القصة القصيرة

عبده القسط

فى النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى ، كان يعمل فراشاً وبواباً بمدرسة المساعى المشكورة الثانوية للبنين بالمركز .
[كان نحيل البنية .. ولكن عوده كان فرعاً .. كعود سِرح فى شجرة (سنط)] منتجة الصمغ العربى ، وكان لون بشرته أسود غطيس .. ربما ينثنى , ولكن لا تستطيع عصبة من التلاميذ المشاغبين كسره ، أو حتى الاقتراب من باب المدرسة ولو كان مفتوحاً على الضلفتين من بعد (رن) جرس الطابور الصباحى بدقائق ، أو مجرد الظن فى تسلق سور المدرسة المنخفض من جراء أعمال (السفلتة) التى كانت تقوم بها البلدية من آن لآخر ، لتصبح مناسيب الشوارع المحيطة بالمدرسة أعلى من مستوى الفناء والفصول الدراسية بكثير .
لذا أطلق عليه بعض التلاميذ (كنية) وعرة .. سرعان ما انتشرت كالنار فى الهشيم .. بـ (القسط) .. عبدة القسط , كى يسخروا وينالوا منه ، وهذا كان أقصى ما يستطعون فعله حياله .
شاعت (الكنية) بين الجميع وثبتت عليه .. وصار يعتز بها كثيراً ، وأصبحت لا تنال من روحه بخلاف ما كانوا يقصدونه .
فهم كانوا يقصدون بـ (القسط) المعنى السىء المعروف لدى العامة .. بينما كان يأخذها على أنها اسم من أسماء الله الحسنى بمعنى (العدل) .
هذا ما نبأه به أحد أئمة الزاوية التى كان يصلى بها صلاة الفجر فى طريقه إلى المدرسة .
واصل التحلى بهذه (الكنية) والعمل بما يحقق معناها كما يعتقده , بالانضباط وفرض التعليمات الصادرة له بكل قوة ، ورد شكيمة الطلبة المستهترين بالمواعيد وبالدراسة ، التى حرم منها فى طفولته وصباه .
غير أنه كان يجهل معنى القانون وروحه ، ولم يعرف غير تنفيذ الأوامر والتعليمات الصادرة له من ناظر المدرسة ، وما دونه بكل صرامة وحدة .
ــ لم يبال بشىء .. ولم يرأف يوماً لحال الطلبة القادمين من القرى والكفور والعزب البعيدة عن المدرسة سيراً على الأقدام ، عبر طرق غير ممهدة وبخاصة فى فصل الشتاء ، مع عدم مقدرة غالبية أهاليهم على تدبير مصاريف نقلهم بوسائل المواصلات المحدودة فى حينها – إن وجدت – فى بعض الطرق .
هكذا (القسط) كما علمه وخبره .
حتى جاء اليوم وقد بلغ من العمر عتياًّ ، بعد أن عاش عمره معتزاًّ وفخوراً بهذه (الكنية) وسط أهله وجيرانه التى أطلقها عليه شباب الستينيات ، واقترنت باسمه كظله طيلة هذه السنوات ، وحتى بعد خروجه للمعاش .
ــ ألمت به وعكة صحية شديدة على إثرها نقله حفيده لابنته الوحيده – رحمها الله – إلى مستشفى المركز , لإجراء عملية جراحية كبيرة .
كانت تكاليف تلك العملية الجراحية خارجة عن نطاق التأمين الصحى المؤمن عليه .
فى أوج مرضه وتوجعه ، كان لم يزل ممسكاً ببقايا خيزرانته القديمة , والتى طالما كان يتباهى بها بين الطلبة والعامة على حد سواء لسنين طويلة .
أثناء إنهاء بعض الفحوصات الطبية التى تتطلبها العملية , إذ به يشخط وينطر فى الدكتور (رئيس قسم الجراحة) بلا مقدمات .
قائلاً للطبيب :
ألم تعلم من أنا ؟!
ــ أنا (عبدالعزيز القسط)!
ــ أنا من تخرج من تحت يديه الكثير والكثير من أبناء هذا الوطن ، فى كل المهن والتخصصات…
ــ أنا (عبده القسط) الذى كان يخشاه ألف شيطان وشيطان أيام شبابه .
ــ وأنا ..
ــ وأنا ..
لا يحق لك أن تعرى سوءتى ، وتمس عانتى ، ثم تتمادى وتطلب منى دفع فرق إضافى فوق {التأمين} كشرط لإجراء العملية ، وأنت تعلم علم اليقين أننى كنت يوماً موظفاً عمومياً مرموقاً؟
أمام هذا التعنت الواضخ من المريض أحاله (رئيس القسم) لمدير المستشفى ..

= بعد أن تأكد مدير المستشفى من شخصية المريض ، تبسم ابتسامة عميقة كالابن البار بوالده ..
ــ أهلاً بالحاج (عبدالعزيز التراس) .. اتفضل اجلس .
ثم أردف قائلاً :
نظراً لخطورة حالتك الصحية ، سوف أتغاضى عما صنعته مع الطبيب (رئيس قسم الجراحة) وسوف أطبق عليك روح القانون الذى ضربت به عرض الحائط طيلة عمرك لإرضاء غرورك الشخصى .
علماً بأنك تعلم علم اليقين بأنك كنت على باطل ، وكنت تحرص على تنفيذ أوامر رؤسائك دون النظر لأى شىء لإثبات ما كنت تعتقد أنه سيدر عليك الكثير من المنافع الشخصية ، الأمر الذى كان سيقضى على مستقبل الكثيرين من الشباب الواعد , ولم تراع ما كانوا يتكبدوه للخضور للمدرسة , وأنا منهم!
ولكن لمعرفتى بضآلة المتحصلات المكتسبة لديك من الثقافات العامة وخاصة القانونية وغيرها ، وحرصك المستمر على مداومتك فى العمل لتوفير لقمة العيش الحلال ..
سأتحمل فرق تكلفة العملية من مالى الخاص ، لاعتزازى بمكانتك عندى رغم إختلافى البين فى الكثير من تصرفاتك منذ القدم وحتى اللحظة .
= لم ينبس الرجل المدعو بـ (عبده القسط) بكلمة واحدة ..
غير أنه أدرك أخيراً وأخيراً جداًّ أنه هناك قانون ، وهناك أيضاً روح القانون ، كما توجد طرق كثيرة للتسامح ، وأبواب كثيرة للتوافق ، وأن التعلم ومجموع الثقافات أقوى أسباب النهوض والنجاح . للبشر ، فى كل المجتماعات الإنسانية.

السابق
توفير
التالي
بعد الحرب

اترك تعليقاً