مقالات

عنصر التكثيف في الققج

كثيرا ما يطرح التساؤل، ماذا يعني التكثيف ؟ وما هو ؟ وكيف نوظفه في ق ق ج أو في القصة القصيرة فكلتاهما لا غني لهما عنه. وهل كل ما نكتبه يتوفر على هذا العنصر الهام ؟ ولماذا نطالب به دوما في إبداعاتنا وفي الغالب كلنا نجيب أن ما سطرناه كامل وكل كلماته مهمة في النص ولا يمكننا الاستغناء عن أية منها وإلا اختل حَكينا ومال حاله.. ولمَ لا نعود إلى من سبقونا ولهم باع طويل في ميدان القص ،للتعلم والاستفادة على الاقل من تقنيات الكتابة؟ أهي ثقة زائدة عن اللزوم في أنفسنا واغترار بمنتوجاتنا الأدبية؟ أم استسهال ل ق ق ج والقصة وخصوصا الققجة هذه المغامرة التي يبدو أنها ليست محمودة العواقب في الكثير من الأحيان .
على العموم يبقى السؤال مطروحا لكل منا وربما يعالجه كما تقتضي رؤيته لهذا النمط الزئبقي من الأدب.
لقد تعددت تسميات هذا المستلزم الهام في ق ق ج، فتارة هو الاختصار أو الاختزال أو الاضغام أو التقصير أو التقطير وطورا هو التقتير أو الابتسار أو البسر الذي يعني العصر و الاعتصار..
فإذا كانت ق ق ج ومضة مارقة تمر من تحت أعيننا في سرعة البرق، فإن حدثها لا يجب أن يذهب سدى دون أن يترك أثرا في أنفسنا وفكرنا.. إن كان شاعرية أو إدهاشا أو مفارقة أو قفلة، كله من الإحكام بحيث يترك القاريء في حالة تأمل أو صدمة أو تساؤل حتمي أو وجودي أو فلسفي، حول ما كتبه المبدع وكيف توصل بحسه المرهف أو الحكيم أو التحليلي إلى إتحافنا بهذا المنتوج الزاخم بالتفاعلات والكيميائيات البلاغية، و الصدمات و المؤثرات في أقل ما يمكن من الكلمات .
ويقابل ما أشرت إليه آنفا عن عنصر التكثيف في الضفة الأخرى الإطناب والتمطيط والإسهاب والحشو ..وهذه العناصر إن كانت مقبولة في أصناف أخرى من الأدب ك ق ق (على كون هذا من عيوبها وجرم في حقها لكنه يقترف عن علم أو عن غير علم) أو الرواية فبها حيز أكبر يمكن أن يستوعبها أو الخاطرة التي لا مستلزمات ولا ضوابط تلجم انسيابها التخاطري، فإنها إن مست جوهر ما نحو بصدده من الأدب وهو ق ق ج أو تسللت إلى جسمه ، عصفت بكل مجهود الكاتب في محاولة إنتاج شيء جميل وعميق وحمال دلالات، ونسفت روحها وكنهها والمراد منها.. فهي لا تحتمل ثقلها ولا تستسيغ توسعها ..لأنها بالنسبة لها تعتبر مجرد تفاصيل ضلت مكانها، وتموضعت في تراكيب قص ليست من مقوماته ولا مستلزماته..
التكثيف إذن اقتصاد وتقتير في الكلمات بحيث لا يمكن الاستغناء عن سطر أو كلمة أو حتى بياض أو نقطة..فكل كلمة تكتب وتصاغ بإحساس وعلم واحترافية يولدون منها معنى ومرمى ومرادا، فيسوق الكاتب المفردات ويعقلها بعُقال الإيجاز، ويموقعها في الحيز المليمتري الضيق الذي هو حيز ق ق ج، مع الحرص الكبير على هيكلة المنتوج بحيث يكون مشوقا وبه شخوص إن ظاهرين أو مستثرين وحدث وحكي، ويهيء المتلقي للنهاية المرجاة، والإستمتاع المطلوب مع العمل على تماسط لبناته وابتعاده عن التنافر والإغراب الشديدين، والترميز المخرسن، والتعقيد لمجرد الاستعراض، واستحالة فهم النص الذي يمكن أن يعتبره البعض تكثيفا.. فليس التكثيف أن يُخطّ شيء غير مفهوم يحبطنا ويجعلنا نحس بالغباء والاستبلاد، ولا سهلا منبسطا كأنما القيت كلماته على العواهن للتخلص منها، بل أن يكون ما سطر قصيرا في ملاءة معانٍ وضمورحروف وقوة لغة وبلاغة و منطقية مضبوطة، محكم الرص موحد المعنى بسيط المفردة إن أمكن، فقوته تكمن في الإيحاء والشحن بالتوثر والزخم، يكفي المتلقي إرهاق الزيادات والإضافات.. مستحبا منه مستحسنا، يترك له فسحة للولوج إليه، ومحاولة استقرائه والرد عليه
بما يمكن أن يثريه، كل حسب تاويله ورؤاه وآفاق علمه ، وخلفيته الثقافية والفكريةوالإجتماعية..

التكثيف نوعان..
– التكثيف على مستوى التركيب..
وقد يعتمده البعض لمجرد المبالغة والتلذذ باستغباء القارئ، ورياء التميز ويدعوه بعض النقاد التكثيف غير عملي أو الجاف، كون القص يكون مبعثر المعنى، معقد الكلمات، غير متناسق التراكيب، لا انفراج فيه ولا فسحة لإرساء حوارية بين المتصفح والنص، ووحده الكاتب يعرف ما يريد أن يقوله ويعنيه، فقصرها وتكثيفها لا يشفعان لها في خلوها من العنصر الفني السردي الجميل، وقد تهطل عليه الطلبات لتفسيره أو يترك دون تعاليق خوف الشطط في الاستقراء، أو من ضحك كاتبه على الذقون ووسمهم بقصر الفهم وضعف المعارف.

  • التكثيف على مستوى اللغة
    -يتمتع فيه القص بميزتين مهمتين .. سلامة اللغة، وجماليتها، وبلاغتها ورشاقتها، وشفافيتها وشاعريتها أيضا، يخضعها الكاتب لقلمه ويتحكم في ناصيتها، فينتقي ما قل ودل وأجمل وأكمل وأعقل دون زيادة أو نقصان أو إغراب أو إسهاب ، ليوصل لنا نتاجا رائعا ذي دلالات وآفاق استقراء متعددة ساشعة ..
    التكثيف عملية حسابية أعزائي .. غير مرئية ولا ملموسة لكنها محسوسة من طرف المبدع، تقنّن كلماته ويحددها مستواه المعرفي والثقافي وخلفيته الفكرية، وإحساسه المجتمعي والمعيشي، ومتابعته لما يجري ويمور في بلداننا العربية من قلاقل.
    الأفكار تجوب الشوارع كما قال أحد المفكرين. لكن الالتقاط العالِم والصوغ الناحث، لتكون تحفة أدبية هو الأصعب، وذاك ما نصبو إليه جميعا…وأتمنى أن نوفق..
    تقديري للجميع والتحايا
السابق
غفلة
التالي
حيرةُ

اترك تعليقاً