القصة القصيرة

عام البون

يبلع ريقه، يميل عمامته جهة اليمين، وبنبرة حزن ترسم على تقاسيم وجهه عشرات الآهات، ويقول لي رحمه الله:
– من أين تريدني أن أبدأ يا ولدي؟ من بداية الحكاية أم من النهاية؟
وبلهفة عطشان، يرقب غيمة شاردة، ويترقب تفالها:
– من البداية يا أبي، من عام بوهيوف، من عام البون، من عام الجوع٠
يقهقه قهقهة لا تخلو من أوجاع وآلام، ويقول:
– هون علي يا ولدي، فهذه أسماء نوعتها، لكن الفاجعة واحدة ٠
– لكنكم أنتم تعددونها يا أبي، فأنا لا أقول إلا ما تقولون٠
يضحك ملء فيه، يكاد يستلقي على قفاه من شدة الضحك:
– اسمع ياولدي، سألخص فاجعة هذا العام في جملتين أو ثلاث٠
أفتح كل مسام جوارحي، وأتساءل :
– ماذا تعني بكلامك هذا يا أبي؟
يمرر راحته على لحيته الثلجية البيضاء، ويتأفف:
– أين ينسج العنكبوت بيته يا ولدي؟
وأستغرب هذا السؤال الغريب:
– في الأماكن المهجورة، والأكثر أمنا وأمانا، وحتى في الأماكن المقدسة٠
إنك تذكر جيدا، قصة هذا العنكبوت وغار حيراء، يا أبي٠
وينتشلني من حيرة سؤاله، الذي جعلني أكثر حيرة وقلقا:
– في أربعينات القرن الماضي يا ولدي، نسجت هذه الحشرة خيوط بيتها في مؤخرات أجدادك، واستقرت هناك طيلة سنوات عجاف، لا أذكر كم كان عددها٠
أكتم ضحكتي، مستغربا هذا الجواب المضحك / المبكي، لكني أعرف أن أبي لا يهزل في مثل هذه المواقف، فربما نبشت في أعماقه جرحا غائرا لم يندمل بعد، رغم أن الشيب وخط صدغيه، ومرور كل هذه السنين٠
– يا ولدي، مضى ذلك الزمن الكئيب، بمجرد ذكره يبعث في نفسي التقزز حد الغثيان، فقد تعطلت أمعاؤنا، ودخلت معداتنا في عطالة اضطرارية، ولم تعد قادرة على القيام بوظائفها البيولوجية أو قل: اعتراها الصدأ، فقاوم جياعنا جوعهم بحزم المصارين بالحبال، معتقدين أنها تكتم غرغرة أمعائهم، التي هجرتها (مطحونة الرحى) منذ مدة طويلة٠
يتأفف رحمه الله، ويقول بنبرة مخنوقة:
– يا ولدي، لاتنبش مواجعي، إقرأ تاريخ بلادك، سيمدك بقصة العنكبوت،
والمؤخرات المهجورة، والأمعاء المعطلة٠
– اعذرني يا أبي، لا أريد إيقاظ ما خمد من مواجع في أعماقك، لكني لاأحب التاريخ، أعرف أنه يدون ويسجل بأقلام بطون متخمة بدماء المستضعفين، لذلك لا أثق في موضوعيته المزيفة، أريد أن أعرف القصة من الذين عاشوا الجوع، عندما كانت موائد المؤرخين تنعم بسقائط جمال محمرة تدغدغها الشوكة والسكين٠
– صدقت يا ولدي، فعندما كانت الديدان تنخر أمعاء الناس أحياء، كان المؤرخون يتغنون- في كل خرجاتهم- بعيطاتهم الشعبية (قولوا العام زين ألبنات، قولوا العام زين) إذن لابأس، ما دمت تثق في رواية أبيك أكثر مما يروي في كتب التاريخ٠
اصفرت الجلود يا ولدي، وتشققت الشفاه حد التقيح، وهجرت النار المواقد، وأظلمت المداشر والقرى٠ كانت آفة المجاعة أقوى من قدرة الإنسان على التحمل، سنوات عجاف على رؤوس الأصابع، وكأنها بمئات السنين٠ فقد جف الضرع وهلك الزرع، وتلمظت الغدران والأنهار لعابها، اصفرت الشمس، واستقامت أشعتها الحارقة في كبد سماء ملبدة بروائح الموت، وبمعوله كالمجنون كان يحصد الأرواح، مدمرا كل أسباب الحياة٠ وقع الناس بين كماشتي جحافل جراد قادم من البحر، وجراد قادم من البر، فكانت رصاصة الرحمة بلا رحمة٠
ينتفخ قلبي، يدق بقوة كخديج جنبات صدري:
-فأما جراد البر، فقد عرفناه، آفة طبعية تأتي على الأخضر واليابس، فماذا تعني بجراد البحر يا أبي؟
-جراد البر يا ولدي، أفادنا واستفدنا منه، دمر محاصيلنا إلى آخر سنبلة، لكننا كنا نقرمشه وجبة شهية تزين موائدنا، نسكت بها ديدانا مجنونة تمرست على اختلاس أرزاقنا، واقتسامها معنا لقمة٠٠٠لقمة، عوضنا به لحوم أنعامنا التي نفقت إلى آخر رأس٠
-وماذا تعني بجراد البحر يا أبي؟
-لقد فرط ذوو الأمر منا يا ولدي، في أرضنا، واستباحوا عرضنا، وفتحوا أبواب ثغور بحارنا لذلك القادم من وراء الضباب بعدته وعتاده، ليعيث في البلاد والعباد الفساد بذريعة الحماية، استباح الاحتلال أرضنا، وزرع بذور الفتنة بيننا، فكان بنو جلدتنا من الخونة عيونا لا تنام، تترصد الأحرار في الجوامع، وتتربص بهم في المجامع، فاغتنوا من جوع جياعنا، وبنوا القصور، وشيدوا حصونهم وقلاعهم على جماجم صغارنا، واستنزفوا خيراتنا، مقابل رعاية مصالح هذا الجراد القادم من البحر٠
أذكر ياولدي، أن الموت الأحمر استوطن جميع بيوتنا، فانتشرت الجثث في كل مداشرنا وقرانا، وعم الخراب كل ربوع الوطن، فالأهالي كانوا عاجزين تماما عن دفن موتاهم٠
أذكر يا ولدي، أن نساءنا حلقن رؤوسهن، أملا في القضاء على أوكار القمل، الذي غزت جحافله تلك الأجساد النحيفة الصفراء، ومنهن من هجرت أبناءها وتركتهم يواجهون مصيرهم المحتوم٠ فلا تستغرب إذا قلت لك : إن الأب يرى ابنه تنهشه الكلاب الضالة، ولا يستطيع لحمايته سبيلا٠
في مغرب الحماية يا ولدي، كنا نعيش بين كفي كماشة : احتلال لا يرحم، يسن قوانينه الجائرة، فيعيث فينا فسادا بكل حرية وبمباركة الخونة، فاستنزف خيراتنا باسم التضامن مع فرنسا جريحة الحرب العالمية الثانية، فكان الجندي المغربي في مقدمة الجيوش، لمواجهة المد النازي في أروبا٠
لا أريد أن أكون مؤرخا لهذه المرحلة العصيبة يا ولدي، بقدر ما أريد أن أستفز ذاكرتك لتبحر في تاريخ بلادك، فمن لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له٠ ففي هذه المرحلة يا ولدي، احترق زرعنا٠٠٠ جف ضرعنا٠٠٠ نضب ماء نهرنا ٠٠٠غاض بحرنا٠٠٠ جوعا هلك بشرنا٠٠٠ اصفر شجرنا٠٠٠ ونفقت مواشينا، ونفدت مخازننا من آخر حبة شعير، فعمت الفوضى، وخيم الموت، وساد احتكار الخونة سلعنا، انتشر القمل، وأصبح أكثر شراسة، فترشنا – من حين لآخر -طائرات فرنسا بالأدوية٠ واستفحلت ظاهرة الهجرة إلى المدن يا ولدي، رغم سن سلطات الاحتلال قوانين زجرية صارمة للحد من هذه الظاهرة٠
تكورت الغصة في حلقي، وأصبحت عاجزا عن ابتلاع ريقي لفضاعة ما قرأت وما سمعت من أبي٠ ومن أفضع ما قرأت: أن أحدهم كان يشاهد أخاه تقضم الكلاب أذنيه، فيعجز تماما عن حمايته، لأنه هو أيضا كان في حاجة إلى الحماية من أسراب هذه الكلاب التي أدمنت على أكل لحم البشر، ولا تتوانى في نهش تلك الجثث الملقاة في الخلاء. في كل مكان تفوح روائح الموت، في شوارع المدن كما في القرى والمداشر٠ تخلى الآباء عن أبنائهم، تنازلوا عن أراضيهم مقابل مد قمح أو شعير، لسد رمق صغارهم٠
إنه الموت الأحمر يجتاح كل مكان، لكن، تنجو من سطوته عيون فرنسا اللعينة وبصاصوها، هؤلاء الخونة باعوا الأرض، واستباحوا العرض طمعا في بعض الامتيازات٠ إنها المحنة الكبيرة : قطعت النساء السوالف، وحزم الرجال بطونهم بالحبال لكتم أنفاس مصارينهم الخاوية٠ انتشرت أوبئة فتاكة: ( التيفوس ) و( الحمى الصفراء ) و( أمراض الأمعاء الخاوية ) و( الرمد والحصبة ) رغم تلك الإجراءات الخجولة التي قامت بها سلطات الحماية للتقليص من هذه الكوارث التي راح ضحيتها أعداد لا تحصى من الطبقات الهشة٠ أصبح التلقيح ضد التيفوس إجباريا، وفرض قانون الحجر الصحي، حيث منعت الهجرة إلى المدن٠ فكان كل من يريد دخول المدينة يخضع للتلقيح الإجباري، لكن هذا لم يكن ليقف أمام عمليات الغش، إذ كان العشرات من غير الملقحين يعبرون بإذن واحد بالمرور و للشخص الواحد٠
ضيق الجوع والعطش الخناق على المغاربة، لذلك سارعوا – مضطرين- إلى البحث عن بديل يعوض الحبوب النافدة في الأسواق، فقد أصبح القنطار من الشعير يعادل عشرات الفدادين من الأرض، وإذا لم يكن ذلك، يقدم الأحبة قربانا للموت والكلاب الضالة٠ مضطرين،طاردوا القنافذ واللقالق، وعوضوا نقص الحبوب بالأعشاب: (الترفاس : أشبه بالبطاطس /وكتارة / وإيرني) فتطحن وتخلط بقليل من الدقيق، إضافة إلى البقوليات والحميضة، فالمهم هو تحريك المعدات، وطرد العناكب من المؤخرات المهجورة مهما كانت النتائج٠
وكان لاستهلاك هذه الأعشاب عواقب وخيمة جدا: فأغلب الناس كانوا يموتون بالإسهال، خصوصا الأطفال منهم وضعاف المناعة، وكانت الماشية تنفق بشكل مخيف، فدفع ذلك سلطات الحماية للتفكير في الاستفادة من هذه الحيوانات: فلتذبح ما دامت ستموت جوعا وعطشا لامحالة٠ لكن هل اللحم الجاف أصلا يمكنه أن يعوض الخبز، الذي يستهلكه المغاربة؟ إلا الخبز، فالكسرة الحافية منه أصبحت تستعبد عشرات الجياع في بيوت الخونة وعيون فرنسا، واللصوص من شيوخ ومقدمين كانوا يحتكرون البون bon المشؤوم، إذ يساوي فقط بعض الكلغرامات من الدقيق، أو بعض الملابس، لكن هذا الوصل كان يوزع على الأعيان ولا يصل للمسحوقين منه إلا ما قل وندر٠
هذا جزء من بحر بلا شطآن، ونهر بلا ضفاف من محن المغاربة إبان الحرب العلمية الثانية٠ هذه المحن التي استمرت سنوات طويلة نتيجة انحباس الأمطار، وتفاقم الأوضاع العالمية، نتيجة هذه الحرب اللعينة٠

السابق
هَمسَةُ عِيدٍ
التالي
جعالة