القصة القصيرة

عبــور

أصفر.. أخضر.. أحمر..
أشاحت بوجهها بعيدا، ملّت رؤية المنظر الثابت أمام عينيها من النافذة..
أخيرا الإشارة خضراء.
أشعلت سيجارة من النوع الفاخر، أكملت المهمة بيد واحدة، أدارت المحرك ومرقت السيارة الحمراء كالسهم، غطست العجلات في بركة ماء، غسل وجه العجوز الجالس على الطوار، يرص علبات الكبريت والمناديل، ابتسم لصاحبة السيارة ابتسامة شاقة، وهو يمسح الجلباب الذي اختفى لونه من القذارة المتراكمة، وعاد لفرشة رزقه اليومي.
عادت تفكر..
مازالت ليلة أمس مرسومة على معالم وجهها بماكياجها الباهت، شعرت هي الأخرى أنها بحاجة إلى سيجارة فاخرة، لتسكن الخواطر المسجونة في قمقم اللاوعي، ورحلة الشقاء كل يوم حتى الصباح، أرادت أن تبصق وهي تلعن أبا النوم الذي رحل عن عينيها منذ الصبا..
غاصت في المستنقع ليلة ككل ليلة، والتجرّد الكامل للتعامل مع مفردات الجسد، ومفردات الحياة الأولى، لم تجن منها غير ثمن الكشف والعلاج.
مئات من البشر تلاحموا معها في قطعة واحدة داخل الكتلة الحديدية اليومية، محطة وأخرى وتتكدس.
نفخت في ضيق من الشخص الذي يقف خلفها، لا يدري أن الجسد منهك لا يشعر بشيء.
مرة أخرى..

أصفر.. أخضر.. أحمر..
ومرة أخرى تنظر من حولها تستقرئ الوجوه، يطلّ في وجهها الاكتئاب، الكل حاول أن يخفيه، ولكن هي لحظته الفريدة، الضعف، والإرهاق، والزحام، والملل، وهذا التلاحم الاضطراري.
ابتلعت ريقها، رفعت رأسها، وأغمضت عينيها، وهي تسحب شهيقاً أخرجته زفيراً حارقاً تطرد فيه خواطرها.. اكتئاب في سلوك ظاهر يصرخ بالحريّة وممارسة الحقوق، تحت شعار الاضطرار ينال جزءا متوهماً من الحريّة، حتى الحقوق غير المشروعة يثبت شرعيتها الملل.
مسكت الشال الذي تغطي به كتفيها العاريين، وكتمت فمها من رائحة الفقر السائدة على المكان، رائحة نافذة من ثقلها كأنها تراها بعينها المجرّدة، منبعثة من داخل الأجساد المتلاحمة، ومن جوع الأفواه، وكتمها لفترة صمت طويل يجعل لها رائحة مميزة، ودّت لو تستخرج من صدرها عطرها المفضل، تراجعت، وأيقنت أن كل شيء في مكانه أفضل..
هناك من يلمحون لها بضرورة العطر، ومنهم من يطلبه ولو في أصعب لحظة على الطرفين، حتى تعودت بالسليقة مجرّد الإحساس بوجود رجال تبرز غريزة التعطر. شعرت بأسف الموقف والمكان، والعيون المرشوقة على كل شبر لحم في جسدها، اكتفت باستنشاق الشال، فيه بعض من رائحته.. عطر آخر، هو الذي اشتراه، مازال عبقه فيه، تعطرت ألف مرة، واشترت بعده عشرات العطور، ولكن عطره مازال باقياً على الشال.
عندما تقابلا آخر مرة في الحسين، وأكلا الكباب في الدهّان، كانت تشعر بداخلها أنها آخر مرة، عندما كانا يمشيان في شارع صلاح سالم قرب حديقة الأزهر، كانت تضحك كثيراً، وتشقلب رأسها إلى الخلف، وهو صامت ينظر إليها، ويبتسم ابتسامة كأنها آتية من العالم الأخر، إشراقة تختفي وتزول سريعاً وسط الأحزان والآلام، تجيء بلا ميعاد، وتذهب فجأة قبل الانتباه بوجودها.. تاركة للذاكرة لسعة القلب حين امتص رحيقها في لحظة.
كانت أول مرة تأخذها الجرأة، وتدسّ حبتين من الليمون في صدرها، وتذهب من أول النهار لسعدية البلاّنة العجوز المتصابية تجهّز نفسها له، تفهم نظراته، كانت تضحك لأنها تعرف، مهنة علّمتها الكثير، علمتها تفسير نظرات الرجال، تعرف أنها اليوم عروسه.
– ليه النهاردة بتحتفل بيا.
– لأني مسافر ومش هاشوفك فترة كبيرة.
– مسافر فين؟.
– مسافر بور سعيد مع جماعة صحابي.
– وما قلتليش ليه؟.
– ما كنتش متأكد.
– هتغيب كتير؟.
– الله أعلم.
– حاسة انك متاخد.
– شعور بقاومه بيكي لكن غصب عني واخذني.
التفت إليها، جذبها وحدّق في عينيها:
– مش عايز أعيش في دنيا غير عنيكي.
– صحيح؟ طب قوللي.. إيه اللي عاجبك فيا؟.
– ياه.. سؤال كنت بسأله لنفسي كتير.. يا ترى إيه اللي شاددني ليكي.. يمكن بحس إنك وطني.. فيك الفتنة والجمال والقلب الطيب.. والضعف والقهر والغضب.. وساعات كان بيجيني هاتف إني عايزك ليا لوحدي.. وساعات بتاخدني فكرة أجن إني عايزك لكل الناس.. يدوقوا حلاوتك ويحسوا بيكي عشان يحسوا بفضل النعمة.
خبطت قدميّها في الأرض واهتزّت كل مرتفعاتها فرحة:
ـ يااه.. والنعمة أنا مش مصدقة نفسي.
حلفت برأس أبيها أنها ستكون له وحده، عندما ارتمت على عتبة باب منزله جثة مذبوحة في نزيف حاد، وهمّ عليها كالمصعوق، حاول إسعافها، وعودة للحياة مرة أخرى بعد عملية إجهاض.
لا تستطيع الهرب من الأفكار المسجونة التي تحرّرت من قمقمها، تجرّها رغماً عنها لتداعيات الذاكرة، وعودة للأيام الأولى، اللعب مع التلاميذ المراهقين بالبرايز والريالات، نظير وجبة يتيمة ليوم واحد يتيم، والحبيب المعتقل من سنين، لا تدري عنه شيئاً على أثر احتجاج لنظام السياسة، وهو في السنة النهائية لدراسة الحقوق.
مر الكمساري وسط الزحام، و نظر باشمئزاز لمن التحم في الجسد، ثم نظر إليها في جمود، بادلته النظرة في ابتسامة مستسلمة، واختفى يشقّ الزحام في آليّة.
حركت يدها على بطنها المتحجرة، والصوت الذي يصرخ بداخلها مطالباً بحقه في الوجود، والشرعية المهملة في سلّات الليالي الكئيبة.
نظرت بحسد للفتاة الصغيرة التي ترتدي الزي المدرسي، الجالسة خلف الحلم الوردي بجوار النافذة، تقلّب صفحات مجلة فنية، تستوقفها صورة راقصة، تقرأ خبر زواجها من شخصية مرموقة..
أخيرا الإشارة خضراء..
مع صفارة الشرطي بوجوب المرور، تغيّر المنظر الثابت أمام عينيها..
رأته شبحا يجري بين العربات، أشعث الرأس، طليق اللحية، عاري الجسد، ألقت بنفسها من الأتوبيس، وعدت صارخة خلف الغائب من سنين.

السابق
كَذِب
التالي
فطور

اترك تعليقاً