاحظت أنها تومئ برغبة في مواصلة الحديث معي، وهي الرغبة نفسها التي تحركت بداخلي، بل أحسست بأن بي عطشَ الكلام، وهي الكأس المنعشة لإطفاء هذا العطش. بادرتُ قائلا:
– هل يمكن أن نتناول مشروبا معا…
– شرط أن يكون بنكهة القصّ الجميل.
اِمتطينا سيارتي، قادتنا في اتجاه مقهى جميل ومحترم في ضاحية المدينة، شغلت موسيقى هادئة، خفضت مستوى الصوت، لأترك المجال لحديثنا عن الجمال، الحب، العشق الإبداع… حديث ألغى كل الحدود الممكنة بين رجل وإمرأة في أول لقاء. وبين الفينة والأخرى، كان صوتها يصدح برقراق قصيدها، يوَشّي الزمان والمكان بخضاب الإشراق والمتعة والِانتشاء.

– مساء الخير
– مساء النور
– في غيابكَ…
تلفني العتمات
تحضنني
أنفاس الموت
يُربِّت نبضي
لهيبُ الحنين
يحرقني
أغدو رمادا
لا يبعث روحي
– حروفكِ ترْشَح وجَعا ووهَجا…
– إنها وليدة هذه اللحظة بالذات، ربما تحتاج إلى ترميم أهتم به فيما بعد…
– لم تتصلي منذ مدة
– وهل اتصلتَ أنت؟؟؟
– صمتكِ البهيم…
يداهمني
ينهش روحي
يمزق خفقي
يغتال زهري
يصلبني
على مسافات الشوق
إليك.

– غاليتي، لا أريدك أن تتأذي، وجعك نصْل لا ينسلّ من روحي…
– مللت من هذا الكلام… إما أن تغمرني بعشقك، أن تمتص نسغ ما تبقى من روحي، وإما…
– وإما ماذا؟؟؟؟
– اِرحل نهائيا واتركني أموت بين قضبان صبري…
– هل تظنين أننا أحرار في اختيار مصيرنا؟؟؟ نحن في وضع لا يحسد عليه…
– ظننتك ستروي عطشي، لكن أراك تزيدني جدبا… لا تستطيع تقدير مساحات عشقي لك
– وهل نسيتِ مشاعري أنا؟؟؟؟
– لا أومن بالمنزلة بين المنزلتين ولا اللعب على الحبلين…
– أصبحت أفكر في العواقب أكثر من أي وقت مضى…
– أنت تفكر في العواقب وأنا أفكر في خيباتي معك ….

أحضر النادل المطلوب، طفقت نظراتي تتصفحها علنا، وجه في استدارة القمر ظهرت عليه مساحيق خفيفة، عينان طائران أخضران يحلقان على امتداد عمق بلا حدود، شفتان قرمزيتان رقيقتان تنضحان عذوبة على مبسمها المتوهج، بدا على الجانب شعرها الليلي شلالا يتدفق على كتفها، تراقِص بعضَ خصلاته نسائم االشاطئ… قاطعت تأملي فيها :
– كيف تجدني؟
– آسِرة… كشِعرك
كنا قاب قوسين أو أدنى من بعضنا، طفقت تنشد لي في همسٍ قصيدتها الأخيرة، وأنامل أنفاسها تلامس جوانب من وجهي وأعلى صدري، وبريق نظراتها يتمسح في توهج بوجهي، وبحركة إرادية التصقت ذراعانا… توقف إنشادها لتقبل على إمساك يدي تأويها بتَحنان بين راحتيها… سرى في عروقي دفء غريب مفعم بخفق النبض شرع للتوّ في إذابة جبال جليد بداخلي، بدأت تتهاوى قطعا قطعا. وبصوت هادئ مستسلم لجمال اللحظة أردفت:
– يبدو أنك نصفي الضائع الذي كنت أبحث عنه…
– إلى هذا الحد…؟
– عشقتكَ افتراضيا، فما بالك واقعيا… أيها القاص الجميل…
– ناديني باسمي، رااامي
– رميتني بسهام اسمك يا رامي
رسمت على شفتيها سحر ابتسامة، ارتمت يداها إلى حقيبتها تستل منها هاتفها النقال، استعرضت بعض صورها الملتقطة حديثا مع زوجها وابنتهما الوحيدة الطالبة بكلية الطب في الخارج…
بدأ الغبش يغازل النور، يستلطف مغادرته ليفتح الأبواب مشرعة أمام بهاء الليل المرصع بالنجوم والبدر، وتحت عطر اللحظة المثال، لحظة أنخاب الشعر وشهوة الجسد وخفق النبض وإيقاع انسكاب الموج، دعوتها لزيارة بيتي الثانوي القريب من المقهى مشيا على الأقدام. تشابكت أصابعنا، فانبجس دفء من الدفء، وسرنا على إيقاع خطونا دون الانتباه إلى خطورة الوضع أمام عيون قد ترقبنا فترسل الرسائل بالواضح والمباشر.
أغلقتُ باب الحديقة، انحنت قليلا تشتم وردة في لون فستانها الجميل، سقتها بما تبقى من الماء في مرشة على مقربة منها. رحبتُ بسلطانتي… ضمتنا السكينة بين أحضانها، لم نهتم بصمت خيم على الغرفة يرقبنا تحت نور خافت لشمعتين، لم يقدر على تكسيره سوى آهات أنفاسنا الهائجة.
لم يكن من عادتي المبيت خارج البيت، أوصلتها إلى الفندق الذي نزلت فيه، نثرتُ على خديها وثغرها قبلا هادئة، تنفستْ قليلا من أنفاسي ثم همست في أذني :
– أنتظرك على الفايس، سأشتاق إليك حبيبي …
– وأنا أيضا غاليتي…
وضربنا موعدا لتناول الغداء في أفخم مطعم بالمدينة قبل أن يطير بها السفر إلى بيتها.
لم يكن هاتفي يكفّ عن الِاهتزاز، وبين لحظة ولحظة أتوصل برسائل تفوح بنفحات العشق وتحترق بلهيب الشوق، وفي كثير من الأحيان عتاب حاد اللسان، إذا تأخرت عن الردّ أو تعذر علي ذلك لأسباب تعرفها أو يجب عليها أن تعرفها. ألفيتها تحارب الزمن، تطارد اللحظة بلحظة، لا تريد أن تخطئ قطارا سريعا لا يبالي براكبيه أو منتظريه. أرسلت إليّ في عمق ليلة رسالة جاء فيها: يجب حبيبي رامي أن نستغل زمننا الذي ضاع منه الكثير… الوقت يزاحمنا… أعشقك.
رغم أنني ركبت بحار العشق وجدفت فيها باحترافية البحّار الماهر، إلا أن شاعرتي استثناء، عزفت على وتر السرعة بمهارة وإتقان، استطاعت بسحرها وفي وقت قياسي أن تبسط يدها على امتدادات خفقي. أدركتُ سرعة هذا الإيقاع وهوسها بامتصاص الزمن الجارف الذي قد يأتي على الأخضر واليابس بتعلقها الأعمى بي، حضرني الحب الأعمى عند ابن حزم، لكن الوضع هنا يختلف. خفت أن تؤذّي نفسها وهي تقرأ في حروفي التنصل من عقدها الجنوني الذي وقعته لوحدها، وهو تماهي روحينا فيما تبقى من العمر. فترت رسائلها وتلاشى ذلك التواصل الجنوني الذي فرضته بأسلوبها الخاص، مما جعلني أعي إدراكها أنني غير قادر على الإبحار معها في محيط عشقها المترامي الأطراف… أشفقت عليها كما أشفقت على نفسي…
تحت إيقاع الاِحتفال بنجاح ابنتي رميساء وابنه رواد في الباكالوريا، أسرّ لي أخي وهو يرسم على شفتيه ابتسامة غريبة، تسلّلَ امرأة إلى قفصه عطرت بأريج خفقها إحساسا ظن أنه مات منذ زمن. دلف إلى الخاص بعدْوٍ لا متناه لأنامله، يطلعني على شذا حرفها. فجأة… إنها صورتها، صورها… اقتلعت قلبي من جذوره… تحققتُ بارتعاش أنفاسي من بعض القصائد والصور… ظننتها ذات ليلة قمراء خاصة بي.

السابق
انتظار
التالي
سيمياء

اترك تعليقاً