القصة القصيرة

علبة الرسائل

– هذه هي عناصر وصفتنا اليوم.
قالت ذلك السيدة شميسة أثناء تقديمها وصفة اليوم وقد ارتسمت ، كالعادة ، ابتسامة عريضة على محياها زادتها جمالا وإثارة…
استمرت في إعداد الوصفة ثم أضافت قائلة وهي تقدم اللمسات الأخيرة :
– كما ترون فهي وصفة اقتصادية !وفي استطاعة كل ربة بيت أن تعدها! وهي لا تحتاج إلا إلى الفضلات الغذائية المحتفظ بها في الثلاجة مع قليل من الجمبري والحبار وبعض فواكه البحر!
سكتت برهة ثم قالت :
– حقا إن البايلة أكلة لذيذة وغنية.
سعاد وحدها في الغرفة ، مائدة خشبية مستديرة ذات لون بني وضعت أمامها ، أوراق ومراجع مختلفة مبعثرة هنا وهناك ، أنامل يدها اليمنى تحرك القلم مرة ، ومرة أخرى تمسك أداة التحكم عن بعد لتنتقل ، كفراشة ربيعية ، من قناة فضائية إلى أخرى ، بينما يدها اليسرى تعبث بخصلة من شعرها الأشقر لتمررها بين شفتيها الحمراوين..
عيناها الجميلتان تتنقلان من المراجع والأوراق إلى جهاز التلفاز ، تبحث عن الجديد ، تستظهر بعض الجمل والفقرات والنصوص والجداول، تقرأ بصوت عال ، تكتب ، تمحو ما كتبت وتعيد الصياغة من جديد ، تتمتم بكلمات غير مفهومة..
تنهدت تنهيدة عميقة وهي تتابع برنامج شهيوات شميسة ، ابتسمت هَمًا وهي ترى مكونات الوصفة الجديدة ، وتسمع تعليق مقدمة البرنامج بأن البايلة أكلة اقتصادية!
نظرت من حولها : ثلاثة أسرة لا رابع لها أخذت مكانها منذ ولادتها أكثر من 19 سنة ، جدران لم يتغير طلاؤها منذ بنائها ، تلفاز صغير ملون وجهاز استقبال رقمي وضعا في دولاب ضم مجموعة من الأواني والكتب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة…حصير من البلاستيك امتد ليغطي أرضية الغرفة طولا وعرضا وقد بدت ألوانه باهتة من كثرة التقادم والاستعمال..
قالت سعاد في قرارة نفسها :
– صحيح أن من الهم ما أضحك…ومنه ما قتل أو على الأقل أدى إلى الجنون، وأن من الزمن ما كان أشد وطأة على النفس..
وضعت يدها على صدرها ، واستلقت على ظهرها وهي تقول مغنية :
– ومن الحب ما قتل!
تذكرت يوسف بن عبد القادر الريفي الذي يقال عنه بأنه تاجر مخدرات ، تساعده في ذلك زوجته ، وأنه سجن أكثر من مرة ، وأنه ربى أفراد أسرته من عائدات بيع هذه المادة المحرمة والخطيرة التي أودت بحياة كثير من شباب هذه القرية الجميلة إلى التهلكة. ويشاع أيضا أن ابنه البكر يوسف قد سار على دربه، وإن كان ، على خلاف أبيه ، قد حصل على دبلوم مركز التكوين المهني الذي أحدث مؤخرا بالمنطقة..
مدت سعاد يدها إلى الهاتف النقال الذي لا يعمل إلا بنصف الشاشة ، بحثت في علبة الرسائل ، اختارت واحدة وراحت تقرأ بصوت متقطع :
– آه يا معذبتي ! لقد اشتقت إليك! متى سيحن قلبك وتمنحيني فرصة للقائك؟ الذي يحبك كثيرا : يوسف.
وضعت الهاتف النقال على صدرها، أخذت تفكر في ماضيها وحاضرها المليء بالحزن واليأس والذكريات الأليمة ،ومستقبل علاقتها بيوسف إن تحققت.
إن مجرد التفكير في هذا الأمر يؤرقها ، ويدخل الخوف والقلق إلى قلبها ،ويذهب النوم عن جفونها.
أحست بحرارة تعتري وجنتيها ، نزعت عنها السريدة الصوفية السوداء ، بدا جيدها الطويل وقد تدلت منه سلسلة فضية مما زادها جمالا وبهاء…أطلقت زفيرا طويلا ثم راحت تتساءل :
– هل تستجيب لطلب يوسف ؟ هل تمنحه فرصة للقائها ؟ما مصير هذه العلاقة؟ هل يستحقها فعلا ؟ألم يكن صديقا سابقا لصديقتها شيماء ، وها هي اليوم تكاد تكون أقرب من بنات الهوى لا سيما عندما تزورها ابنة خالتها؟
منذ عودتها من حاضرة سوس العالمة ، والتحاقها بالثانوية الجديدة/القديمة ، وهو يلاحقها بنظراته ، ويعاكسها بكلماته، ويبعث لها برسائله الهاتفية ، من أجلها فقط غير مقهاه المعتادة وأصبح مواظبا على الجلوس بالمقهى المجاورة لسكناها..
مررت سبابتها على شفتيها ، دغدغت أرنبة أنفها ، أزاحت خصلة من على جبينها ،جالت بنظرها في أرجاء الغرفة ثم قالت في خاطرها :
– صحيح أن يوسف شاب وسيم ، لكن العصر ليس عصر الوسامة والرشاقة بقدر ما هو زمن الكفاءة والقدرة على الزواج وتلبية متطلباته اليومية غير المنقطعة.
تذكرت قول أمها التي تردده دائما في كل اجتماع أو حديث عن الزواج :
– الزواج ليلة لكن تدبيره عام!
أعادت قراءة الرسالة ، فكرت كثيرا ثم قررت أن تمحوها من هاتفها النقال وتمحو صاحبها من ذاكرتها إلى الأبد.
ألقت نظرة أخرى على علبة الرسائل ، اختارت رسالة ثانية وأخذت تقرأ :
– مساء الخير يا أميرتي .أنا من المعجبين بك … رأيتك في الصيف الماضي .. تبعتك أكثر من مرة .. اليوم أكتب إليك بعدما حصلت على رقم هاتفك…كلي أمل أن أحظ بلمسة حب منك ..I love you….
تساءلت في قرارة نفسها :
– من يكون هذا المعجب؟ وأين رآني ؟ كيف هو؟ ما جنسيته؟ ماذا يعمل؟ ما اسمه؟ ما أعجبه في ؟ من أعطاه رقم هاتفي؟

يبدو من خلال رقم الهاتف أنه يعيش في الخارج ، وبالضبط بفرنسا بلد الحرية والإخاء والمساواة كما يقال.
تمنت لو رأته عن قرب لتتخذ قرارها عن وعي واقتناع … وبعد تفكير جدي اعتبرت أمر هذا المعجب غير ذي أهمية وأنه كمن يشتري السمك في البحر!
وضعت الهاتف جانبا بعدما أفرغت علبة الرسائل كلها ، ورجعت إلى مراجعها وأوراقها ، وهي تقول في نفسها :
– الرجوع إلى الأصل أصل .. وليس هناك شيء أهم من الدراسة في هذا الزمن ، وكفى ضياعا وتضييعا للوقت.
تذكرت السيد عمر، صديق الأسرة والذي يعاملها هي بالذات معاملة خاصة ، حينما يختتم حديثه إليها دائما :
– اهتمي بدروسك يا سعاد ! وكوني حذرة في اختياراتك ، وإياك والتهور واتباع الهوى في كل أمر من أمورك! واعلمي أن لكل شيء وقته!
ابتسمت ابتسامتها الساحرة كعادتها كلما عرض لها طيف عمر ، وتراءى إلى مسامعها حديثه..
– حاضر أسي عمر .. سمعا وطاعة.. لن أخيب لك رجاءك أبدا.
قالت ذلك في نفسها .اعتدلت في جلستها بارتياح جميل في خاطرها جعلها أشد تصميما وعزما على الاجتهاد والحصول على أحسن النتائج ، وانبعث بريق من عينيها له أكثر من دلالة، بينما راحت قناة دريم الفضائية تبث نغمات شرقية رائعة حولت الغرفة ، على بساطتها ، إلى مكان أكثر هدوء وراحة وانشراحا وتشجيعا على المراجعة والمطالعة.

السابق
شهرة
التالي
إدريس ربيع عربى

اترك تعليقاً