القصة القصيرة

علي بَعـْزَقَ

بعد رحلة دراسية طويلة .. ظللت عاطلا لفترة .. وأخيرا أعمل وأعيش بالقاهرة .. محشورا وسط زحامها .. متعتى تفرس وجوه البشر فى هذا الزحام .. أمشى وسطهم أحس نبضهم وألمس معاناتهم اليومية ..
يطول المشوارويهدنى السير.. أجلس على كرسي المعتاد بالمقهى القديم بالميدان .. مع كوب شاى ساخن .. أجلس صامتا مطلقا العنان لخيالي .. أعيش مع نفسي متجاهلا ضوضاء الشارع .
تجمع كثيرا من الناس بالساحة أمام المقهى .. متحلقين فى دائرة كبيرة .. وبين وقت وآخر.. أسمع أصوات صفير وزعيق وتصفيق .. أتابعهم فيأكلنى الفضول .. أدلف وسطهم لأشاهد ما يحدث ..
هتفت الله الحاوى وألعابه .. أعادنى لذكريات الطفولة .. حفل نهاية الدراسة الإبتدائية فى قريتنا الهادئة.. تقليد سنوى كنا ننتظره بفارغ الصبر .. نستعد له من منتصف العام .. مازالت تفاصيله محفورة فى قلبى ..
كل تلميذ يدفع قرش صاغ .. يمتلئ الحفل بطقوس رائعة من برنامج أوائل الطلبة .. لمباريات كرة القدم .. وأخيرا ودائماعلي بَعـْزَقَ وعائلته نجوم الحفل وبهجته .. سعادتنا بهم صعب وصفها .. ظللنا لفترة متأثرين بالإسم .. تارة نطلقة على قصار القامة .. وتارة على أصحاب المهارات الخاصة فى التنطيط وخفة اليد .
وهو رجل تخطى قطارعمره محطة الأربعين بزمان .. صاحب السيرك ورب أسرة فقيرة .. تجوب القرى المجاورة لبلدتهم .. قصير القامة بدرجة ملحوظة .. حينما يقف بين أفراد أسرته يبدوأقصرهم وأقلهم جسما .. ومع ذلك جسمه رياضى .. حاذق خفيف اليد يتصرف كبهلوان وحاوى بقدرات خارقة ..
ننظر له بإعجاب شديد ونعتبره بطل مغوار .. لم نشاهد ما يفوقه فى قدراته.. أوهكذا بدا لنا نحن الصغار..
بجنيهان فقط يأتي لمدرستنا مرة كل عام .. مع أسرته وأدواته .. محمولين جميعا بعربة كارو يجرها حصانان هزيلان كهيئة معظم أسرته .. ينصبون عدتهم بسرعة ونشاط كبيرين لبدأ العمل .
أذكر إبنه علي .. ذو الخمسة عشر عاما .. بجسمه الرياضي المكتمل .. ووجه أبيض وشعر كستنائي .. مربوط بالحبال ويفك نفسه بسرعة رهيبة .. يخرج سليما متهلل الوجه ونصفق له بإعجاب ..
كما نصفق لأخواته البنات بعدما يؤدين ألعابهن ببراعة .. وزوجته التي تسير على الحبال ببراعة ..
أو لعلي بَعـْزَقَ وهو يمسك معولا بنصف طوله .. وبضربة واحدة يقسم حجرا ضخما على بطن زوجته نصفين .. وبمهارة كبيرة يتفادى إيذائها .. ونظل نحن المتفرجين أكثر قلقا منه خشية أن يصيبها مكروه ..
يقف بجوار من يؤدى نمرته منهم .. قلق يتابعهم ينصحهم ويساعدهم بالأداء .. يشجعهم ويحثنا لنشجعهم ..
ينتهى اليوم والعرض مع العصر وسط تصفيقنا .. فيقف منتصبا فوق أكتاف أسرته رافعا يده بعلامة النصر ..
وبعد كل التصفيق الذى سمعوه .. يتجمعوا فى ركن بعيدا عن الأعين .. وبإنفعال شديد يوزع ثناءه وغضبه عليهم .. وتتغير قسمات وجوههم حسبما يقذف لهم من كلمات ثناء .. أوعبارات اللوم والسباب القاسية .. كل بحسب نوع الخطأ .. وطبقا لتقييمه لكل فرد وما قام به من عمل ..
ويجمعوا أشياءهم لرصها بعناية على عربة الكارو التي يجرها الحصانان الهزيلان .. والتى هو قائدها أيضا .. و يجلسوا تحتها ليأكلوا ما لديهم من طعام بسيط لايزيد عما يتناوله فقراء القرية ..
حينما رأيته وسط الحلقة وتقف زوجته وإبنتاه بجواره .. قفزت لذاكرتى صورته بالوشم فى كتفه .. إنه هو على بَعـْزَقَ الإبن .. مع السن تغيرت ملامح وجهه .. بدا أكبرمن عمره بعشر سنوات.. وظل محتفظا بمسحة وسامه قديمة .. كضوء خافت فى شارع هادئ طويل .. أهزل جسده نوعا ما .. ولكنه ظل رياضي رشيق ..
ورغم مروروقت طويل من آخر مرة رأيتهم فيها .. بدت كأنها كانت بالأمس فقط .. تسائلت لما جاء هنا .. وأين أبيه على بَعـْزَقَ نفسه .. من يدرى لعله مات .. أو أصابه الكبر ولم يعد يقوعلى الشقاء الآن ..
الخلق كثير ومن كل الأعمار وقوف تتفرج .. ومع هذا العدد أستغرب أمازال هناك من يشاهدهم .. برغم ما يملئ الشاشات من ألعاب متطورة .. بل يعجب بهم ويصفق لألعابهم البدائية .. و يفتتن بهم كما كنا نفعل بزمن الطفولة .. ويعطيهم ما تجود به نفسه من قروش قليلة .. قد تكون أقل مما حلموا أن يجنوه .. فى مدينة ليس بها مكان لأحلام البسطاء .. ولكنها أسباب لأرزاق من الله .
أفقت من أفكاري لأجده يقف حائرا مكبلا بالحبال .. يحاول جاهدا فك نفسه من الحبال .. زوجته وابنتاه تشدان أزره .. ويشجع نفسه ويحث الجمهور لتشجيعه .. البعض وأكثرهم أطفال يصفق بحرارة .. تماما كما كنا نفعل من قبل .. والبعض يشفق عليه ويمصمص شفتيه .. والبعض الآخر غير مكترثين ..
يصرخ مستعطفا يا رب .. وإحساس رهيب بالخطر على وجهه وبتعبيرات عينيه .. يصرخ ويستغيث .. الحبال تكبله و تؤلمه .. بإستماتة يعتصر نفسه ليفتح فرجة بالحبل .. تغير وجهه بعلامات إختناق واضحة .. تلمح القلق يقفز من عيون أسرته المعلقة به وبمحاولاته لانهاء اللعبة ..
ومع حركته ومحاولاته الدؤب .. بدأت فرجة صغيرة بعثت فيه أمل .. وأخيرا تهلل وجهه وتنفس الصعداء .. كأنما خرج من قضبان زنزانة .. جروح كثيرة بكتفيه وآثارالحبال بكل صدره .. يقفز فرحا يتمتم شكرا لله .. و كأنما خرجوا معه من نفس المأزق .. تحتضنه إبنتاه وزوجته وتمسح دمائه بمنديلها ..
انفرجت أسارير الجميع بالساحة .. فرحا صفقت مع الجمهور ..كما كنت أصفق له أيام علي بَعـْزَقَ .. وشعرنا براحة شديدة .. كأنما كنا نخشى عليه من الفشل أو حدوث مكروه .. يدور وزوجته بالحلقة يحيي الحضور .. وعادت طاقيتها للإمتلاء كما كان يحدث دائما ..

السابق
استبـطان
التالي
حامل

اترك تعليقاً