القصة القصيرة

عالم ريبا السفلي

سليم في طريق عودته لغرفته أعلى شقة أعلى المطعم حيث تدير رِيبا أعمال المطعم البحري والملهي الليلي ووكر الشبكة. سرحانٌ كعادته في شهوره الأخيرة، جالسًا على مقعدٍ جلدي، ساكنًا، ضامًا فخذيه على خصيتيه، داخل عربة طائرة، رابطة بين المشفى الصحي لمحدودي الدخل والمنطقة الترفيهية التي تسكن فيها سيدته، من احتوته عُمرّه كُله فحطمته. مُتذكرًا أمه، كانت تعمل خادمة عند السيد الرايق، الوالد للست ريِبا، ماتت يوم ولادته؛ تركته وحيدًا.
رَّبَّاه الرايق في كنفه مع العاملات في قصره المنيف، ثم وظفه عنده عاملًا في المطعم الذي بناه لابنته، ليتدرج في العمل والحياة بين كنف تلك الأسرة. ظل عمره مُتعلقًا بريبا. إمرأةٌ فاتنة تزوجت من حكيم طالب السنوي، ابن التاسعة عشر، يومها تعدت هي مُنتصف الأربعينات. لم يسبق لها الزواج. كانت أشهر راقصة شرقية في البلد، اعتزلت الرقص بعد زواجها من حكيم، إلَّا أنها كانت لا تنُنجب، فانفصلا، ليُمني سَليم نفسه بأنه قد لاحت له الفرصة مواتية؛ مُطلقة، لا تُنجب، فاتنة. إلَّا أنها عاملته باعتباره ابن الشغالة، موظفٌ أجير، عبد، ثم مديرًا لوكر الدعارة،المختفي خلف ستارة المطعم البحري.
يتذكر أنه لم يرفض يومًا لها طلبًا، يموت في التراب الذي تمشي عليه. هي تعرف ذلك. إلَّا أنها لا تهوى الرجال، نعم لا تهوى كُلَّ الرجال، عدا حكيم لفت نظرها بشقاوته وقدرته على جذب الانتباه، لذا لم تُسَّلِّم نفسها من قبل لرجل غيره، ولا من بعده، إلَّا أنها كانت لها ميولًا أخرى. تعلق بها سَليم لحد ولى عمره أمامه دون أن يدري، مُكتفياُ بتفريغ شهوته الحامية، قاذفًا بسموم النار المنبعثة في الأماكن الرطبة لحَتَّى اعتاد ذلك، فلم يتصور يومًا أنه يمكن أن يتزوج غيرَّ الست رِيبا، لتأتي لتقيم علاقة أثمة أمام عينيه مع الفتى ظافر أمين، زوج سماء السابق، الضابط السابق، يعمل حاليًا مدير أمن شركات سِمامة العبيط؛ مرمطون.
وصل به القطار الكهربائي وقتها لمبنى المطعم البحري، يتجه مباشرة لشقة أعلى شقة أعلى المطعم، ثم منها يذهب لممارسة عمله في المغارات السفلية، مغارات الجبل. اعتاد البشر على مدى عُمرهم توظيف أمكنة في المدائن الحضرية والريفية لتلبية هوى متطلبات الحياة اليومية، اختاروا فيها أمكنة السكن والتجارة والترفيه والعبادة والزراعة فلم ينسوا أبدًا العوالم السفلية، عوالم تهب النفس جذوة. أجل؛ عوالم اللهو السفلية؛ عوالم جامعة لملذات الحياة الفانية؛ فيها الفجور كُلَّه، مُخدراتٍ وقمار وجنس واقعي وافتراضي تخيلي. ظل سَليم يفكر مُتهيئًا لما يحصل كُلّ يوم في العالم الليلي السفلي الذي ينطلق فيه اللهو من الثانية عشرة مساءً ليظل لحَتَّى الصباح.


  • بتراقب مين يا رزيل؟ .. واقف عندك بتعمل إيه؟ .. تعالى ورايه يا مُتخلف..
    تُعنِف رِيبا سَليم كالعادة على وقفته أمام باب غرفتها في شقة أعلى المطعم. تعدت الواحدة صباحًا ببضع دقائق، مُمسكة بيد سُولاف ذاهبة معها لحد المصعد الواصل من شقتها في الطابق الثالث مُخترقًا المطعم البحري بارتفاع طابقين، لتتجاوز مواقف السيارات أسفله بارتفاع طابقين ليعبروا الملهي الليلي الشاغل لطابقين سفليين تحت الأرض، مُخترقينه بسرعة وصولًا للمنطقة المُحرَّمة.
    منطقةٌ لا يصلها إلَّا الموثوق بهم، عبورها بمعرفتها هي وسليم وأهل الثقة. تحكي ريبا الرايق لسُولاف ابنة صديقتها نائلة في رحلة الانتقال الرأسية عن أعمالها في إدارة شبكة المتعة السفلية؛ فما زالت هي المهنة الأكثر رواجًا في تاريخ البشرية، لما تتمتع به من قوة مالٍ وسلطان. لحَتَّى بعد انتشار المواقع الإباحية على شبكة المعلوماتية استطاعت تلك المهنة الأزلية، أقدم مهنة في التاريخ، البغاء، تطوير طرائقها التقليدية، ليكون عندها مواقع مُتصلة بشبكة المعلوماتية، يصلوها عن طريق اتصال هاتفي الكتروني، مع احتفاظ الشبكة بتحقيق حماية قصوى من فرق مكافحة الأعمال المنافية للآداب. عادت للظهور في العقد الأخير. استمدت شبكتها الحماية باتصالها برجالٍ ونساءٍ من ذوي سلطة ونفوذ، معتادين القدوم للحصول على المتعة الليلية، أو كما اعتادوا الاتصال بها لتوفر لهم المتعة في أمكنة تواجدهم، بإرسال الصبايا والغلمان والنساء الناضجات، يأتي على رأس المنتفعون عظمت الياقوت ومدارات اللوطي وسِمامة العبيط ورفيقة صفدي؛ ليدور حوار ساذج بين ريبا وسولاف:
  • يالهوي يا طنط دول ناس مشهورين أوي.
  • طبعًا يا حبيبتي..
  • الناس دول بيجوا هنا كُلّ يوم؟
  • بيجوا يا حبيبتي يوماتي ليلاتي متلحئين عندي.. بس لهم طلبات خاصة..
  • مش فاهمة..
  • هتشوفي يا حبيبة طانط..

يبدو العالم السفلي للصبية الفاتنة سُولاف ابنة السبعة عشر عامًا مُختلف تمام الاختلاف عن عالم البشر العلوي، ففيه ملذات البشرية من وسائل رفاهية وترف وزينة. ينابيعُ مياه عذبة تنفلت مُنسابة من بين صخور طبقات سفلية؛ أنهارُ مشروباتٍ، وتلالُ مخدراتٍ من كُلِّ صنفٍ، طبيعية وتخليقية. اشتهرت بلادنا في العقود الأخيرة بأنها حققت اكتفاءً ذاتيًا من المخدرات، لم تعد تستورد، أقصد تجلب من الخارج، اكتفت بما تزرع، فتجاوز حجم تجاراتها المليارات، راجت بين فئات الشعب العاملة. استمعت سولاف بمشاهدة ألوان الحياة المنحلة من غناءٍ ساقطٍ ورقصٍ مبتذلٍ والعابُ تعريةٍ ومنتدياتُ قمارٍ وطاولاتُ رهانٍ.
يُغلف المكان إضاءات بالغة الوحشية، تلِف في المكان نساء من أشكالٍ وأعمارٍ متفاوتة. صبايا وفتيات ناضجات وكبار في السن، مع غلمان وفتيان فاتنين، منهم مثليين ومزدوجي الجنس، معهم كثرة من المُخنثين المتحولين. تتعدد عمليات الممارسة الجنسية من كُلِّ نوعٍ بين البشر العاديين واللواط والسحاق، فيبدو المكان كَأَنَّه المُخالف عن عمدٍ لعاداتٍ وتقاليدٍ وأعرافٍ مُجتمعية وتعاليم وأوامر ديانات سماوية ووضعية فتبان فيه مُخالفة صارخة للشرائع السماوية والأصول الوضعية. مُحدثة نفسها بصوتٍ خفيض: لك الحقُّ يا كابتن سرّ الختم يجب أن يتكاتف الكُلَّ لضرب تلك الشبكات في مقتل، وإن شاء الله سيكون فنائهم على أيدينا، أنا وأنت وَكُلُّ من يرغب في تنفيذ أوامر شرائع السماء، حاملة هاتفها المحمول، فيه كاميرا آخر صيحة، تتلفت مع قواديها تراقب البشر، يرن جرس هاتفها المحمول، فتنظر للرقم الباين مرتبكة:
– هاي مامي.. وأنتِ طيبة.. أمم مع أصحابي.. في المطعم البحري، بنرقص، طانط رِيبا موجودة.. لأ مش
– عارفة فين؟ لأ.. لأ.. مش جانبي..
تغمز سولاف بعينها اليسرى لريبا، محاولة مسك أصابعها، تخبرها هامسة بأن اتصال أمها لتطمئن عليها، لا تعرف لماذا هذا القلق عليها في الشهور الأخيرة؛ تُغلق الخط بعد إنهاء المكالمة، تجيبها ريبا:
– قلب الأم، .. مامتك خايفة عليكي..
– أممم.. بس زودتها خالص من يوم ما عرفت أني باجي هنا.
– أبوكي يعرف أنك بتيجي عندي؟
– لأ .. بابا مشغول في شغله.. بقاله شهرين ليس له علاقة بأحد، عايش مع نفسه.
– عارفة بابا بيشتغل إيه يا سوفا؟
– طبعًا عارفة، بابا أحسن واحد بيشتغل في عالم أجهزة التقنية، بابا عبقري اتصالات وواقع افتراضي.
– تعالي يا حبيبة طانط عايزاكي تتفرجي على حاجة.
– مدام ريبا البنت مالهاش دعوة بالحاجات ديه.
يقترب سَليم هامسًا لريبا لها في أذنها بكلامٍ لم تسمعه سُولاف، تُعنفه ريبا بحدة وغطرسة المرأة المومس:
– اخرس يا متخلف.. البنت لازم تعرف كُلّ حاجة.. هتشتغل معانه، مش كده يا حبييتي؟
– مالك يا طانط.. فيه إيه؟ .. عمو سَليم بيوشوشك ليه؟
تتحرك العربة في البهو السفلي الأخير أسفل المطعم البحري، لتشعر سُولاف بأنها في آخر غيرَّ العالم، أنهارٌ من خمرٍ وعسلٍ ولبن، نساءٌ كأنهن حورياتٍ، ولدانٌ يطوفون على رجالٍ ونساءٍ لممارسة الرزيلة، صالاتُ قُمارٍ مُضاءة، ألعابٌ فائقة الدقة والغرابة، مشاهد مصورة لأفلام لم تشهد أو تسمع عن مثيلاتها من قبل، لحَتَّى أنه لم يخطر على قلبها أن تلك أمور يُمكن أن تحدث في العالم الأرضي، دخانٌ أرجواني يملأ المكان، له رائحة نفاذة قوية، تسعل، مُترنحة:
– هادوخ، فقدت قدرتي على الاحتمال، الدخان ريحته قوية.
– أفضل أنواع المخدرات يا سوسو.. أنواع غيرّ مسبوقة..
مضت دقائق، نامت بعدها الصبية على كتف رِيبا، تتكشف، سَليم ينظر لجسدها العاري، تتعالى أنفاثه فتلكزه رِيبا بكوعها في جانبه بقوة: بص أدامك يا مُتخلف، ديه في عمر ابنتك يا حمار، لو كنت اتجوزت بدري كان زمان ولادك أكبر منها. تعدت العربة الآلية مساحة أسفل المطعم البحري، مُخترقة لجبل الرجفة، لتسير في نفق سفلي متحور كالدودة، مُعلقة على جانبيه شاشات صغيرة شريطية تتبين فيها ألوان مُختلفة من شتى ما يحدث في الطوابق المتعددة أسفل المطعم البحري.
– لسه عايزة تكملي يامدام ؟
– أكمل الرحلة وأنت ساكت،.. بص أدامك، ..إخرس خالص.
– كفاية كده يا مدام.. المستر هيزعل.
– من المستر؟ .. عايزة أنام، .. دايخة خالص.
– نامي يا حبيبتي على كتفي، دلوقتي ترتاحي.
وصلت العربة براكبيها ريبا وسليم وسُولاف اتخذت جانب الرصيف الأيسر، ينزل ركابها، يتجهوا ناحية المصعد، ليصعد بهم طابقين اثنين، دخلوا منطقة المغارات المنحوتة في الجبل، فاقت سولاف تدعك عينيه، بصوتٍ خافت:
– طنط ريبا.. آحنا فين؟
– هتعرفي يا حبيبتي بعد خمس دقائق.


خمس غرف متقابلة، بل لعلها ست، تعلوها غرف، موزعة في المستوى السفلي الرابع داخل المغارات الشرقية في جبل الرجفة، يوجد مثلها عشرات المغارات في المستويات المختلفة، يتبين فيها مجموعة آشباه بشر متحركين، أجسام تميل للضخامة، عضلاتٌ بارزة، شعورٌ مُنسدلة، عيونٌ جاحظة، أصواتٌ آجشة، يمرَّ عليهم عمال آليون صغار، بنوعٍ واحدٍ من طعامٍ يبدو فول مع عصير برسيم: معقول ذلك التغيير من تأثير إنفلونزا الحمير! غيرهم جالسون أمام شاشات صغيرة معدة لبث فضائي، مكتوب على أبواب غرف أسماء قنوات فضائية معروفة النبأ الإخبارية، النايل السياحية، برواز الرياضية، ثم مدونات شبكة المعلوماتية الفضائية على مداخل غرف أخرى تملأ المغارات، ينتقل الآليين إليهم لتوزيع الطعام. يتجهوا ثلاثتهم ريبا وسليم وسُولاف ناحية غرفة كبيرة مُعلقٌ عليها لافتة معدنية براقة: استديو صناعة الواقع الافتراضي، تنظر سولاف مليًا متعجبة ترى وتسمع أبيها زياد مع آسيان صروف:
– هتشتغل معانه من اليوم.. اتفقنا؟
– ممكن أعرف هاعمل إيه يا زياد؟
– يبتسم بسخرية: هتمارس حياتك الطبيعية يا روح أمك.
– مش فاهم؟
يدور زياد من حوله ببطء مُتلمسًا لعنقه برقة شديدة، يداعب أسفل شعره فيقبله في خده قبله ، هامسًا في أذنه:
– سيب نفسك خالص، .. أممم عامل إيه؟.. أنت كويس؟
تنهار سُولاف مكانها مَغشيًا عليها، ضاحكة ريبا بقساوة سادية، بانت اليوم مُتعتها في تعذيب الآخرين. يحمل سَليم الصبية متآسيًا، مازال عقله يذهب بأفكار ليجيء بأخرى، تدمع عيناه مُتصورًا أنه ظلم نفسه ظلمًا شديدًا بانسياقه وراء أحلام كان يعرف أنه لا يُمكن أن تتحقق، مُتصورًا نفسه بأنه لو عاد به الزمن من جديد، لعله كان سيختار مقامًا وتاريخًا آخر. في تلك الليلة، لم ينم سَليم. في نصف الليل الأخير، قبل طلوع النهار، يُصبح الظلام حالكًا، لعله سيأتي بعده نور. مُنتظرًا أن يأتي نور من بعدِ ظُلمة، ليظل مُراقبًا من نافذة غرفته أعلى شقة أعلى المطعم، يود أن يلوح له ضوء فجر صباح اليوم التالي من أدابير الظُلمة.

السابق
الزعيم يريد أن يغرد
التالي
ذكريات امرأة متعبة

اترك تعليقاً