القصة القصيرة

عازف الأرغـول

كنت لم أزل بعدُ صغيرًا ، و كنت لم أبلغ الحلم بعد ..
يوم أن جاء لقريتنا رجل يقال له ــ يوسف ــ
و إنه (ملاح) ..
وقتها .. كنت لا أدرى ماذا تعنى كلمة (الملاح) ..
هل هى تعنى لقبًا لعائلة كبيرة فى بلاد بعيدة عن قريتنا الكبيرة ؟
أم أنها كانت لشىء ذات مغزى كبير صعب على أمثالى فهم أبعاده ؟
أم كانت (كنية) أطلقها الحمالون و باعة الملح يوم السوق الكبير لقريتنا البعيدة ؟
لم أتوقف كثيرًا أمام المعنى الحرفى للكلمة بقدر ما توقفت أمام صنيع الرجل ذاته ..
قريتنا هذه لها أسماء فريدة لم تتبدل عبر مرور الزمن الطويل ..
قريتنا تجدها منتشرة أبدًا بمحاذاة مجرى النهر المتجه ناحية الشمال من الكرة الأرضية ، و بالقرب من فروعه المختلفة على مسافات غير بعيدة إلا القليل .
يجدها الرائى عادة كامنة بالقرب من ضفاف النهر و الترع و القنوات المنتشرة بربوع الوطن على امتداده و الجارى ماؤه أغلب الوقت دون توقف ، و يجدها محصورة وسط تلال تحيطها الجبال الشاهقات و كثبان الرمال الصفراء الشاسعة التى لم تصلها قطرة ماء فى يوم من الأيام إلا ما ندر منها .
قريتى بها بعض المآذن و القليل من الكنائس ، و الكثير من الزوايا و المصليات العديدة ، و طاحونة تدار بالمازوت ، و سواقى يجرها ثيران و جواميس .
بالرغم من أنها نادرًا ما تروى أراضى أصحاب القراريط و المساحات المحدودة التى يرويها أصحابها بالطنابير ، فالميكنة الزراعية الحديثة كانت لم تكتشف بعد ..
كان الوقت ضحى ساعة قدوم (يوسف) لقريتنا مترامية الأطراف .
وقتها كانت العصافير قد هجرت أعشاشها الرطبة من كثرة بول الوطاويط و الغربان عليها ..
ساعتها أطلت النظر إلى الغريب القادم من بعيد حسب الميعاد الذى حدده بنفسه و لنفسه ، بلا إرادة أو استئذان من أحد ..
تفحصته على غير العادة ..
شىء ما جذبنى إليه ..
لم أسأله عن السبب الحقيقى الذى جذبه للحضور إلى قريتنا بالذات ..
تبسم الغريب لسؤالى الذى لم أنطق به ..
بعد فترة من التفحص المتأنى لكامل ملامحه الخارجية و الداخلية ، لم أجد له مثيلًا بين شباب أهل قريتى ..
ليس لندرة الشباب الأخاذ بقريتى …
بالرغم من تماثل جينات الرجل الغريب ، بل و تطابقها مع كل جينات أهل قريتى العريقة من قديم الأزل ..
فقريتى مليئة بالشباب الذى يضارع أعتى الشباب على مستوى العالم أجمع إناثًا كانوا أو ذكورًا بل و يتفوق عليهم ..
و ربما لم أحسن أنا قراءة الوجوه حينها .. لكونى كنت صغيرًا ، و لم يعقد عقلى مقارنات مماثله من قبل ..
كان باديًا على زند الرجل الغريب الأيسر الضخم بقايا ندبة غائرة بالطول ، و كأنها كانت حفرة عميقة أثرت فيها عوامل التعرية المستديمة ، و قبل أن أسأل الرجل عن سر هذه الندبة لمحت بعين المتمرس .. حزام {الشّدة} التى كانت تلازمه فى كل رحلاته الشتوية و الصيفية و طوال الوقت ..
على الفور تأكدت من التطابق الشديد بينهما و صدق حدسى ..
عندها بترت السؤال في حلقى و لم أكمله ..
علمت فى التوِّ و اللحظة أن الندبة الضاربة في أعلى كتفه الأيسر قد ازدادت اتساعًا من كثرة تطوافه المتعاقب فى كل القرى المنتشرة على ضفاف النهر و فروعه الجارية ناحية الشمال دومًا ..
بصعوبة بالغة عندما كنت أجاهد ضعف بصرى كى أصل إلى منتهى قامة الرجل القادم من بعيد .. رأيتها تطاول (شواشى) الشجر ..
توقفت كثيرًا عند مبسمه الفواح الذى وجدته يحمل أسمى و أطيب الكلمات الرزينة الرنَّانة ..
فى حين كانت أقدامه ثابتة ثبات الظل وقت القيلولة ترخى سدولها على كل المحيطين فتشع فى أفئدتهم التواقة إلى بصيص من الأمل الغائب عنهم لقرون طويلة و تبعث فيهم شيئًا من الطمأنينة .
بعدها دققت مليًّا فى آثار خطواته الوقورة وقت قدومه ، و طلته علينا نحن شباب و صبايا القرية و الأطفال ..
وجدت أنه كان يمشى الهوينى ، و كأنه كان يحصى النجيمات العالقة بجو السماء السابعة ، و كان نعل حذائه اللامع دائمًا ما يرفق بحبيبات الرمال الناعمة و جزيئاتها الرقيقة التى يطأها ، و يتحسسها ببطء شديد مخافة أن يزيد من جروحها النافذة ..
غير أن عينيه كانت مثل كاسات الدم القانى ، أو خليط من الشهب و حمرة قرص الشمس وقت الغروب و تتقاطر منها قطرات الدموع الساخنة كشلال يتدفق من غير هطول ..

***

قبل أن يحط (يوسف) رحاله تحت شجرة التوت الواقفة بشموخ السنين عـند قنطرة التيار المتوسطة ديارَ قريتِنا
كى تستريح كواهله المتعبة من طول المسير ، ثم يرفع رأسه ناحية السماء بشموخ يماثل شموخ الأشجار وقت انبساقها و امتداد ظلها على ربوع البلاد ، عندها
رأى{بالوص}* من دخان أسود لم يزل ينبعث عبر (الكوانين و الأفران) المنتشرة على شاطىء الترعة المارقة بين بيوت القرية الحالم أهلها بساعة الخلاص ، و اندلاع تلك النيران منذ زمن السلطان الأعظم ببلاد الأتراك ، و التى ألهبت فروة كل رؤوس أبناء قريتى الصرعى تحت لسعَات الكرابيج الراقدة لشهور فى براميل الزيت المغلى بقصر (الوالى) و المربوطة إلى أيادى عمالهم القذرة بلا رحمة .
هذا الدخان الأسود .. كان ينخر فى جذور كل الأشجار على ندرتها كالسوس الأخرق ، حتى طال الدخان الأسود جسد [عازف الأرغول] القادم من عمق التاريخ البعيد و القرى القابعة بحضن الجبال العتيقة بالجنوب الأوسط للبلاد ، و الحامل بين كفيه طاقة من نور طاغ ، و نوارة من الأمل المنشود .
يكاد هذا{البالوص} من قوة اندفاعه و قتامة سواده و شؤم كثافته يسد عين قنطرة التيار حيث النبت المتراكب هناك .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عامود كثيف من الدخان

تحت إبط الفلاح الملقى وسط هجير الأرض الحبلى بأقوات الأبناء الجوعى منذ عصر المملوك الأول ، و الفأس المشتاقة شوق المحب إلى قطرة ماء تروى ظمأ
محبوبته .. هنالك .. و عند التفاف الشباب و الصبايا حول القادم من بعيد لمشاركته فرحته بهذا القدوم ، التهبت الحناجر بالهتاف بحياته ، و تاق الكل محاولًا الاستئثار به داخل داره .
قبل تشابك أيادي المجتمعين بالعراك للاستئثار به تخير (يوسف) مكان جلسته ..
لم يجعل ظهره مكشوفًا للمارة و ماء الترعة الراكد ..
جعل جانبه الأيسر في اتجاه (الكوبرى الخشبى) الفاصل بين بيوت القرية على البرين ، و ظهرَه مستندًا إلى جدار دار أولاد {عبدالنبى حواش} ، و إلى جانبه الأيمن من يفترشون الأرض و يعرضون تجاراتهم مثل البخور و المسك و قماش الشيت و البوبلين و الكاستورالمقلم صناعة المحلة الكبرى ، و مكاييل الردة و كيزان الذرة و بيض الفراخ و سرس الأرز و قطع الزبدة البلدى و الجبن القريش و .. و….
جاعلًا أمام ناظريه و من خلفه البيوت المعروشة ببقايا حطب الأذرة الناشف و أعواد البوص و (جواليص)

الطين المتبقية من تجسير (البحر الغربى)* الذى يغرق بيوتهم وقت فيضان النهر و فروعه ، و امتداد سكتيْ البرين السائر عليهما أهلوها منذ قرون طويلة فى طريقهم للحقول و الزرائب المسفوح فيها قطرات العرق الزكى .
عندما استقر (يوسف) فى مكانه و شرع فى إخراج ما كان في جرابه من أدوات لإصلاح حاجات الناس ..
صاحت بعض النسوة احتجاجًا على ما كان يحمله فى جرابه المملوء بأشياء تتناقض مع ما درجوا عليه منذ القدم ..

***

قبل أن يميل قرص الشمس المنهك ليترك الحوائط المنهارة على ساكنيها فى ذروة البرد القارص و الحر القائظ ، قبض (يوسف) قبضة من تراب الأرض المخلوط بعرق أبنائه على مرور الزمن من تحت قدميه ..
خلطها بآلام و أنين الفقراء المنسيين بكل القرى على امتداد البلاد من حوله ..
حكها بجلده المهترئ ..
قرأ عليها بعض الآيات الكريمة ..
لم يعترض عليه الكثير من مشايخ الأزهر الشريف ،

ــــــــــــــــــــــــــــــ
* فرع رشيد
بالرغم من منهاضة كل المنتفعين من العهد البائد بهذا ..
دسَّها تحت جذور الشجر الحالم بالغد المشرق من بعد أن
مررها بين شعيرات صدره النافر و هى فى طريقها للسكون بأعشاش طائر الدكتور (طه حسين) ، سائلا الله دعاءً بالفصحى بالإفاضة على الكل بسلاح العلم و المعرفة ..
فى منتصف ليلة بيضاء ذر فيها (يوسف) الحفنة التى قبض عليها و خلطها بآلام و أنين الفقراء فى الفضاء الفسيح من حوله ، لم يرتعد منها السمك السابح فى قاع النهر ، و لم تهب الرياح المقلعة من مكامن الطغاة القدامى ، قويت أكثر ، ازدادت قدرتها على الإنجاب ..
حملت الرياح السارية بكل شبر في سماء بلادى الذرات الحبلى بلقاح الهمة ، و من ثَمّ أقلعت ناحية قرص القمر المخنوق و المكبل بالعديد من الفرمانات القديمة الضاغطة على عروق الكل ..
فكت حصاره الذى كان ، ثُمّ أطلقت سنا القمر المحبوس ، طافت على كل الديار و أيقظتها من سُباتها .
هتف الأولاد مع البنات :-
{يا بنات الحور سيبوا القمر يدور .. يا بنات الجنة خلوا القمر يتهنى}.
فى الصباح الباكر اخترق شعاع الشمس البكر كل الصدور الباردة و البطون الخاوية ..
قبل الظهيرة وصلت حرارة الشمس الساطعة إلى كل الجدران المنهارة ، و رؤوس الأنفار المنزرعة كعيدان (الحنطة) فى الحقول العارية ، و السابق ضياع عرقهم و كدحهم في بطون السادة الملاك الباشوات ..
انتشلتهم من تلك الحالة .
تنبه الجالسون و الواقفون من أهل القرية إلى أنفاس الرجل القابع بين أيديهم و ظهره المستند إلى جدار دار أولاد عبدالنبى حواش .. الحائط الذى طالما جلس تحت ظله لسنين طويلة أصحاب الأعين الحاسدة و القلوب الناقمة على كل (بهيمة) عفية ، أو أنثى ممشوقة القوام حباها الإله بشىء من البهاء و الجمال ، أو رجل تمكن من رعاية عرض بيته .
انتبهوا جميعًا إلى الأنفاس الصادرة عن الرجل القادم من
بلاد بعيدة تلك البلاد التى تماثل قريتهم النائية ، و هى محملة بأريج الود و الكلمات الهادرة الفاصلة و القاطعة لتحقيق المبدأ ..
الأنفاس تتحدد و تتصاعد و تهبط في صدور الكل لتملأ السماء و الأرض كبالون رحب يتسع لكل الأهواء و الأنواء .
فى لحظة واحدة انقشع الغيم الداكن الذى غطى سماء القرية لسنوات بعيدة ، و انقطع فى التوِّ و اللحظة نعيق الـ (البوم) النائح من فوق شجر (اللّبخ) العتيق المحيط بأسوار كل (الوسايا) التى كانت تنتشر بطول البلاد و عرضها .
على الفور نامت الكرابيج فى أغمادها ، و جفت أعماق براميل الزيت المغلى لحد البوار ..
فجأة ..
رحلت الوطاويط من فوق شجر (الجميز) ، و انتحرت فى مخادعها القطط السمان …
نفقت فى أوكارها كل إناث الغـربان الحوامة التى نهشت لحوم الجميع لسنين طويلة ..
علا الصوت الهادر الرخيم لأهل قريتى البعيدة النائية :-
يا أهل القرى .. يا كل القرى ..
.. احذروا .. و حاذروا من السوس الضارب فى أعماق أعماق الجذور و أصلاب البشر .
أرضعوا أولادكم الذين فى حجور نسائكم لبن النياق الحمر المنتشرة فى السهول و الجبال ..
لا تبالوا لما فى براميل الهكسوس و من يحاذيهم لليوم فى مشيئتهم و معاهداتهم و فضتهم و ذهبهم البراق الأصفر ..
ابحثوا فى كل الحوارى و الطرقات عن (زغاليل) الحمام الأبيض ، و أغصان الزيتون النابت فى طمى النيل الأسود الداعم للنبت الأخضر ..
بشت كل الوجوه للجالس بجوار كل الحوائط و الجدران على امتداد الوطن المشتاق إلى نقطة ضوء .
عندها أخرج الرجل من جرابه (أرغوله الأصفر) الذى كان يلازمه فى كل تحركاته ..
وضعه بين شفتيه ، و قبض عليه بنواجذه ، و راح يشحذ الآذان بلحن الوحدة و القومية ، و أشياء كثيرة أخرى ، و الكل يسمع و يتمايل مع اللحن الفريد ..

***

قبل مرور بضع سنوات محدودة على مداومة (يوسف) العزف و الدوران على كل القرى و إطلاق ألحان الحرية و الخلاص على أرغوله الأصفر الذى شنف آذان العامة ، و تجاوب معه الكثير ، و وقفوا وقفة رجل واحد و صدوا العدوان الثلاثى ، اختلط به الكثير من النغمات النشاز و الفردية و علت من بعدها تيمة الـ”أنا” و عرفت طريقها للصدور المتململة و الراغبة في التنطع على الكراسى ذات البريق الطاغى بكل المواقع من ظهر الرجل ..
فى حين كان (الملاح) لم يزل يفض إزار الأشرعة الملفوفة على سارية القلاع النابتة بعرض البلاد و طولها ، و يحاول تثبيت أحلام الكثير من المشتاقين لتحقيق المبدأ السادس ، و يثبت خطاف هلب السفينة فى عرض البحر ، و يشحذ ملعقة مجدافه ، و يسن سنابك مخرازه ، و يشّمع الفتلة ، و يكثر من ذر قطرات الماء الطهور و حبوب اللقاح الناجزة .. لاحتواء التشرذم البادي هناك فى الفيلات ، و في القلوب الضعيفة من حوله ..
سادت حالة من الوجوم بين أهل قريتى ، و صكوا وجوههم الدامية بتراب الأرض الباكية ، و تبلدت على الأغصان الأوراق الوارفة .. تكورت على براعمها التى سرى فيها خط المشيب بلا وازع و لا ميعاد سابق …
فجأة ..
عَلت أعواد {الهيش} فوق شطوط المصارف و الترع بالوديان .. غطت تلك الاعواد المسطحات التى تكشفت أمام كل الأعين الناظرة لفترة محدودة .
غاصت القلوب المنتفضة فى الصدور تحت (النغمات النشاز) و الأراض المملوءة بالحشائش و الدعوات الجهورية الدعوية الغارقة فى بحور الـ”أنا” خلف الأبواب المغلقة ..
غير أن أعين أهالى قريتى تشرئب من خلف الغمام الكثيف ترقب على استحياء مسرى الرجل من بعد النكسة ، و هو يشق أغوار صدره و يخرج من بين ضلوعه قطعتين أخريين من غاب البوص البلدى الأصفر الناشف ، و يحفر فيهما ثقوبًا نافذة على مسافات متساوية ، و يحكم ربطهما متلاصقين بخيط بَضٍّ من شغاف القلوب الباكية .. محاولًا العودة إلى تيمة اللحن الأول الأصلى ..
بعـد انتصاف النهار و تلاقى الأعين الكادحة مع ظلال الأشجار النائحة فوق رؤس الحقول التى ترعى فيها دودة ورق القطن و المبيدات المتوطنة ..
راح الرجل يعزف اللحن فى غيبة من الكل ..
بالرغم من تواجدهم فى أماكنهم الثابتة عند رأس الكوبرى و قنطرة التيار ، و بجوار حائط دار أولاد عبد النبى حواش ، لتصاب رأسي بنفس الداء الذى أصاب رؤوس آبائى و أجدادى و استشرى فى جذوع كل الأشجار التى كانت تحلم بالسمو إلى عنان السماء .

السابق
تضامن
التالي
ربــيع

اترك تعليقاً